بينما يضيق الخناق على قتلة خاشقجي

خطيبة خاشقجي السيدة خديجة جنكيز هي الاسم الأبرز في هذه الجريمة أو الذي سيمكننا من متابعة الأحداث بشكل قريب.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LJpkd1
السبت، 20-10-2018 الساعة 18:53

تنكشف بمرور الأيام تفاصيل حول عملية اغتيال جمال خاشقجي في إسطنبول وهويات من شاركوا بها وأنشطتهم. ويبدو من التفاصيل التي كشفت حتى اليوم أننا سنشهد كشف المزيد من التفاصيل في قادم الأيام.

يعترض زميلنا كمال أوزتورك، وهو محق في ذلك، على طريقة عرض الأخبار المتعلقة بصديقنا العزيز خاشقجي الذي قتل بهمجية وخبث، ويقول إن استعراض هوية المقتول على أنه "صحفي معارض"، والتركيز على التفاصيل شديدة الدقة حول الجريمة والاهتمام المفرط بطريقة القتل ولحظته، أفضى إلى التغاضي عن تلك الشخصية العظيمة والحالة والحكاية الإنسانية الكامنة وراء شخصية القتيل.

فنحن، على أي حال، أمام حكاية إنسانية من الدرجة الأولى. فهناك شخص كان يحاول الزواج في دولة بعيدة عن بلده الأم، ولهذا دخل وهو متوتر مبنى قنصلية بلاده في تلك الدولة، إننا أمام شخصية عظيمة للغاية من خلال أفكارها وهويتها وعلاقاتها الإنسانية ولطفها وأناقتها وأصالتها.

إنه خبير سياسي يمتلك عقلية تحليلية حادة الذكاء ومثقفة، كما أنه يعرف جيداً كيف يقرأ العالم والمنطقة وتركيا والسعودية، لكن كل معلومات هذا الشخص ورؤيته تدمر تماماً عندما زار قنصلية بلاده من أجل الحصول على وثيقة بسيطة لإتمام إجراءات زواجه في إسطنبول.

يثق خاشقجي بأن بلاده ما كانت لتستطيع أبداً أن تفعل شيئاً كهذا أو ما شابهه ضده على الأراضي التركية. فهو – في الحقيقة – قد اختبر هذه الثقة قبل أربعة أيام من الواقعة (28 سبتمبر), ولهذا السبب فهو يزور القنصلية من أجل المقابلة الثانية بأريحية أكبر من المقابلة الأولى.

وهنا اسمحوا لي أن نقف للحظات وننظر إلى السيناريوهات التي ابتدعت حول الواقعة منذ حدوثها.. فعندما سردت هذه القصة بهذه الطريقة في أحد الاجتماعات طُرح سؤال ساخر ومدعي الكثير من المعرفة كان مفاده "ماذا يعني هذا؟ هل كل شيء بسيط لهذه الدرجة؟"، وحينها شعرت إلى أي مدى عزلتنا النقطة التي ضايقت زميلي أوزتورك عند إهمالها أكثر من اللازم عن عالم الحقائق.

إن الشيء الذي يفترضه هذا السؤال ضمنياً هو كالتالي: لا تقوم الدول بأي شيء في أي وقت بشكل بسيط دون حسابات أو مخططات أو استراتيجيات. فكل شيء خطط له مسبقا، بل قبل فترة طويلة للغاية. وعندما ننظر للأمر من هذه الناحية، فهناك احتمال ألا يكون حتى خاشقجي نفسه قادراً على معرفة أن شيئاً كهذا حدث له ضمن هذا المخطط فقط. وربما كان البعض قد فكر بأن خاشقجي نفسه جزء من هذه المؤامرة لولا لم يكتب له الموت في خضم هذه الأحداث.

بيد أن الذكاء الخارق أو العقلية الاستراتيجية التي ننسبها للدول يمكن أحياناً أن تكون بعيدة كل البعد عن الحقائق. كما أن الحقائق أحيانا تكون أبسط بكثير ممَّا نظن.

وأحياناً تكون حتى الدول أنفسها لا تدري شيئاً عن الصورة التي نرسمها في مخيلتنا حول تصرفاتها. ولهذا فإن الأساطير التي نوجدها حول الدول هي عبارة عن أشياء من قبيل "شيخ الطريقة لا يطير، بل مريدوه هم الذين يتصورونه يفعل ذلك".

فعلى أي حال فإن من يدير الدول هم الأشخاص الذين يتأثرون بمهاراتهم ومفاهيمهم تجاه المسؤولية ومستويات جديتهم. هذا فضلاً عن أن الدول، لا سيما الدول الكبرى، أحياناً تكون قادرة على امتلاك قدرة تنظيمية أقل من القدرة التنظيمية لجماعة قليلة من البشر، بل من قدرة شخص واحد. ومن يعرفون جيداً كيف تسير الأمور داخل النظام البيروقراطي سيدركون جيداً ماذا نريد قوله.

ولو بدأتم تسردون الواقعة على أنها "ارتكاب فريق من 15 شخصاً الجريمة دون حياء"، فلن تروا في الواقعة سوى كل سفالة وقلة خبرة. بيد أن الكثير من الجرائم مجهولة الجاني ارتكبت بالطريقة ذاتها. وما يجعل من المستحيل أن نتابع اليوم الكثير من الأحداث الأخرى هو عدم ترك أي أثر كبير يطلعنا على السفالة الكامنة وراء الحدث في السابق أو طرف خيط يمكننا من متابعة كل التطورات بشكل حصري، وهو كذلك ما يجعلنا ننسج الأساطير حول هوية مرتكبي الجريمة.

ومن الواضح أن خطيبة خاشقجي السيدة خديجة جنكيز هي الاسم الأبرز في هذه الجريمة، أو الذي سيمكننا من متابعة الأحداث بشكل قريب.

فلو لم تكن تنتظره خارج القنصلية ذلك اليوم ولم تنقل على الفور تطور عدم خروجه منه، لربما كانت الاستخبارات التركية لا تزال إلى اليوم تبحث عن مكان اختفائه، وما كانت القنصلية قد خطرت على بال أحد من المسؤولين، ولو خطرت لما كان من السهل أبداً توسيع نطاق التحقيق ليشملها وكذلك العاملين بها.

هذا فضلاً عن نظريات المؤامرة التي ترد من خلال تحليلات أجاثا كريستي؛ إذ إن مرتكب الجريمة هو أكثر المستفيدين منها. وانطلاقاً من هذه الفكرة، فهناك من وصلوا إلى نتيجة مفادها أن هذه الجريمة هي مؤامرة ضد السعودية بسبب أنها هي أكثر المتضررين من هذه الجريمة، فالإعلام السعودي وهذه الفكرة تسيطر على عقليته، يهاجم كل من يقف أمامه ويتهم تركيا وقطر وإيران بارتكاب الجريمة.

نستطيع أن نفهم تأييد الإعلام السعودي لهذه الفرضية وترويجه لها في وقت لا يدري بالضبط ماذا يقول وهو يحاول الدفاع عن سمعة المملكة، بيد أن هناك أصواتاً داخل تركيا لا تقول سوى "لا يمكن لأي شيء أن يكون بهذه البساطة" وتحاول تفسير الأمور حول هذه الواقعة بشكل جاد.

فما هذه العقلية التي يمكن أن تفترض أن قطر أو إيران أو تركيا أو الولايات المتحدة استهدفت التوقيت الذي كان خاشقجي فيه داخل القنصلية لتأمر بحضور 15 شخصية من مختلف المستويات تعمل تحت إمرة ولي العهد السعودي على متن طائرتين مسخرتين لخدمة بن سلمان؟

ولا شك أن ثمة حقيقة بسيطة يهملها هذا التفسير الواقع تحت تأثير روايات الجرائم. في حالة عدم وجود فراغ متعلق بالكشف عن الواقعة، أي في حالة تلبس، فإن هذا المنطق يصبح غير قابل للتطبيق، بل يصير غير مقنع على الإطلاق.

إن القتلة الذين يرجون تحقيق مصلحة لو علموا أنهم ستكشف هوياتهم لما كانوا أقدموا على ارتكاب الجريمة. وفي حالة الكشف عنهم فإنهم يصبحون مضطرين لخسارة الكثير والكثير من الأشياء، أكثر حتى ممَّا أرادوا تحقيقه من وراء الجريمة. وفي هذه الحالة، فليواصل من يسرقون الأدوار من أجاثا كريستي ويضعون سيناريوهات المؤامرة مراوغاتهم في عوالمهم الخيالية.

وأما القتلة الذين أقدموا على ارتكاب هذه الجريمة على أمل تحقيق مكسب عظيم فإن الخناق أصبح يضيق أكثر بمرور الوقت، فالقبض عليهم مسألة وقت ليس إلا. وعندما يلقى القبض عليهم فإن خسارتهم لن يكون هناك حد لها، وستكسر أيديهم التي تلطخت بدماء خاشقجي وسيلعنون اللحظة التي خطرت فكرة اغتياله على بالهم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة