تحالف خط الخلافة.. المأزق السعودي واستراتيجية الخروج

قال الكاتب: عند الحديث إقليمياً فإن المنطقة تتنازعها ثلاث قوى، هي كل من أنقرة وطهران وتل أبيب .

الثلاثاء، 25-11-2014 الساعة 10:56


ثمة فرص سانحة كامنة في حالة عدم الاستقرار الدولية والإقليمية يمكن أن تستثمرها المملكة العربية السعودية للخروج من مأزقها الذي قمنا بتوصيفه عبر مقالنا السابق "أحزاب (الله) والمأزق السعودي"، وذلك إذا أحسنت القراءة والتنبوء، منطلقةً من الواقع المتغير الذي تمر به المنطقة والعالم من حولها، وتهيأت من الآن لأداء هذا الدور.

فعلى المستوى الدولي سيدخل العالم في فجوةٍ تمتد بين أفول نجم الولايات المتحدة كقطبٍ أوحد وقائد للنظام الدولي الجديد، وبين بروز إحدى القوى الصاعدة المتنافسة، كما توقع بول كينيدي في أواسط ثمانينات القرن الماضي في كتابه (صعود وهبوط القوى العظمى)، وزبغنيو بريجنسكي قبل ثلاث سنوات في كتابه ( رؤية استراتيجية… أمريكا وأزمة السلطة العالمية)، وما سيرافق ذلك من فوضى عالمية ومناطقية، تحتاج من المملكة سرعة ودقة القراءة والاستعداد التام، عبر تمتين الجبهة الداخلية وإعادة رسم الأحلاف الخارجية بما يتناسب مع سياساتها ومصالحها.

وأما على المستوى الإقليمي فإن التنافس الإيراني - التركي، والحرب الباردة الدائرة بينهما منذ عقود تعطي الفرصة للسياسة السعودية للعب دور الظل وتحديد اتجاه ودرجة ميلها بين الطرفين بما يقلل الضغوط على المملكة ويحفظ لها أمنها وأمن عمقها الاستراتيجي الخليجي - القومي، وهي علاقة يحددها نسبياً، لحدٍّ كبير، موقع أمريكا من خارطة القيادة العالمية، وطبيعة علاقتها بالمملكة في المرحلة القادمة.

نحن إذن أمام سيناريوهين أحدهما في حالة أفول النجم الأمريكي وتخليه عن موقع القيادة العالمية، والآخر في حالة قدرة الولايات المتحدة على تخطي صعوبات هذه المرحلة الحرجة وتحمل أعباء القيادة، في عالم باتت تتنازع فيه القوى دولياً وإقليمياً، وتتغير أوزانها خلال العقد الواحد أحياناً، ويجب علينا أن نحلل ونستنتج ونتنبأ تحت سقف هذين السيناريوهين لتلمس المسار الأسلم للملكة في ضوئهما خلال العقود القادمة.

على الاحتمال الأول، فإن عليها الإسراع في بناء مشروعها (الخليجي) الخاص، وما يتطلبه ذلك من تمتين وضع حلفائها في العراق واليمن وبلاد الشام، حيث لم تعد سياسة الوقوف على مسافة واحدة من أطرافها مجديةً، في ظل استغلال القوى المضادة للملكة السيىء لهذه السياسة، والتمدد الواسع لمشروع ولاية الفقيه ومحاصرة المملكة، الذي جاء في إثر إدارة المملكة ظهرها لتركيا وتقاربها النسبي مع إيران، وهو تمدد لاقى قبولاً أمريكياً ودولياً يثير تساؤلات كثيرة وكبيرة، وعلى المملكة هنا أن تأخذ في الاعتبار متغيرات الواقع الذي تشكل خلال عقود، والتحرك بما تحتمله الظروف المحلية والإقليمية والدولية.

عند الحديث إقليمياً فإن المنطقة تتنازعها ثلاث قوى؛ هي كل من أنقرة وطهران وتل أبيب، وإذا استثنينا تل أبيب، فإن على الرياض أن تختار بين أنقرة وطهران، حيث بات من الصعب عليها أن تبقي على نفس المستوى من العلاقة معهما، أو الاصطدام بهما معاً، وأظن أن الكفة هنا تميل أكثر باتجاه أنقرة التي تُظهر مبدئيةً وعقلانيةً وفهماً جيداً لظروف المنطقة والعالم، على خلاف براغماتية طهران وعدوانيتها، فإن كان شعار العلاقة السعودية - التركية هو التنافس وتنازع الطموحات، فإن العلاقة الإيرانية - السعودية تمثل بحق - على الأقل من طرف إيران - صراع وجودٍ معقداً وموغلاً في استدعاء إسقاطات مزيفةٍ من التاريخ، ناهيك عن أن أبواب المستقبل مشرعة أمام انفتاح الجغرافية السياسية التركية في العقد القادم، وهو ما سنتوسع فيه عند ولوجنا باب الاحتمال الثاني.

وأما دولياً فعلى احتمال أن استطاعت أمريكا تجاوز بعض مصاعبها، فإن من الواضح أنها قد تستمر بقيادة الركب العالمي ولكن عبر تحالفات وشراكات معقدة، وليس عبر الاستفراد والتحكم كما تمنى منظرو قرن الحلم الأمريكي، وفيما يخص منطقتنا فيبدو من الصعب أن تتمكن قوة أمريكا وحدها من حسم الملفات الأمنية والسياسية فيها دون التنسيق مع القوى الإقليمية الفاعلة، وتركيا مرشحة أكثر من غيرها للقيام بهذا الدور، وسيكون نصيب المملكة (والخليج معها) من دور في المنطقة بمقدار ما تحققه من فاعلية وتأثير، وليس بمقدار قوة علاقتها بأمريكا فقط، وقد علمتنا التجارب أن الأمريكيين ليس لهم صديق وأنهم يقدمون المنافع والمصالح على الحقوق والمبادىء، وتعاملها مع الملف السوري اليوم أوضح مثال على ذلك.

إن ذلك يتطلب من الطاقم السياسي والديبلوماسي للمملكة عدة أدوار متداخل بعضها مع بعض منها:

- انفتاح أكبر على القوى ذات التأثير الدولي، وخصوصاً روسيا والصين، بما لا يؤدي إلى القطيعة مع الولايات المتحدة.

- مشاغلة المشروع الإيراني وتصعيب مهمته في التمدد وزيادة كلفتها، والبحث عن أوراق ضغط إيرانية داخلية، من باب المعاملة بالمثل، والحذر من التمدد اللامنطقي المقابل، الذي يوسع العداوات ضد سياسات المملكة في المنطقة، والاستعاضة بشراكات وتحالفات واسعة الطيف.

- تقوية الصف العربي والمساعدة على إزالة الاحتقانات المجتمعية والتنازعات السياسية، وأول ما تبدأ بمعالجة الشرخ الذي حصل في العملية السياسية المصرية وانعكاساتها المجتمعية الخطيرة؛ لأهمية مصر كعمق استراتيجي للمملكة، ويتم ذلك عبر الحث على إعادة رسم مسار ديمقراطي لا يحابى فيه ولا يستثنى منه أحد، وتوسع فيه دوائر الحوار والسعي لتقديم ضمانات متبادلة وتفاهمات تزيل المخاوف المحلية والإقليمية، وتزيد منسوب الاطمئنان عند كل الأطراف.

- تمتين الصف الخليجي والتحول التدريجي إلى الكيان الكونفدرالي.

- الانفتاح الداخلي وتشجيع المجتمع على ممارسة حقوقه الدستورية، وعدم المساس بحرياته وحقوقه الشخصية.... وهكذا، وهذا كله على فرض قدرة أمريكا على الاستمرار في قيادة الركب الدولي كما أسلفنا.

أما في حالة توضح الرؤية وازدياد المؤشرات على ما توقعه البعض من احتمالية أفول النجم الأمريكي، وتخليه عن قيادة الركب العالمي، فعلى المملكة أن تحث الخطا مسرعةً لتشكيل تحالف قوي في المنطقة يقوده رأسان متفاهمان هما تركيا والمملكة للمنافسة على ملء الفراغ الاستراتيجي، وهي فرصة ليقوم في المنطقة مشروعها الخاص القائم على موقعها الاستراتيجي ومواردها وإمكاناتها، وإلا فستُسحق داخل رحى صراعات الآخرين ومشاريعهم، واضطرابات ما بعد فراغ القيادة الدولية.

علينا هنا أن نرجع إلى التأريخ لتفحص مسار خط الخلافة الذي انتقل بمراكز قيادة الأمة المسلمة طوال ثلاثة عشر قرناً، ونسأل أنفسنا؛ هل كانت حركة خط الخلافة بدءاً من المدينة المنورة وصولاً إلى إسطنبول ومروراً ببغداد والشام -والقاهرة- حركة بحكم التغلب فقط؟ أم أن هذا التغلب هو الذي قام على أسباب رسمت خط الخلافة وحددته داخل هذه الرقعة الجغرافية دون غيرها من ولايات الدولة الإسلامية؟.

إن قوة أي دولة تأتي من اجتماع عدة عناصر قوة؛ فبالإضافة إلى الجغرافيا هناك القوة الاقتصادية والبشرية والعسكرية، وحيث أن هذه العناصر لم تجتمع إلا في هذه الولايات من الدولة الإسلامية، كان مركز الخلافة يدور بينها ولم يخرج عنها إلا نادراً، وببعض التفاصيل نجد أن هذه المنطقة ملأى بالموارد الطبيعية؛ فالبحار والأنهار تحيط بها وتقطعها من عدة جهات، وفيها أراض شاسعة صالحة للزراعة، وكانت مركزاً للعلوم التجريبية والنظرية، وشكل توفر المال والعلم والصناعة والزراعة وتطور طرق النقل والتنقل عناصر جذب بشري لهذه المنطقة، ولا ننسى الرمزية الدينية حيث تحوي هذه المنطقة قبلتي المسلمين والمساجد الثلاث الأكثر قدسية لديهم، كل ذلك يقويه العامل الجغرافي حيث تجمع هذه المنطقة طرق الاتصال وممراته بين قارات العالم؛ فخط الخلافة يقع بين مضيقي هرمز وباب المندب من جهة المملكة والخليج، والبوسفور والدردنيل من جهة تركيا، وعلينا أن نتذكر هنا انفتاح الجغرافية السياسية التركية في العقد القادم، بعد تحررها من بعض المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي أُجبرت تركيا على التوقيع عليها قبل قرن من الزمان بعد سنوات من انتهاء الحرب العالمية الأولى، وهذا سيعطيها ديناميكية عالية وقوة مضافة، خصوصاً إن استطاعت الحفاظ على تصاعد نسق أدائها الاقتصادي، ولنتخيل الآن تأثير هكذا تحالف إقليمي على تشكيل قوة اقتصادية إقليمية قوامها اقتصادان من مجموعة العشرين (تركيا والسعودية).

من يتحكم بهذه المضائق الأربعة يتحكم بحركة التنقل ونقل البضائع والمواد الأولية والوسيطة، وبعبارة أخرى يتحكم بعصب حياة العالم إلى حد كبير، وهذا ما عملت أمريكا عليه خلال العقود الثلاثة الماضية، واليوم لا تستطيع أي قوة في المنطقة أن تفكر بفرصة الاضطلاع بدور دولي كهذا وحدها، ما لم تعمل على حشد عناصر قوة المنطقة مجتمعة وإعادة تشكيلها.

وفي عالمٍ يسعى إلى الهيمنة على المنطقة عبر التدخل المباشر، أو عبر تقوية المشروع الشيعي، بات لزاماً التفكير بجدية بقيادة للعالم السني، كقيادة إيران للعالم الشيعي، ويمكن تأخير الإعلان عن ذلك بانتظار الظرف المناسب، هذه القيادة يمكن أن تقوم اليوم عبر تحالف استراتيجي تركي - سعودي قادرٍ على جمع كل قوى المنطقة (التقليدية والعلمانية وذات المرجعية الإسلامية) وضبطها في إطار مشروع كبير يعمل على تحقيق طموحات شعوب المنطقة، وهو حلفٌ يجمع كل عناصر القدرة على الوجود جغرافياً وديموغرافياً واقتصادياً وعسكرياً وموارد، ناهيك عن الرمزية الدينية المعتدلة والمنضبطة التي تمثل ركيزةً أساسية في المشاريع الكبيرة، كما يرى جون جاك روسو وشوبنهاور وغيرهما حين أكدا أن الإرادة الوجدانية هي أكبر محرك للتاريخ، وليس العقل ونتاجاته.

بل يذهب المفكر الكويتي د. عبد الله النفيسي أبعد من ذلك فيقول: "لو تم لقاء سعودي - تركي فإنه سيغير موازين القوى بالمنطقة، ويُفشل مشروع التخادم الإيراني الأمريكي"، وأظن أن كلامه صحيح بنسبة كبيرة، ذلك أن المشروع الأمريكي في المنطقة يستعمل الحراك الإقليمي للمشروع الإيراني القائم على تصدير الإيديولوجية ونشر بؤَر فوضى الفكر والسلاح، وصناعة المليشيات بموازاة الجيوش الوطنية كورقة تأجيجٍ للصراعات العرق-طائفية، وإن قدرة أي مشروع في المنطقة على تعطيل المشروع الإيراني وتحجيم دوره ومنعه من الهيمنة على ما اصطلحت عليه طهران (الهلال الشيعي)، يقطع الطريق على المشروعين مرةً واحدة، كلياً على إيران، ومرحلياً بنسبة كبيرة على أمريكا.

وكما يشكل فراغ السلطة العالمية فرصةً وتحدياً لدول المنطقة، فإن الفراغ الذي أحدثه تمدد تنظيم "الدولة" في المنطقة الواصلة بين المملكة وتركيا (المنطقة السنية من العراق والشام)، وقطع أوصال الهلال الشيعي، يشكل هو الآخر فرصةً وتحدياً ستؤثر نتائجه بشكل كبير على رسم القوى المستقبلية للشرق الأوسط، فلا أرى اليوم واجباً على دول المنطقة أهم من تقوية العرب السنة في هذه المنطقة ومساعدتهم - بل إجبارهم - على ملء الفراغ الذي سيتمدد فيه خصومهم إن أُهمل؛ وذلك عبر جمعهم وإسنادهم مادياً ومالياً وعسكرياً واستخبارياً وإعلامياً، والأهم من ذلك ضم القوى والجماعات الثورية والموارد البشرية المسكونة بالاضطهاد والخوف من المجهول، إلى مشروع كبيرٍ يبعدهم عن الجماعات المغالية والتنظيمات المتشددة.

فسيزول سحر هذه الجماعات في عيون أكثر الشباب المتحمس من أبناء هذه المنطقة، بمجرد رؤيتهم لمشروع يدافع عنهم ويساعدهم على تحقيق طموحاتهم والتخفيف من مصائبهم ومصاعبهم؛ لأن الكثير من الموتورين لا يجدون بديلاً عن هذه الجماعات بغياب المشروع الجامع، وذلك إن حصل فسيكون بداية الخطوات لرسم التحالف الاستراتيجي لخط الخلافة، ولا نعني هنا عودة منظومة الخلافة الإسلامية بتفاصيلها التاريخية، وإنما الاستدعاء الجيو-ستراتيجي لعناصر القوة الكامنة في دول المنطقة.

إن إيران اليوم تبدو كعربةٍ من طراز قديم تمارسُ صعوداً، ولكنها تسير في جبلٍ حادٍ وعرٍ متعرجٍ لا توجد في طريقه إلا القليل من محطات التزود بالوقود، فبعد ثلاثة عقودٍ ذهبيةٍ من التحرك الهادىء وتشكيل الحدائق الخلفية للتمدد الفكري والعنفي، عند اقتضاء الظروف، والمحافظة على قوتها المادية وكوادرها البشرية، ها هي اليوم تستنزف كل قوتها في صراعات اضطرارية داخل حدائقها الخلفية، الحدائق التي ما عادت صافيةً لها تماماً كما كانت تتمنى، ولا يخفى أن خسائرها من المال والسلاح والقوى البشرية والكوادر العليا والخلايا الاستخبارية تمثل استنزافاً كبيراً، لا يقل عنه استنزاف سمعتها وسمعة ذراعها الأقوى في المنطقة (حزب الله اللبناني) وفضح شعاراتهم النارية الزائفة، وبات قيام تحالف استراتيجي من قوى المنطقة يمثل الإطلاقة الأخيرة التي ستضطر طهران إلى التفكير بالانكفاء إلى داخل حدودها أو الانتحار.

أما الولايات المتحدة فإن التحديات التي تواجهها كثيرةٌ، هيغل (وزير الدفاع المستقيل يوم أمس) قال في أحد لقاءاته التلفزيونية؛ إن المتشددين الإسلاميين مجرد واحد من التهديدات الأمنية التي تواجه المسؤولين الأمريكيين، وأضاف أن أمريكا تواجه ما وصفه بتجمع تهديدات لم يشهد لها مثيلاً منذ عشرات السنين. وتابع أن التعامل مع هذه التهديدات يتطلب مساعدة دولية.

وأردف هيغل "لا نستطيع القيام بذلك وحدنا..يتعين أن يكون مع شراكات ومع تحالفات..لا نستطيع فرض إرادتنا على أي دولة.. هذه حماقة كاملة"، وقريب من هذا هو ما أكده زبغينيو بريجينسكي حيث قال إنه لن تكون الولايات المتحدة متمتعة بذات المكانة الدولية والتفرد بالزعامة خلال الفترة المشار إليها؛ نظراً للتوزع الجيوسياسي الذي يصيب مؤشرات القوة المختلفة.

عندما تشعر دولة كأمريكا بالعجز عن العمل بمفردها والحاجة إلى قوى إقليمية ودولية، يصبح التفكير بأدوار جديدة في عالم متجدد ضرورةً ملحةً، وليس ضرباً من الخيال.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة