ترسيم السياسات الأكاديمية

عند إحصاء ما لدينا من جامعات ومعاهد في وطننا العربي، ومدى انتشار هذه المؤسسات التعليمية جغرافياً وديموغرافياً.

الأحد، 13-09-2015 الساعة 13:51


عند إحصاء ما لدينا من جامعات ومعاهد في وطننا العربي، ومدى سعة وانتشار هذه المؤسسات التعليمية والصروح المعرفية جغرافياً وديموغرافياً، نجد أن الفرق شاسع ما بين حجم الحضور الفعلي لهذه الجامعات والمعاهد وما بين الأثر الفعلي المترتب على حضورها في بيئة الحياة العامة، وصلاتها ببناء الإنسان وزراعة الوعي في نفسه.

التحدي الأبرز لا يكمن في زيادة عدد الجامعات ومسمياتها وفروعها التخصصية، أو حتى توسعة المساقات الأكاديمية المطروحة فيها، بل تعتمد هذه الفعالية على شكل وهوية البناء الذاتي داخل هيكلية المنشأة التعليمية، وملاءمتها لظروف الجودة، والمنتج الإيجابي الذي يستفيد منه العاملون في الجامعات، وقطاع المجتمع المدني، والقطاع الخاص، ومؤسسات الدولة في الآن ذاته.

هذه العملية الشمولية والتكاملية تعني وضع مخططات عليا لتوجهات كل صرح علمي، وترسيم مخططات فرعية تخصصية لكل مجال فيه؛ بدءاً بالبيئة الأكاديمية، مروراً بظروف البلاد السياسية والاقتصادية، وانتهاء بتطلعات طلبة الجامعات والمعاهد وذويهم، وهذه العملية هي التي يطلق عليها في علم الإدارة العصري اسم ترسيم السياسات العامة، والتي تشمل بناء الرؤية والرسالة والأهداف العامة والخاصة وجداول العمل الزمني والكوادر المطلوبة لنجاح المشروع المراد.

من خلال الدراسات الإحصائية التي تمت في كثير من بلاد العالم العربي، والمقايسات التي تمت بين الواقع الأكاديمي العربي والغربي، يتضح جلياً أن الفجوة بين الواقعين كبيرة جداً، بنظرة واحدة على أفضل الجامعات العالمية، سنجد ما ذكر من جامعاتنا العربية في قائمة أفضل خمس مئة جامعة لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

السؤال هنا، هل للقدرات المادية دور في هذه التصنيفات؟ هل للعقول الأكاديمية دور فيها؟ أيهما أغنى مثلاً: الإمارات العربية أم فنلندا؟ ولماذا تدخل دول العالم في مجال التنافسية ونبتعد عنها نحن برغم ما نملكه من عقول ومقدرات وموارد؟

والإجابة المنطقية على هذا التساؤل تكمن في معرفتنا لآليات صناعة القرار داخل منشآتنا الأكاديمية، ومدى استقلالية القرار الإداري فيها، ومستويات الوعي والحرص والإخلاص في تطويرها لترقى لمصاف الجامعات العالمية المتقدمة، ليس شكلاً فحسب، بل شكلاً وجوهراً، بما يحقق إنتاج عقول طلابية واعية وواعدة، وجامعات تخصصية رائدة، وتواصلية تفاعلية مع الدولة والمجتمع تصل لمرحلة التكامل والتفاعل المشترك، وليس التنسيق عبر الشعارات والتصريحات.

إننا مطالبون اليوم بتعزيز واقعنا الأكاديمي، وإعادة هندسة السياسات التعليمية والتربوية لدينا لمعرفة التقاطعات الإيجابية والسلبية فيها، وتعزيز نقاط القوة وتجفيف منابع الضعف، لننهض بواقع جامعاتنا، ونقدم للأجيال خدمة أكاديمية تصقل شخصية الشباب، وتمنحه الفرصة للإبداع التخصصي في رحاب الجامعة وفعالياتها ومختبراتها وساحاتها التفاعلية وبرامجها التنموية المنهجية وغير المنهجية.

ومن باب المسؤولية، فإن واجبنا اليوم دراسة جدوى وزارات التعليم العالي في عالمنا العربي، وقدراتها ومسؤولياتها وتوجهاتها، وهو ما يدفعنا إلى السؤال أيضاً عن طبيعة علاقتها بإدارات الجامعات، وموازنات تطوير التعليم والبحث العلمي، وتوجهاتها نحو أتمتة التعليم وتطوير وسائل البحث والتدريب والتأهيل للكادر الوظيفي ليكون قادراً على الإسهام في خوض التحدي والتعامل مع متطلبات هندسة التغيير المنشودة.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة