بين "محرقة" دوما و"محرقة" هيروشيما!

مجلس الأمن مطية القوى الكبرى، تستخدم قراراته لتحقيق مكاسبها وتمكين نفوذها والتغطية على احتلال دول ونهب ثرواتها.

الخميس، 12-04-2018 الساعة 11:36


لا تحدِّثني -من فضلك- عن ضربة أمريكية وشيكة ضد النظام السوري المجرم انتقاماً لمجزرة الكيماوي والغازات السامة في دوما، وإنما حدِّثني عن تحالف أمريكي-أوروبي سريع بتمويل من خزائن المسلمين، لدكِّ سوريا للقضاء على قوة النظام لحساب الصهاينة، وتحجيماً للنفوذ الروسي، وكبحاً للنفوذ الإيراني لصالح المشروع الأمريكي، وليمُت بسبب ذلك من يموت من الشعب السوري، فأمريكا والغرب عموماً أبادوا شعوباً بأكملها في سبيل نزواتهم الاستعمارية ولم يهتز لهم طرف، فكيف بالله عليك تتخيل أن يحركوا مقاتلاتهم من أجل طفل في "دوما" أو أي طفل مسلم على وجه البسيطة؟!

لا نقول ذلك تجنياً، أو على سبيل المبالغة، وإنما على سبيل الحقيقة الدامغة من وقائع التاريخ.

ففي الساعة الثامنة والربع من صباح السادس من أغسطس عام 1945م، ألقى توماس ويلسون، الذي كان يقود قاذفة أمريكية، بأول قنبلة نووية في التاريخ على مدينة هيروشيما اليابانية، فدمرت ثلاثة أرباع المدينة، وقتلت مئة وأربعين ألف ياباني خلال ثوانٍ.. ثم أطلق الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت، هاري ترومان، (الرئيس الـ34 لأمريكا من 1939-1945م)، تهديده بضرب اليابان بقنبلة نووية أخرى، ونفَّذ تهديده بعد يومين فقط بضرب مدينة نجازاكي بقنبلة مماثلة.. فكان قرار اليابان هو الاستسلام والخروج من الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) مهزومة، والخروج حتى اليوم من ساحات القتال.

وفي كل عام وفي ذكري هذا الحدث المفجع، يقف اليابانيون، ومعهم العالم، ليتذكروا حقائق مهمة لم تُمحَ رغم مرور أكثر من نصف قرن.. أبرزها؛ أولاً: أن الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة أول محرقة نووية في التاريخ، فلم يحدث قبل ذلك ولا بعده حتى الآن، أن أبادت قوةٌ محاربةٌ خصمَها بهذا الشكل، وبهذا السلاح الفتَّاك، الذي تؤكد الحقائق الثابتة أنه تسبب في مقتل وتشويه نحو مليون شخص من المدنيين، ولا تزال آثار هذه الجريمة مستمرة حتى اليوم، فسجلات المستشفيات تنبئ كل يوم عن سيل من الولادات المشوّهة، والإصابة بالأمراض المستعصية من جراء الإشعاعات النووية الناجمة عن هذه الكارثة.

ثانياً: لقد أعقب استسلام اليابان قيامُ الولايات المتحدة بفرض حالة أشبه بالحالة التي تم فرضها على محمد علي في مصر، وما يتم فرضه على العراق اليوم.. حلّ الجيش الياباني، وتعيين حاكم عسكري أمريكي على اليابان، ومنعها من التسلح الثقيل، ولا تزال الأراضي اليابانية تعجُّ بالعديد من القواعد العسكرية الأمريكية والغربية؛ لمراقبة هذه القرارات بحق تجريد اليابان من القوة، ويصل تعداد الجنود الأمريكان وحدهم في هذه القواعد إلى ما يقرب من 52 ألف جندي ومراقب. والغريب أن اليابان تدفع سنوياً نحو 4.4 مليارات دولار كنفقات لإدارة هذه القواعد، وذلك منصوص عليه ضمن اتفاقية الاستسلام الياباني-الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، والتي ما زالت سارية حتى اليوم!

ثالثاً: أن اليابان، رغم ما لحق بها من دمار وما فُرض عليها من إملاءات وقواعد عسكرية، استطاعت النهوض مرة ثانية من البوابة الاقتصادية والتكنولوجية، حتى باغتت قوى الاستعمار الذي خطط لإبقائها تحت الصفر، بقفزات تنموية فريدة خلال سنوات قليلة، وضعتها في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة مباشرة؛ إذ بلغ دخلها القومي نحو 4700 مليار دولار، مقابل 5500 مليار دولار للولايات المتحدة، ولئن كانت فقدت جيشها وحُظر عليها إعادة بنائه، فإنها تمكنت من إعداد جيش ضخم من الكوادر الفنية المتخصصة بالإنتاج التكنولوجي والإلكتروني، أهَّل اليابان لتكون الأولى بالعالم في هذا المجال، وهدد -وما زال- العملاق الأمريكي في مجال الاقتصاد والتكنولوجيا.. وبهذا ثأرت اليابان لنفسها وردَّت اعتبارها واستعادت قوتها التي فقدتها في ساحة القتال.

رابعاً: تدفقت تلك المشاهد على ذاكرتي وأنا أتابع النقاشات الساخنة في مجلس الأمن عن الجريمة البشعة التي ارتكبها النظام السوري المجرم في مدينة "دوما" بالغوطة الشرقية الصامدة الصابرة، حيث حصد السلاح الكيماوي والغازات السامة المحرمة دولياً أكثر من ألف ومئة وخمسين شهيداً ومصاباً، بينهم كثير من الأطفال. وهذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها النظام السوري الأسلحة المحرمة دولياً ضد شعبه، وهذه ليست المجزرة الأولى في سوريا، حيث باتت المجازر يُنسي بعضها بعضاً على يد روسيا (العضو الدائم في مجلس الأمن) وإيران وتابعها (حزب الله)؛ ومن ثم فليست هذه المرة الأولى التي ينعقد فيها مجلس الأمن بشأن مأساة الشعب السوري، ولا يفعل سوى ضجة إعلامية يضحك بها على الرأي العام العالمي.

مجلس الأمن هو مطية القوى الكبرى، تستخدم قراراته لتحقيق مكاسبها وتمكين نفوذها والتغطية على احتلال دول ونهب ثرواتها وإبادة شعوبها كما حدث من قبلُ في العراق وأفغانستان، وكما حدث ويحدث في فلسطين.

وربما نفاجأ غداً بضربات أمريكية ضد النظام السوري، ولكنها لن تكون –إن حدثت– انتصاراً للشعب السوري، وإنما في إطار صراع النفوذ مع روسيا وإيران، كما قلت آنفاً.

إن أكثر الدول صياحاً وتشدداً في الدعوة لحظر السلاح النووي بالعالم هي أكثرها امتلاكاً لهذا السلاح؛ إذ تضع خريطة العالم النووية الولاياتُ المتحدةُ في المرتبة الأولى، ثم روسيا، ثم بريطانيا (الإندبندنت)، وهو ما يؤكد كذب الشعارات، وانعدام المصداقية في السعي لتحقيق السلام بالعالم، وتنظيفه من هذا السلاح؛ فمجلس الأمن أكذوبة كبرى! وحقوق الإنسان إشاعة! وقيم العدل والسلام من السراب! فلا تنتظر منهم شيئا، فالجبال تهتز وهم جامدون، والحجر يتشقق وهم متبلدون، وهكذا تحجَّر العالم، القريب قبل البعيد، المسلمون قبل غيرهم.

وهكذا ولَّى الجميع لأهل سوريا ظهورهم دون اكثراث بهم، في إعلان صريح بالموافقة على محرقة الإبادة، ولسان حال العالم يقول: أجهِزوا على الضحية سريعاً دون إزعاج.

* مدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية السابق

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة