تدفق مليشيات إيران الشيعية إلى سوريا مجدداً

عودة المليشيات أمر ينسف الادعاءات التي كانت تقول إن الاتفاق سيؤمن الاستقرار وسيجعل من إيران دولة أكثر عقلانية.

الثلاثاء، 06-10-2015 الساعة 09:51

من البدهي القول: إنّ المليشيات الشيعية التابعة لإيران في سوريا لم تغادر البلاد حتى تعود إليها، لكن من الواضح أن بعض هذه المليشيات كانت قد انسحبت العام الماضي من الساحة السورية لأنّها أعطت الأولوية للتطورات العراقية؛ حيث كانت تواجه حكومة المالكي خطر الانهيار، كما أن الهزيمة المدوّية لفيالق هذه المليشيات بقيادة قاسم سليماني على الجبهة السورية الجنوبية جعلها تنكفئ وتتراجع، وقد انعكس هذا الوضع بشكل جلي لاحقاً على أداء حزب الله أكبر هذه المليشيات الشيعية على الإطلاق.

 

أمّا اليوم، فإننا نشهد من جديد على ما يبدو تزايد أعداد هذه المليشيات القادمة إلى سوريا؛ إذ نشر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى على سبيل المثال لا الحصر، تقريراً رصد من خلاله الحملات الدعائية والإعلامية التي تقوم بها كبرى المليشيات الشيعية العراقية التابعة لإيران لتجنيد المقاتلين وإرسالهم إلى سوريا.

 

ووفقاً للتقرير، فإن كتائب الإمام علي الشهيرة بتصويرها لمقاطع فيديو تعذب فيها المعتقلين وتفصل رؤوسهم عن جسدهم وتقطّع أوصالهم وتشويهم بالنار أحياء، كانت قد كثّفت من حملاتها الإعلامية العلنية مؤخراً لتجنيد المزيد من المقاتلين لإرسالهم إلى سوريا، وكذلك الحال أيضاً فيما يتعلق بحركة حزب الله النجباء. أما فيما يتعلق بعمل المليشيات الشيعية التابعة لإيران داخل سوريا، فقد لاحظ التقرير تزايد نشاط لواء أبو الفضل العباس خلال الشهرين الماضيين وكذلك نشاط لواء أسد الله الغالب.

 

المثير للانتباه أن توقيت إعادة حشد وتعبئة المليشيات الشيعية للعمل بشكل أكثر فعالية داخل سوريا أو لإرسال المزيد من المقاتلين إليها قد بدأت منذ نهاية شهر يوليو/ تموز الماضي وتكثّف في نهاية شهر أغسطس/ آب. هذا يعني أنّ هذه المليشيات عادت للعمل بزخم جديد بعد الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه في 14 يوليو/ تموز الماضي، وهو أمر ينسف كل الادعاءات التي كانت تقول إن الاتفاق سيؤمن الاستقرار وسيجعل من إيران دولة أكثر عقلانية وانفتاحاً في سياساتها الخارجية وأنّه سيغيّر حساباتها في الملف السوري.

 

إذ كما أصبح معلوماً، فإن الاتفاق أزال الكثير من القيود التي كانت مفروضة على إيران، وهو يتيح لها الوصول إلى عشرات المليارات من الدولارات. من الواضح أن جزءاً من هذه الأموال يتم تخصيصه الآن لإعادة تشغيل وتفعيل مليشياتها الإقليمية.

 

أما التوقيت الزمني الثاني، أي أغسطس/ آب، فإنه يتقاطع مع زيارة قاسم سليماني إلى موسكو. ويبدو جلياً اليوم أن أحد أهداف الزيارة تنسيق الخطوات والتعاون الثنائي في الملف السوري. ففي الوقت الذي تقوم به الطائرات الروسية بالقصف جواً، تقوم إيران بتعزيز وجودها على الأرض في سوريا سواء عبر مليشياتها أو عبر قوات الحرس الثوري، وقد أكّدت العديد من التقارير خلال الأيام القليلة الماضية صحّة هذا التوجّه، مشيرة إلى أن طهران أرسلت المئات من جنودها للمشاركة في العمليات التي تقوم بها القوات الروسية.

 

لعل أحد أهم مؤشرات هذا التنسيق المتزايد بين القوات الروسية والحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية العراقية هو إنشاء غرفة عمليات تضم كلاً من روسيا وإيران والعراق وسوريا. من الصعب بل المستحيل عملياً أن يتم كل ذلك من دون معرفة وموافقة ضمنية من قِبَل الولايات المتّحدة. إدارة أوباما كانت تعلم جيداً أن الاتفاق النووي سيطلق يدي إيران في المنطقة وأن مليارات الدولارات التي ستتدفق إليها ستعيد تنشيط سلسلة مليشياتها الإقليمية وستندفع من جديد في العراق وسوريا.

 

التدخل الروسي الذي يتم اليوم في سوريا مبرمج زمنياً في حقيقة الأمر على توقيت الولايات المتّحدة. إدارة أوباما حثّت روسيا خلال الأشهر القليلة الماضية على لعب دور أكبر في سوريا ودفعتها دفعاً بهذا الاتجاه. ربما كان الخلاف على حجم هذا الدور وحدوده، فروسيا على ما يبدو أنها تريد أن تقوم به لكن وفق أجندتها وليس كما هو مرسوم لها أمريكياً بالضرورة. كما أن موسكو لا تريد أن تلتزم بأن يرتبط هذا الدور بمصالحها في سوريا فقط وإنما تريد تجاوز ذلك وربطه بالعديد من الملفات الإقليمية والدولية.

 

خلال قيامها بهذا الدور، تعلم روسيا تماماً أنها لا تكرر تجربة أفغانستان؛ إذ إن جنودها لا يخوضون حرباً بريّة في سوريا، فهذا الدور متروك بالأساس لمثلث عصابات الأسد والحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية، وهو دورٌ تقوم به إيران في المنطقة بمباركة بل وتسهيل أمريكي أيضاً. أما العمليات الجويّة، فموسكو لا تخشاها على اعتبار أن الإدارة الأمريكية ملتزمة بعدم تزويد الثوار السوريين بأي نوع من أنواع الدفاع الجوي والأسلحة المضادة للطائرات كما هو حال معارضتها العلنية أيضاً لقيام منطقة حظر جوي.

 

لا يمكن لمثل هذه الترتيبات السياسية والعسكرية المتعددة الأطراف، المعقدّة لوجستياً والمتداخلة استراتيجياً أن تتم دون تنسيق مسبق بين كل هذه الأطراف، وكل كلام عكس ذلك هو هراء لا صحة له.

 

على العموم لن نضطر إلى الانتظار طويلاً على ما يبدو ليتم تأكيد ذلك على شكل مساومات سياسية هدفها الأول والأخير القضاء على الثورة السورية.

 

صحيفة العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة