بوتين أنجز مهمة أوباما في سوريا

جاء قرار الانسحاب الروسي قبل ساعات من موعد انعقاد جولة حاسمة من المفاوضات بين المعارضة السورية ونظام الأسد.

الأربعاء، 16-03-2016 الساعة 09:16


ما زالت توابع القرار الروسي بالانسحاب المفاجئ من سوريا متواصلة، كيف لا وهذا القرار جاء قبل ساعات قلائل من موعد انعقاد جولة حاسمة من المفاوضات بين المعارضة السورية ونظام بشار الأسد في جنيف، مفاوضات إذا ما قدر لها أن تنجح أو تفشل فإنها ستشكل تحولاً ليس على صعيد سوريا وحسب وإنما حتى على صعيد المنطقة ككل.

وإذا ما أردنا أن نجلي حقيقة الموقف الروسي من الانسحاب المفاجئ من سوريا بالتزامن مع موعد انعقاد جولة مفاوضات جديدة، فإن علينا أن نعود قليلاً إلى الوراء، إلى بداية سبتمبر من العام 2015 ، عندما أعلنت روسيا بأنها ستتدخل عسكرياً في سوريا لضرب الإرهابيين، وحددت في بياناتها آنذاك، تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة، حتى إذا ما بدأت طائرات الدب الروسي بالتحليق في سماء سوريا ودك أهداف "الأعداء" تبين للجميع أن روسيا ما جاءت إلا لضرب المعارضة السورية التي توصف بـ"المعتدلة" والمدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، كما توصف، والتي يعترف بها من يوصفون بأصدقاء الشعب السوري على أنها معارضة يمكن أن تقود مرحلة ما بعد الأسد.

باعتراف التقارير الاستخباراتية الغربية فإن 80% من الغارات الروسية في سوريا استهدفت "المعارضة المعتدلة" بينما لم تحظ النصرة وتنظيم الدولة إلا بنسبة ضئيلة من تلك الغارات.

وحارت ألباب المحللين وتشتت أقلام الكتاب، عن الهدف من ضرب المعارضة المعتدلة المدعومة أمريكياً، وترك تنظيم الدولة والنصرة، ولماذا تسكت أمريكا عن هذا الاستهداف؟ في وقت تحول نظام بشار الأسد الذي تدعي أمريكا بأنها تحاربه وترفض وجوده وتتهمه بقتل الشعب السوري، إلى منتصر عقب التدخل الروسي وراحت قواته تتقدم.

كان قرار الانسحاب الروسي من سوريا مفاجئاً، كما هو قرار التدخل، ولكن الغير مفاجئ بالمرة أن أمريكا أدركت ومنذ اللحظة الأولى للثورة السورية بأنها ثورة جاءت لتقتلع أسوأ نظام عرفته المنطقة، وأن هذا النظام السيىء للشعب السوري، بنفس الوقت هو أفضل نظام يحقق أمن إسرائيل طيلة عقود أربعة خلت، رغم أنه النظام الوحيد المجاور لإسرائيل لم يوقع على اتفاقية هدنة.

من هنا كان وجود نظام الأسد ضرورياً بالنسبة لأمريكا، حامية إسرائيل، فلم تدخر واشنطن جهداً في حماية الأسد ونظامه، وسمحت لكل أشكال التدخل والتطرف بالدخول إلى سوريا، فكان أن جاء حزب الله وجاءت معه مليشيات العراق الشيعية وأيضاً إيران التي دخلت حتى بحرسها الثوري، ثم أخيراً سمحت أمريكا لروسيا بالتدخل حماية لنظام الأسد.

أمريكا يا سادة يا كرام تلعب على كل الحبال، إنها دولة أخلاقها المصلحة، ومبادئها الأنا، ودينها حماية أمن إسرائيل، إنها لا تقدم شيئاً بالمجان، كما أنها لا تتدخل قبل أن تعرف ما الذي ستجنيه إسرائيل، ليست مبالغة، إنها قراءة متبحرة ومتفحصة في تاريخ أمريكا بحماية إسرائيل.

لقد طلبت واشنطن من قوة موسكو المتغطرسة أن تتدخل في سوريا وأن تستهدف تحديداً المعارضة المعتدلة التي كانت ذات يوم ترفع سقف مطالبها عالياً إزاء الأسد ونظامه.

جاءت روسيا بقضها وقضيضها، فضربت، لم تترك شيئاً لم تقصفه، لقد حولت حياة السوريين في مناطق المعارضة إلى جحيم، زاد من جحيم الأسد الذي سبقهم، وراحت قواتها تقصف كل شبر في تلك المناطق، فلم تسلم من طيرانها مدرسة ولا مشفى ولا مخبز ولا حتى مخيم، الأمر الذي رفع نسبة النزوح السوري إلى حد كبير، في وقت تجاهلت روسيا قصف مناطق تنظيم الدولة أو النصرة إلا على استحياء، لإقناع العالم بأنها جاءت لضرب الإرهابيين.

لقد أجبر القصف الروسي المتغطرس على مناطق المعارضة، على إجبار هذه المعارضة على الجلوس إلى طاولة التفاوض مع نظام قمعي ومجرم وسفاح، بل والقبول بشروط أدنى بكثير من تطلعاتهم التي كانت ترفض بقاء الأسد ولو يوماً واحداً، أمريكا استعانت بروسيا لإنجاز هذه المهمة، وها هي أنجزت، فبدأت المفاوضات والمساومات بل والضغط غير الأخلاقي على المعارضة السورية.

اليوم وبعد نحو ستة أشهر من بدء تدخلها العسكري في سوريا، أعلنت روسيا الانسحاب، قرار مفاجئ، نزل كالصاعقة على الأسد ومليشياته وإيرانه وحزب الله، لم يكن أحداً يتوقع أن يتم اتخاذ هذا القرار بالتزامن مع المفاوضات في جنيف، الأمر الذي سيفقد الأسد الكثير من قوته التي ذهب بها إلى جنيف والتي استدعت من وزير خارجيته، وليد المعلم، إلى الإدلاء بتصريحات وصفت بأنها عرقلت المحادثات حتى قبل أن تبدأ.

ما سيجري في جنيف هو قبول كل أطراف الصراع، معارضة ونظام، بخطة دي ميستورا ذات الـ18 شهراً، وكل سيقبلها على مضض، خلالها سيتفرغ الجميع لمحاربة من يوصفون بأنهم إرهابيون، تنظيم الدولة وجبهة النصرة، وبعد انتهاء الـ18 شهراً، ستجري انتخابات رئاسية دون الأسد، وقتها سيأتي إلى رئاسة سوريا ابن الأسد، ولا أعني حافظ بشار الأسد، وإنما أحد زبانية النظام الذي ستسعى أمريكا إلى تلميعه، وسلام على الثورة المقتولة.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة