تجارة الانطباعات

لبعض المستشارين الطوافين بين البلدان مهارات ممتازة في تجارة الانطباعات، فحلولهم حاضرة للمعضلات كافة

الجمعة، 29-05-2015 الساعة 11:02


للانطباعات مفعولها المتعاظم في عالم اليوم، حتى بات تشكيلها وتوليدها مجالاً تتحرك فيه ظواهر متفاعلة لها تأثيراتها وانعكاساتها، وتجاراتٌ رائجة لا تبور، فمعها يصعد بعضهم على الأكتاف، ومنها يأكل آخرون خبزهم اليومي.

يبرُز قادة وساسة ومرشحون، يبيعون الانطباعات لشعوبهم ومجتمعاتهم أو للعالم بأسره، بعد أن تمرّنوا على إتقان الحركات والسكنات، والتعبير باللفتات والإيماءات، والبروز في الشاشة والحضور في المشهد. وتتكفل العلاقات العامة بتقديم الحاكم لشعبه في هيئة الملاك أو إبرازه في صورة الصنم، وتسويق القادة والمديرين في هيئة المخلصين الأوفياء.

ولبعض المستشارين الطوافين بين البلدان مهارات ممتازة في تجارة الانطباعات، فحلولهم حاضرة للمعضلات كافة، يبيعونها لمن يشتري بأثمان باهظة، مشفوعين بعروض تُبهر العقول وتستولي على الأذهان. وقد يكفي أحياناً أن يكون أحدهم غربياً أو محسوباً في هيئته أو منشئه على الغرب؛ لتصعد القيمة الاعتبارية لبضاعته ولما يتلقاه من أجر ومكافأة تبعاً لذلك.

ويتربع متحدثون وخطباء ووعاظ على عروش الشاشات والمقاطع المرئية، فيخاطبون الجماهير بفنون الأداء التي تجعل لكل منهم جمهوراً ومريدين، يتلقفون ما يأتي به متحدثهم المفضل من عروض أخّاذة بلا مناقشة ولا تمحيص.

ويتولّى بعض المدربين المهرة تشكيل وعي جمهوره المصطف في مقاعد الاستماع كالتلاميذ بلا مناقشة. فالمدرب "الدولي" ينثر المقولات المشكوك في دقتها العلمية أو نجاعتها العملية، ويباشر التلقين المشفوع بمؤثرات الصوت والصورة التي تأسر العقول دون استثارة الحس النقدي. وقد يتبيّن مع التمحيص أنّ ثقافة التدريب السائدة ضالعة في تعليم الأخذ عمّا يأتي من خارج المكان والإتقان في التقليد، لا اجتراح الإبداع والتجديد.

وتحت عناوين التنمية والتطوير؛ يستوقف أحدهم كتابٌ قشيب الحلة، يعده بأن يصبح أكثرهم في العالم تأثيراً إن اشتراه، أو أن يغدو وريث قارون إن اقتناه، أو أن يمسي الزعيم الأوحد إن دسّه تحت وسادته. ولا يلحظ الحالمون أنّ ملايين النسخ قد بيعت لغيرهم أيضاً، وكلّ منهم حلُم بالمرتبة الأولى أيضاً.

ولتجارة الانطباعات مسالكها مع تعبيرات الإشادة التي تغدقها الهيئات والمؤسسات على أفراد بعينهم، يتم تكريمهم دون سواهم تقديراً للتجاوب أو ثناء على الانضباط. هي تقاليد تجسدها ألقاب منتفخة، وأوسمة ودروع مقتطعة من الخشب والمعادن والزجاج، ترنو إليها العيون وتشرئب إليها الأعناق.

وللانطباعات مردودها المالي وعوائدها المحسوبة، فهي تهيمن على وعي الجماهير فتدفعهم إلى شراء ما لا يحتاجونه، وإزاحة مزيد من الكماليات إلى صنوف الأساسيات التي يطاردونها على نفقتهم. فالسلع كما تأتي في مسالك الترويج هي قرينة النجاح أو الفلاح، ولازمة للجمال أو الأناقة، وباعثة على السعادة أو الارتياح. وتتعاظم الهيمنة على الوعي في زمن الشاشات الحاضرة في الأرجاء للعرض والترويج، فتأخذ بالألباب وتستثير الانطباعات التي تنتظم معها الاختيارات والتفضيلات.

لا غنى لمجتمع عن التطوير المستمر، لكنّ إحساسه بالتمكن منه أو الإمساك بزمامه مما يتطلب الفحص والتدقيق كي لا يغرق في بحور الوهم. وتبقى الصروح والأبراج من أعظم الانطباعات المحسوسة التي تبيعها الأمم لذاتها ولغيرها، فالصعود بمبنى ليناطح السحاب كفيل بأن يهيمن على وعي البشر من حوله؛ بما قد يضللهم بأنّ البلد قد أنجز مهمته الحضارية وبلغ آفاق السمو في المجالات كافة.

وفي ظل الرايات الخفاقة والمعزوفات المدوية؛ لا يكون أضرّ على قوم من الركون إلى انطباعات الاستقلال والاحتماء بأوهام السيادة، إن كانوا يرقدون على فتات دولة مكشوفة للعالم أو شظايا أمة بلا أسنان.

من حق الشعوب والبلدان أن تنهض بصروحها وأبراجها، ومن حقها أيضاً أن تحظى بنصيحة هامسة بأنّ اكتمال خط الأفق من ناطحات السحاب لا يعني بالضرورة اجتياز مسيرة النهوض الحضاري، بل قد يكون المشهد إمعاناً في منحى التقمّص المدني الذي يستدعي رموز التقدم بديلاً عن التقدم ذاته.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة