ترامب والإخوان المسلمون.. وفرضية الصدام

سيخلق الصدام أزمة حادّة داخل المجتمعات الغربية، وسيطلق العنان لجنون الحركات القومية المتطرفة في أوروبا والغرب.

الأربعاء، 18-01-2017 الساعة 10:22


شهدت الولايات المتحدة الأمريكية، مع نهاية حقبة الرئيس أوباما، حدثين لافتين قد يُشكلان علامة فارقة في السياسة الأمريكية؛ لما لهما من تأثير "محتمل" على طبيعة المرحلة القادمة وشكل العلاقات والتحالفات التي قد تنشأ خلال العقد القادم في ظل إدارة أمريكية جمهورية يُتوجّس من كيفية تعاطيها مع الأزمات الدولية وقضايا الشرق الأوسط.

الحدث الأول: إصدار مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي (9 يناير/كانون الثاني 2017) تقريره عن "الاتجاهات العالمية" المرتقبة، كاشفاً عن مخاطر نشوب نزاعات عالمية ستزداد خلال الأعوام الخمسة القادمة. وقد أَرْجَع التقرير السبب في ذلك لعدة عوامل أساسية؛ منها: جرأة روسيا والصين، وتزايد الصراعات الإقليمية، والإرهاب، والتغير المناخي، وضعف النمو الاقتصادي، والتباين في دخل الدول عالمياً. وإذا أخذنا بالحسبان أن مجلس الاستخبارات الوطني يُشرف بدوره على صياغة تقييمات أجهزة الاستخبارات الأمريكية الـ17، فإننا نقف على مؤشرات هامة رغم إدراكنا بأن ما يُنشر ليس كل ما يُرفع للإدارة الأمريكية، لا سيّما إخفاء طبيعة السياسات والخيارات الأمريكية المحتملة للتعاطي مع المتغيرات العالمية.

اللافت في التقرير إشارته إلى أهمية التقارب الأمريكي مع روسيا والصين، وتحسين العلاقات البينية لتطويق احتمالات التصعيد في الأزمات الدولية، وتركيز الاهتمام على محاربة "الإرهاب"، وهذا يتقاطع مع تصريحات الرئيس ترمب التي أكد فيها أهمية التقارب مع روسيا، والتعاون معها في محاربة "الإرهاب".

الحدث الثاني: سعي العضوَين الجمهوريَّين في الكونغرس الأمريكي (السيناتور تيد كروز، والسيناتور ماريو دياز بالارت)، لإدراج جماعة الإخوان المسلمين على قائمة المنظمات الإرهابية، وإعلان اللجنة القضائية بمجلس النواب (2016/2/25) موافقتها على مشروع بهذا الشأن، حيث ذكرت، في بيان لها، أن مشروع القانون يدعو وزارة الخارجية إلى اعتبار جماعة الإخوان "منظمة إرهابية"، معتبرة اللجنة أن هدفها "تدمير الحضارة الغربية". هذا التوجه تقاطع بدوره مع موقف ريكس تيليرسون مرشح الرئيس ترمب لوزارة الخارجية، الذي أكد في خطابه أمام الكونغرس بأن محاربة تنظيمي "داعش" والإخوان المسلمين أولوية لدى وزارته المرتقبة.

ما سبق ذكره يحمل إرهاصات خطيرة وحسّاسة على مستقبل العالم ومنطقة الشرق الأوسط تحديداً، عبر خلط الأوراق الحضارية وقلب المفاهيم الإنسانية. ولتوضيح المسألة فإننا سنَعْمَد لمناقشة النقاط التالية:

أولاً: إذا صحّت التوقعات بتوجه إدارة الرئيس ترمب لوسم جماعة الإخوان المسلمين بالإرهاب استناداً لمنهجها الفكري فقط، فإن ذلك سيُعد سابقة خطيرة وانقلاباً على مفهوم الحريات العامة والخاصة، عبر محاسبة الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب على النوايا والأفكار. وهذا يعد مدخلاً ظلامياً، وإرهاباً فكرياً ضد الاعتدال الذي تتبناه العديد من التيارات الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين التي دأبت طوال قرن من الزمان على اعتماد التثقيف، والعمل الخيري، والأهلي وسيلة لتطوير المجتمع المدني، واعتماد الانتخابات والديمقراطية أداة للتغيير والتدافع السياسي (مصر معقل الإخوان المسلمين نموذجاً..).

وما يؤكد سَمْت الاعتدال هذا، من وجهة نظر غربية، تقرير الحكومة البريطانية لعام 2015، الذي رفض تصنيف الإخوان المسلمين كـ"منظمة إرهابية"، أو حظرها، بناءً على تحقيقات مطولة حول الجماعة، ومن ثم فإن أية إجراءات أمريكية لوسْم الجماعة بالإرهاب ستعني استهدافاً لقطاعات كبيرة من المسلمين (أحزاباً، وأكاديميين، ومثقفين، ورجال أعمال..)، واستهدافاً لآلاف الجمعيات الخيرية والأهلية المنتشرة في الولايات المتحدة، وأوروبا، والعالم؛ بذريعة ارتباطها بالإخوان المسلمين، وفقاً لتقارير أمنية واستخباراتية مسيّسة استناداً لتجربة العراق والأسلحة النووية، ما سيخلق أزمة حادّة داخل المجتمعات الغربية التي تعجّ بملايين المسلمين، وسيُطيح بفكرة التعايش والاندماج، وسيرفع جدار الفصل العنصري على أساس الدين أو الهوية الثقافية، وسيطلق العنان لجنون الحركات القومية المتطرفة في عموم أوروبا والغرب.

(حسب إحصائية لعام 2011 يوجد 16 مليون مسلم في الاتحاد الأوروبي، و44 مليون مسلم في عموم أوروبا باستثناء تركيا، ما يمثل 6% من إجمالي سكان أوروبا. وحسب دراسة قامت بها جامعة نيويورك يُقدر عدد المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 3 ملايين نسمة من أصول متعددة).

ثانياً: إن تقاطعَ الموقف الأمريكي-الروسي في محاربة "الإرهاب"، أي الإسلاميين وفقاً للصورة النمطية، لا سيّما أن موسكو كان لها السبق في تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية في 28 يوليو/ تموز 2006، لأسباب لا يتسع ذكرها في هذا المقام؛ سيُشيع ثقافة الحروب الدينية، ويستعيد ذاكرة الحروب الصليبية، ويستدعي صدام الحضارات بين الإسلام والمسيحية من جديد، وهو ما سيُحدث تحولاً في تفكير الجماعات الإسلامية المعتدلة، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، وخاصة القطاعات الشابّة منها، لا سيّما لناحية إعادة تقييم المنهج، والأسلوب، والأدوات، في ظل تصاعد الأزمات المحلية والإقليمية، وعقب الحكم عليها بـ"الإرهاب"، في حال مضى هذا التوجه المفترض.

ثالثاً: إن التوجه الأمريكي الحالي في الكونغرس، إنْ تُرجم بقرار سياسي، سيفاقم من أزمة الحريات الدينية والسياسية في عموم الشرق الأوسط؛ فاعتبار أكبر جماعة إسلاميةٍ منظمةً "إرهابية"، سيخلق بالتأكيد مزيداً من الاحتقان في الدول العربية (سوريا، مصر، السعودية، الإمارات) التي صَنَّفت الإخوان جماعة "إرهابية"، أو التي قد تصنفها لاحقاً بضغط أمريكي، ما سيصب الزيت على النار المشتعلة منذ انطلاق "الثورات" العربية التي تُتهم واشنطن بتقويضها وإبطال مفاعيلها بالتنسيق مع الأنظمة المحلية المتهمة بالاستبداد وقمع الحريات، بشهادة العديد من المنظمات الدولية المعنية.

إن اتساع رقعة استهداف ما يُسمى بالإسلام السياسي المعتدل في المنطقة العربية سيُعمّق الشرخ بين الأنظمة والشعوب والتيارات الإسلامية المعتدلة، وسيقضي على مساحة العيش المشترك، وسيهدد أسس الدولة الوطنية/ القومية، ويُدخل عموم المنطقة في زاوية انعدام اليقين التي قد تُكلِّف الأطراف كافة أثماناً باهظة إن لم تحسن التصرف وتستدرك على نفسها خطر الانزلاق خلف السياسات الأمريكية العدوانية.

رابعاً: إن إدخال المنطقة في أتون الصراعات المفتوحة، عبر استنزاف دول المنطقة والتيارات الإسلامية المعتدلة فيها، يُعد مقدمة لتحولٍ في دور وسياسات الاحتلال "الإسرائيلي"، المستفيد الأول مما يجري في المنطقة. فالاحتلال "الإسرائيلي" ينتظر بفارغ الصبر قراراً لنقل السفارة الأمريكية لمدينة القدس، في إشارة إلى قبول واشنطن بالسيادة الإسرائيلية عليها، مما يُعد مقدمة للقضاء على أحد معالم الدولة الفلسطينية المرتقبة، استناداً للقرارات الدولية 242 و338، ولفرض سيناريو الحكم الذاتي المحدود على الفلسطينيين عقب ضم الاحتلال لنحو 60% من أراضي الضفة الغربية المحتلة والمصنفة منطقة (ج) حسب اتفاقيات أوسلو، هذا فضلاً عن سعي الاحتلال لتقويض حق العودة عبر سياسة توطين اللاجئين الفلسطينيين في دول عربية وغربية، مستغلاً حالة الفوضى السياسية، وانشغال الدول والشعوب العربية بأزماتها الداخلية.

إن السياسة الأمريكية بقيادة أوباما الراحل، والقائمة على استنزاف دول المنطقة عبر تأجيج الصراعات الطائفية في العراق، وسوريا، واليمن..، واستهداف الدولة التركية عبر الانقلاب الفاشل، ومن ثم محاولة زعزعة استقرارها أمنياً واقتصادياً، بقصد إفشال تجربة حزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الإسلامية، يثير القلق أكثر من طبيعة السياسة الأمريكية القادمة بقيادة الرئيس ترمب نحو الإسلاميين والإسلام كدين حامٍ للقيم ولمصالح المسلمين والأمم، بقطع النظر عن لغة الخطاب الناعمة التي قد تستخدمها الإدارة الأمريكية الجديدة، لأن مفهوم "الإرهاب" في العقل الجمعي لدى المسلمين أصبح يمثل ذريعة أمريكية لتدمير المنطقة، والقضاء على فرص النمو والتطور فيها لحساب استمرار الهيمنة الغربية وحليفتها "إسرائيل".

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة