بين "نقل السفارة" و"توسيع الاستيطان"

زُرعت قضية نقل السفارة لإشغاله بها وتحضيره نفسياً لقبولها، باعتبارها محسومة، فيما انشغلت إسرائيل بما هو أهمّ لديها: توسيع الاستيطان.

الاثنين، 06-02-2017 الساعة 09:57


كانت إسرائيل تتوقَّع بل روَّجت أن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس سيكون بين القرارات التي سيتخذها الرئيس الأمريكي الجديد خلال أسبوعه الأول في البيت الأبيض.

ومع أن مراسيمه التنفيذية أثارت مشاكل في الداخل أو الخارج، فإن نقل السفارة لم يكن بينها، من دون أن يعني ذلك أنه طوى وعداً أطلقه في حملته الانتخابية ثم أكّده لاحقاً. فجأةً، راح الترقّب الإسرائيلي يتراجع، وأصبح مفهوماً الآن أن نقل السفارة سيتمّ نتيجةً لـ"عملية" أو "آلية" تستغرق وقتاً، أي أن دونالد ترامب خالف طبعَه وفضَّل بعض التريَّث، رغم أن شيئاً لم يكن ليمنعه من أن يخطو الخطوة، لا مؤتمر باريس الذي دان الاستيطان ودعا إلى وقفه الفوري، ولا الصمت العربي، ولا الاحتجاجات الفلسطينية المتوقّعة.

بالطبع، لن يغير نقل السفارة طبيعة الصراع وحقائقه، طالما أن جوهره إنهاء الاحتلال الإسرائيلي واحترام عروبة القدس وأهميتها كأساس لأي تسوية سلمية، لكنه يعني عملياً اعترافاً أمريكياً بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتجاوزاً لاتفاقات موجودة على طاولة المفاوضات وكذلك لالتزامات واشنطن وتعهداتها. ثم أنه يغيِّر طبيعة الدور الأمريكي وينزع صدقيته ويقوِّض أهليته للقيام بأي "وساطة" بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ولقائل أن يقول هنا إن هذه "الوساطة" لم تكن يوماً حيادية، بل غدت غير مجدية، كما شهدنا طيلة عهد باراك أوباما، لكن الواقع يبيِّن أنها الوحيدة في الساحة وأن الأطراف الدولية الأخرى لا تنافسها ولا تستطيع الحلول مكانها، والأسوأ أنها لن تتغيَّر، بل ستزداد انحيازاً وصلفاً في عهد ترامب.

هذا ما بات الفلسطينيون يتوقَّعونه وما ينبغي أن يستعدُّوا لمواجهته بديبلوماسية صلبة وبراجماتية، خصوصاً أن منهج ترامب لا يستند فقط إلى المسموح والممنوع في ملفات القضية، بل إنه يمنح ضوءاً أخضر هنا وموافقات شفهية هناك. لذلك وجدنا مثلاً أن بنيامين نتنياهو خفَّف من الكلام عن نقل السفارة، معتبراً أنه بحكم المنتهي، ليندفع مجدَّداً بعد محادثة هاتفية مع ترامب إلى استئناف التوسُّع في الاستيطان، وهو أمر يبقى بكل المقاييس أكثر إضراراً بمصالح الشعب الفلسطيني بمواصلته سرقة أرضه، فضلاً عن أنه يدمِّر كل أمل بحلٍّ على أساس "الدولتين".

وحين بدأت حكومة نتنياهو التسويق لثلاثة آلاف وحدة سكنية جديدة في أربع مستوطنات موزَّعة في مناطق الضفة الغربية، انتظرت واشنطن أياماً عدَّة قبل أن تعلن موقفاً ملتبساً قالت فيه: من جهة أن وجود المستوطنات "لا يشكِّل عقبة أمام السلام"، ومن جهة أخرى أن بناء مستوطنات جديدة أو توسيع مستوطنات قائمة خارج حدودها الحالية "قد لا يكون مفيداً" في تحقيق السلام.. وفسَّرت إسرائيل هذا التصريح بأنه ترخيص "للمضي في البناء".

طوال الشهور الماضية لم تتوقف الزمرة المتطرفة في حكومة إسرائيل عن القول بأن "قواعد اللعبة تغيَّرت مع وصول ترامب إلى السلطة". ومع أن مؤتمر باريس لمس هذا التغيُّر وأراد استباق مخاطره على مساعي التسوية السلمية، إلا أن الجانب العربي لم يُبدِ إدراكاً كافياً لهذا التغيُّر وأنه ملزمٌ بمواجهته.

فقد زُرعت قضية نقل السفارة لإشغاله بها وتحضيره نفسياً لقبولها، باعتبارها محسومة، فيما انشغلت إسرائيل بما هو أهمّ لديها: توسيع الاستيطان. وإذ لم تجد السلطة خيارات كثيرة لمقاومة الاستيطان الجديد فقد التفتت نحو المحكمة الجنائية الدولية، فإذا بواشنطن تتوعَّدها بالعقاب.

(العرب القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة