تجسيد المخيِّلة

للخيال امتياز السبْق، فبدون الصور المتشكلة في أذهان متّقدة ما كانت اختراعات أو ابتكارات تعيشها البشرية واقعاً.

الأربعاء، 30-09-2015 الساعة 11:38


حملت الأرملة إلى الصائغ أمنيتها، باقتناء قلادة بديعة أهداها إياها زوجها الراحل في الرؤيا المنامية.

لم تعثر عليها بين المعروضات، فقرروا الإنصات لها مليّاً، ثم رسموا القلادة لتطابق وصفها الحالم بدقة، حتى نقلها الماهرون من الورق إلى الواقع، فتجسّدت لها ملموسة بما أحال الرؤيا إلى حقيقة، ولا تسألوا عن الثمن. هي واقعة يرويها صاغة الذهب والمجوهرات في حاضرة خليجية مزدهرة، وتكاد تختزل ظاهرة تجسيد المخيِّلة.

للخيال امتياز السبْق، فبدون الصور المتشكلة في أذهان متّقدة ما كانت اختراعات أو ابتكارات تعيشها البشرية واقعاً، ولولا أنّ البشر حلموا بالقمر لما سعوا إلى ملامسته بأقدامهم بعد أحقاب طويلة من التأمّل والتفكر. وللمخيلة سلطانها على البشر ومجتمعاتهم وأممهم، بما يصرفهم إلى اختيارات ومسالك شتى.

فإذا كان الشرق هو مسرح ألف ليلة وليلة، بألوانه وأساطيره العالقة في الأذهان؛ فإنهم في صناعة السياحة المحلية، مشرقاً ومغرباً، افتعلوا في الواقع ملامح هذا العالم الأسطوري الذي بات بوسعك أن تلامسه مباشرة وتخالج بهجته، كما يتجلّى على ضفاف الخليج في مبانٍ وفنادق وبرامج سياحية تستجيب لتصوّرات السائحين المسبقة.

إنها نزعة التماهي مع التوقعات المرسومة عنّا في مخيِّلات الآخرين؛ أو بعض الآخرين تحديداً. وستدهشنا قدراتنا على الرضوخ لسطوة المُخيّلة واتخاذها معياراً لما نصبو إليه دولاً ومجتمعات.

ولما كان تصوّر بعضنا للنهضة الحضارية متعلقاً ابتداء بما تلمسه الأبصار من مظاهر اختزلتها يوماً ما ناطحات السحاب في مانهاتن ونمط الحياة الأمريكي بتقاليده الاستهلاكية، ووفرة الجامعات ومراكز البحث؛ فقد أتينا بهذا كله معاً. ها هي مبانينا تخترق السحاب ولا تناطحها وحسب، أمّا أمريكا فهي حاضرة تقريباً بتفاصيلها التي تبدأ مع الوجبات السريعة ولا تنتهي مع السيارات التي لا ترتوي من وفرة الوقود. ثمّ إنّ مصانع الشهادات تعمل بلا هوادة فتدفع بطوابير الخريجين والخريجات، وبجوارها لافتات متكاثرة تزعم الاشتغال بالبحوث والدراسات. ها قد أنجزنا النهضة في زمن قياسي، ولا حاجة لنا بمخاضاتها.

وإن كان "الغربيون" قد جادلونا وأكثروا جدالنا عن حقوق الإنسان ومكانة المرأة؛ فقد تفتقت الأذهان عن وصفة مذهلة، باستحداث وزارات لحقوق الإنسان مع تنصيب نساء يتحدثن الإنجليزية بطلاقة على رؤوسها. هدفان بضربة واحدة؛ فرسالتنا ليست للداخل حتماً؛ بل هي للخارج، الذي ليس سوى الغرب طبعاً، رجاء تحصيل تعبيرات الثناء وشهادات الإشادة.

لكنّ المخيلة الغربية التقليدية لا تتوقف عند هذا الحد، إذ تذهب بعيداً بربطها الإسلام بالسيف واللظى، فتستحضره الأذهان لصيقاً بالقسوة والوحشية. ينبري التشدد الميداني للردّ مستحضراً القوالب النمطية الساذجة في أوروبا والغرب، ليتماثل معها تحت لافتة "التوحش" المرفوعة في الأرجاء. هكذا أحال الملثمون المسلّحون في الصحاري والجبال رسوم الكراهية التي بزغت من الدانمرك قبل سنوات عشر، إلى أفلام محبوكة ومقاطع منثورة تخاطب العالم بلغاته، وفحواها أننا "متعطشون لدمائكم" تحت راية الإسلام. إنهم يتماثلون مع الصور النمطية، ولا حاجة بعدهم إلى ريشة كاريكاتير حاقدة؛ فقد أخلى الرسامون السبُل للعمائم والقنابل، كي تتفاعل في قصاصات الفيديو مع حزّ الرؤوس وإحراق الأحياء.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة