تحولات النظام الإقليمي العربي (1)

المنطقة ما تزال قيد التشكل من جديد، والمشهد الاستراتيجي لها بحاجة لتحديد ودراسة أهم العوامل والظواهر المؤثرة.

الخميس، 03-09-2015 الساعة 11:26


شهدت المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة تقلبات وتغيرات عدة على جميع المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فخلال فترة قصيرة انهارت أنظمة عربية عمرت لعقود وتشكلت أنظمة جديدة مكانها، كما انزلقت دول عدة إلى حالة أشبه بالحرب الأهلية، وظهر في المشهد الإقليمي فاعلون جدد؛ محليون وإقليميون ودوليون، بعضهم دول وبعضهم فاعلون من غير الدول (non-state actors)، ولم يعد الشرق الأوسط الحالي (أغسطس/ آب 2015) يشبه الشرق الأوسط الذي سبق انطلاق الربيع العربي أواخر عام 2010.

هذه التطورات وغيرها دفعت نحو تحولات كبيرة في البيئة السياسية الإقليمية وأنماط العلاقات الدولية الجارية في الإقليم، ونتيجة لهذه الظواهر برز عدد من الأسئلة الملحة حول شكل النظام الإقليمي العربي الحالي والمستقبلي وتفاعلات العلاقات الدولية فيه.

ومن أجل الوصول إلى وصف دقيق للنظام الإقليمي العربي الحالي، يحاول هذا المقال تتبع التطور التاريخي لهذا النظام منذ نشوءه.

- النظام الإقليمي العربي

رغم صعوبة تحديد نظام إقليمي عربي بسبب شدة تداخلات النظامين الدولي والشرق أوسطي فيه وصعود أنظمة دون إقليمية فيه كالنظام الخليجي، إلا أن ملامح هذا النظام ما تزال قائمة. وتظهر ملامح هذا النظام بوجود جامعة الدول العربية وكثرة التفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين أعضائها قياساً بتفاعل أعضائها مع الدول الأخرى. ورغم العقبات البنيوية والمؤسساتية التي يواجهها النظام الإقليمي العربي إلا أنه يظل حاضراً في عقول صناع القرار العرب ويتجلى ذلك في مفاهيم من قبيل "الأمن القومي العربي" و"العمل العربي المشترك" وغيرها. ومما لا شك فيه أن هذا النظام الإقليمي العربي قد تعرض لهزات كثيرة وتدخلات هائلة من قوى إقليمية ودولية خارجية، خصوصاً في الفترة الأخيرة.

رغم كل ما سبق، فإنه من الضروري -لكي يستطيع المرء تحليل التطورات الإقليمية في المنطقة العربية- استدعاء مفهوم النظام الإقليمي العربي والبحث في تاريخ تشكله وتتبع تطوره إلى الشكل الذي وصل إليه الآن.

مع بدء استقلال الدول العربية مطلع القرن العشرين وتنامي المد القومي ظهرت مشاريع وحدوية عدة أبرزها مشروع الهاشميين (المملكة العربية) ومشروع الوحدة الناصري (الجمهورية العربية المتحدة). ولم يكن مثل هذا التوجه الوحدوي موافقاً لمصالح القوى العظمى آنذاك التي رأت في الحفاظ على منطقة شرق أوسطية مفككة خدمة لمصالحها، فكان مشروع جامعة الدول العربية عام 1945 –والذي حظي بالدعم والرعاية البريطانية- كي يستمر الحفاظ على كيانات عربية مستقلة عن بعضها البعض. وعلى مدى السنوات اللاحقة لنشوء الجامعة تطورت العلاقات العربية من خلال هذا الإطار الإقليمي، وشهدت تحولات كثيرة تمثلت في تشكل محاور ومحاور مواجهة، وكان أبرز هذه التشكلات ما يأتي:

- محور السعودية-مصر-سوريا مقابل محور الهاشميين

وقد نشأ هذا المحور لشعور الدولة السعودية الصاعدة بخطر خصومها الهاشميين، وقد ترافق هذا مع شعور نخب الجمهورية السورية حديثة الاستقلال بخطر المشروع الهاشمي الذي كان يحيطها من الشرق (العراق) والجنوب (الأردن) وكان له بوادر سابقة تمثلت في الحكم الفيصلي الوجيز الذي سبق الاستعمار الفرنسي. هذا التحالف وافق التوجهات الملكية المصرية واستمر في بدايات الحكم الجمهوري مطلع الخمسينات.

وقد استمرت التجاذبات بين المحورين طيلة الأربعينات حتى نهاية الخمسينات حيث بدأت الجبهتان بالتصدع والتغير. فقد انهار الحكم الهاشمي في العراق (1958)، ووقع الخلاف بين السعودية ومصر لأسباب منها التقارب السعودي الأمريكي ومبدأ إيزنهاور (1957) وتقارب مصر ناصر مع السوفييت بعد العدوان الثلاثي (1956)، ثم قامت الوحدة السورية المصرية (1958) وانهارت (1962) فتبدلت العلاقة بين الطرفين.

- محور المد القومي التقدمي بقيادة مصر مقابل محور "الرجعيين"

كان لاندلاع الثورة اليمنية (1962) وتدخل الجيش المصري في اليمن أثر بالغ على تفاقم الخلاف السعودي المصري أثناء عقد الستينات، وبرزت السعودية في هذه المرحلة كمركز ثقل لمحور جديد مواجه لمحور آخر جديد يقوده ناصر.

فعلى مدى الستينات وفترات من السبعينات قامت انقلابات وثورات عدة في عدد من الدول العربية، ووصلت أنظمة ثورية تقدمية للحكم في العراق وسوريا والجزائر واليمن والسودان وليبيا وغيرها. والتحقت معظم هذه الدول بقطار المد القومي الذي تقوده مصر عبد الناصر، ووقفت في مواجهة الأنظمة الملكية المتبقية (أبرزها السعودية والأردن) ووصمتها بالرجعية وحاولت تغيير أنظمة الحكم فيها. وعلى الطرف الآخر، دعمت الدول الملكية معارضي الأنظمة التقدمية فاحتضنت السعودية مثلاً الإخوان المسلمين المصريين بعد تعرضهم للاضهاد ومحاولة الاجتثاث من نظام عبد الناصر في الخمسينات والستينات.

وتعددت وجوه الخلاف بين المحورين العربيين بين الأيديولوجي والجيوستراتيجي، بل وأحيانا الشخصي بين قيادات المحورين. فرفع الملك السعودي فيصل شعار "وحدة الصف" مقابل شعار عبد الناصر "وحدة الهدف"، وتوجهت السعودية نحو العالم الإسلامي لإحياء "التضامن الإسلامي" في مواجهة مشروع "التضامن العربي" المصري. وظلت الخلافات بين المحورين تتفاقم إلى أن وقعت النكسة، فاجتمع العرب في الخرطوم (أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول 1967) وتوافقوا على حل أو تخفيف الإشكالات البينية وتعزيز وحدة الصف، وتلا ذلك خروج الجيش المصري من اليمن (اكتمل 1971) فتراجعت حدة الخلاف بين مركزي المحورين مصر والسعودية.

- محور دول الصمود والتصدي في مواجهة مصر كامب ديفيد

كان لغياب عبد الناصر المفاجئ عن المشهد العربي (سبتمبر/ أيلول 1970) أثر كبير في تراجع زخم المد القومي وبروز زعامات إقليمية جديدة منافسة لمصر. وقد شهد عقد السبعينات تحولاً في السياسة المصرية حيث تقارب السادات مع الغرب وطرد آلاف الخبراء السوفييت من مصر، وكانت زيارته للقدس (1977) وتوقيعه اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل (1978) الخطوة الكبرى في جهوده لتحويل سياسة مصر الخارجية بعيداً عن المسار الذي وضعها فيه عبد الناصر.

وأعقب توقيع السادات لاتفاقية كامب ديفد طرد مصر من جامعة الدول العربية ونقل مقر الجامعة إلى تونس، وكان ذلك بضغط من جبهة الصمود والتصدي المشكلة عام 1977م بدعوة من القذافي للضغط على مصر وعزلها، وقد ضمت الجبهة كلاً من العراق وسوريا وليبيا واليمن الجنوبي والجزائر ومنظمة التحرير ولكنها لم تدم طويلاً.

الحرب العراقية - الإيرانية وتشتت المحاور

شهد عقد الثمانينات تغيرات كبرى نجم عنها تشكل محاور جديدة في المنطقة العربية. فقد كان لاندلاع الحرب العراقية-الإيرانية (1980) إثر الثورة الإيرانية (1979) أثر بالغ في تصدع جبهة الصمود والتصدي، حيث دخل طرف غير عربي (إيران) في التفاعلات الإقليمية العربية بشكل واضح، فبينما دعمت دول الخليج ودول عربية أخرى العراق وقفت سوريا وليبيا في صف ايران.

كما كان لغياب مصر عن المشهد العربي أثر بالغ، فقد ظهر في هذه المرحلة نزوع عربي لإنشاء منظمات دون إقليمية فظهر مجلس التعاون الخليجي (1981) واتحاد المغرب العربي (أعلن عنه 1989)، ولم يعد الصراع العربي-الإسرائيلي القضية الأولى في العالم العربي لخروج مصر من الصراع ولانشغال العرب بالحرب مع إيران. وقد استمر المشهد على هذه الصورة حتى نهاية الحرب الباردة واحتلال العراق للكويت (1990).

- نهاية الحرب الباردة وتغير المحاور

كان لسقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة أثر بالغ على السياسة الدولية في كل مكان، وكان هذا الأثر واضحاً على التفاعلات الإقليمية العربية، فقد توحد اليمنان (1990) وأصبحت القوى التقدمية والثورية (كسوريا وليبيا ومنظمة التحرير) بدون ظهير دولي. وأحدثت بعض التطورات الإقليمية كانتهاء الحرب العراقية-الايرانية ثم احتلال العراق للكويت هزة كبيرة للعلاقات العربية، فقد انقسم العرب بين مؤيدين لصدام حسين (كالأردن واليمن ومنظمة التحرير) ومعارضين له، وشاركت عدة دول عربية معارضة للاحتلال (منها دول الخليج ومصر وسوريا) في التحالف الدولي ضد العراق لتحرير الكويت (1991).

شكلت العزلة الدولية والإقليمية التي تعرض لها العراق ومشاركة مصر–التي عادت للجامعة العربية عام 1989- في تحرير الكويت فرصة ذهبية لعودة مصر لقيادة النظام الإقليمي العربي. كما شهد عقد التسعينات دخول المنطقة العربية في عملية التسوية مع إسرائيل حيث شاركت معظم الدول العربية (بما فيها سوريا والخليج) في مؤتمر مدريد للسلام (1991) الذي تلاه توقيع منظمة التحرير (1993) ثم الأردن (1994) على اتفاقيات سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، أنهت عقوداً من المواجهة العربية المشتركة للوجود الصهيوني في المنطقة العربية.

- محور الاعتدال مقابل محور الممانعة

مثلت عودة مصر لقيادة النظام الاقليمي العربي بداية لتشكل محور جديد ضم ما سمي بدول الاعتدال العربي (مصر والأردن ودول الخليج). وكان لسياسة الولايات المتحدة التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر (2001) والقاضية بمحاربة "الإرهاب" بالإضافة لخروج العراق من المشهد العربي إثر الغزو الأمريكي له (2003) أثر كبير في تعزيز هذا المحور.

وقد قام محور الاعتدال على تحالف مصري-خليجي-أردني-فلسطيني رسمي (فتح)، وكانت مبادرة السلام العربية (2002) وعملية التسوية والعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية هي القواسم المشتركة بين مكوناته، إضافة إلى نظرة متقاربة حول الخطر الإيراني على المنطقة.

وفي المقابل فقد مهدت العلاقة الإيرانية-السورية الوثيقة وبروز قوى مقاومة من غير الدول (حزب الله بعد تحرير الجنوب اللبناني 2000 وحماس بعد تحرير غزة 2005 وفوزها بالانتخابات التشريعية 2006)، مهدت هذه العوامل الطريق لبروز ما سمي بـ"محور الممانعة". وتقاربت بعض الدول كقطر وتركيا والسودان والجزائر واليمن في مواقفها من الصراع العربي-الإسرائيلي من هذا المحور رغم احتفاظها بعلاقة جيدة بمحور الاعتدال. وقام محور الممانعة على توافق مشترك بين قواه الرئيسية على اعتبار إسرائيل تهديداً أمنياً استراتيجياً مشتركاً للجميع، إضافة لبعض القواسم الأيديولوجية المشتركة لدى معظم أعضائه.

- الربيع العربي وإعادة تشكيل المحاور

لم يلبث العقد الأول من الألفية الثالثة أن ينتهي حتى انطلقت شرارة واحدة من أكبر التحولات الإقليمية في العالم العربي منذ انهيار الدولة العثمانية وظهور الدولة العربية الحديثة. فقد مثل انطلاق الربيع العربي وما تلاه من فشل في التحول الديمقراطي واندلاع حروب أهلية في كثير من الدول العربية المركزية مرحلة استثنائية في تاريخ المنطقة العربية. وعلى الرغم من مرور نصف عقد على انطلاق هذه التفاعلات، إلا أن المنطقة ما تزال قيد التشكل من جديد، ولكي يتم رسم المشهد الاستراتيجي الحالي للمنطقة العربية فإن هناك حاجة ماسة لتحديد ودراسة أهم العوامل والظواهر المؤثرة في هذا التشكل الجاري، وهو ما ستقوم به المقالة القادمة بإذن الله.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة