تركيا بين علاقات الداخل وتشعبات الخارج

بسببِ الثورةِ السوريَّةِ دخلت تركيا في صراعاتٍ كثيرةٍ، كان أوضَحَهَا التحوُّلُ الذي حصل في العلاقة بين تركيا وروسيا.

الأربعاء، 03-08-2016 الساعة 14:03


بعد الخامس عشر من يوليو/تموز أصبحت تركيا ذاتَ معالمَ مختلفةٍ، وأعباء جديدة، واستقلالية أكبر، فالساحةُ الدَّوْلِية بشكلٍ عامٍّ ستصبح محددةً معها بعلاقات شراكةٍ جديدةٍ ذَاتِ عمق غير الذي كانت عليه قبل ليلة الانقلاب الفاشل، وأمَّا التأثير على الساحة السورية، ومدى فاعلية الجار التركي في القضية السورية، فسيغدو أكبر؛ لأنَّ تركيا كانت المتأثِّرَ الأكبرَ بالأحداث السورية، لكنها ستصبحُ المؤثِّرَ الأثقلَ بعد فشل الانقلاب، وستنتقل إلى دور الفاعل الحقيقيِّ في القرار.

ومن المعلوم أنَّهُ بسببِ الثورةِ السوريَّةِ دخلت تركيا في صراعاتٍ كثيرةٍ كان أوضَحَهَا التحوُّلُ الذي حصل في العلاقة بين تركيا وروسيا، تحوُّلٌ بدأ بمواجهاتٍ سياسيَّةٍ، ثم انتقل إلى طور صراعات انحدرت بالعلاقة إلى مستوى سيء جدّاً كاد يصلُ إلى مواجهةٍ عسكريَّةٍ لولا ضبطُ النفس بعد إسقاط الطائرة الروسية، والاستفزازات المتكررة للطيران الروسي باختراقه الأجواء التركية من الجهة السورية.

أمَّا بعد الانقلاب فقد سارعت روسيا في اللحظات الأولى إلى رفضه، وتأييد شرعية الحكومة التركية المنتخبة، وبعدها أعلنت أنقرة أنَّ الطيار الذي أسقط الطَّائرة الروسية سابقاً كان مشاركاً بالانقلاب، وقد صَّرح بعضُ القادة الروس بأنَّ إسقاط الطَّائرة كان بتصرف الانقلابيين، وأنَّ حكومة أردوغان وقعت تحت الأمر الواقع، وكان عليها ألا تُظهِرَ اعتراضها كي لا تُظْهِرَ الشَّرخَ بين الحكومة والجيش، كلُّ هذه المعطيات، ومع قليلٍ من السَّعْي بين الحكومتَين، قد تجدُ العلاقةُ بَينَ الدَّوْلَتين مخرجاً، وكلُّ هذا يتوقَّفُ أوَّلاً على الإدارةِ والإرادة الروسية التي استغلت الانشغال الدَّولي، وصعَّدت طلعاتِها الجويَّةَ على مناطق المعارضة السورية المحسوبة على حكومة أنقرة بشكل ملحوظ.

بينما العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي كانت محل شك من نواحٍ عدة أخلاقية واقتصادية، فالضغوط الأوروبية على تركيا كانت في تصعيد مستمرٍّ، وتخوُّفٍ واضحٍ من أحفاد العثمانيين، والأتراك استخدموا اللاجئين ورقةَ ضغطٍ على الاتِّحاد، وموقفُ الاتِّحادِ وبريطانيا لم يختلف كثيراً، بالعكس زادت الضغوطاتُ بعد فشل الانقلاب، وأعادت أوروبا فتحَ مِلَفِّ حقوق الإنسان والحريات علناً؛ لتزيد الضغوط على حكومة أنقرة التي لم تَرُد حتى الآن، واكتفت ببعض التصريحات بأنها ساعيةٌ قُدماً بخطتها في ضبط الجيش والحكومة، وتفعيل قانون الإعدام بعد تفعيل قانون الطوارئ فعلاً على مستوى المؤسسات الحكومية والجيش.

في هذه المرحلة يبدو أن الغرب يتَّجه إلى التَّصعيد بخطة توافقية مع الولايات المتحدة، وهذا الموقف المناوئ ليس من مصلحة أوروبا، فالواضح أن تركيا، حكومةً وشعباً، لم يعودوا بالحماسِ ذاتِه للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المتهالك، فبعد الانقلاب تخلَّى الشَّعب عن هذا الحلم، بل خرجت أصواتٌ عِدَّةٌ لحثِّ الحكومة على التوقُّف عن السَّعي إلى الانضمام، في هذه الحالة على تركيا أن تمتصَّ هذه الموجة وتقنع الغرب الذي أثخنته الهجمات الإرهابية، بأنها الحليف الأفضل لها ضد الإرهاب، والممر التجاري الآمن والمخدَّم للشرق المستهلك للبضاعة الأوروبية.

العلاقة التركية الأمريكية تشهد منعطفاً مفاجئاً؛ فالولاياتُ المتحدة التي كانت تَعُدُّ تركيا الحليفَ الأقوى والأوثقَ في الشرق قد تعرَّت خلال الانقلاب وبعده؛ إذ كانت السفارةُ الأمريكية في أنقرة أوَّلَ مَن رحَّب بالانقلاب وَعَدَّتْهُ انتفاضة شعبٍ لكنَّها سُرعان ما تراجعت بعد احتمال رجحان كفة القوة لمصلحة الحكومة.

وبعد الإشاعات بتورط الولايات المتحدة بالانقلاب ازدادت الأمورُ تعقيداً؛ فالحكومة الأمريكية لم تصرح بالكثير، بل اكتفت بترك العنان لذراعها الإعلامي للهجوم على أردوغان وحكومته، ووصفه بالطاغية والدكتاتور و"السلطان"، ثمَّ أخذت الأمورُ منعطفاً أخطر عندما وصفت الشعب التركي بالخراف، وكأنما انتصارُ الديمقراطية وفشلُ الانقلاب قد أوجعَ السياسةَ الأمريكية في المنطقة.

أمَّا على الصعيد الداخلي فإنَّ الأهمَّ في هذه المرحلة هو طبيعة العلاقة التي ستكون بين أنقرة ومنظمة الـ"pkk"؛ فبعد سنواتٍ من الهدوء النسبيِّ الحذرِ عادت الحربُ إلى أوجها بعدَ أن فشلَ ذراعُها السياسيُّ الممثَّلُ بالـ mhp"" بالإبقاء على هذا الهدوء ممَّا دفع المنطقة إلى المواجهة المسلحة من أجل الحصول على مكاسبَ سياسيَّةٍ مؤقَّتَةٍ وقد أدَّت هذه المواجهة إلى تدمير أكثرَ من عشرة مدنٍ سوِّيت أكثرُ من خمسٍ منها على الأرض، هذه الصورة القاتمة قد تتغيَّرُ بعد الموقفِ المشرِّف والمتوازن من المنظمة أثناءَ الانقلاب الذي كان لها أثرٌ بالغٌ في التغلب عليه.

وبهذا تكونُ المنظَّمة قد اقتنصت الظُّروف المضطربة بالوقوف مع الشعب والحكومة وبثت رسائل للجمهور مفادُها أنَّها ترفضُ أي شكلٍ من أشكالِ عسكرة الدولة، فهي بالنِّهايةِ لا تُعادي الحكومةَ خصوصاً وَتَعدُّ الجيش هو المسؤول الأول عن الأوضاع المترديَّةِ في جنوب شرق تركيا، وترفضُ بهذا كلَّ محاولاتِ الجيش المتكررةِ بالمشاركةِ في الانقلاب.

وعلى النقيض دعت الأنصارَ إلى النزول للشوارع مع الشَّعب للمحافظة على الديمقراطية، هذا الموقف يجب ألَّا تنسَى أنقرة فضلَهُ، وقد يكونُ مفتاحاً لها لفتح المفاوضات المغلقة منذ أواخر 2014 بين الطرفين، وإيجاد حَلٍّ وتسويةٍ سياسيَّةٍ حقيقيَّةٍ على الأرض، تُرضي الجميع، أو على الأقل تَهدئةٍ مبدئِيَّةٍ تتبعها مفاوضاتٌ جادَّةٌ من الجميع.

إذ قد تبادرُ أنقرةُ بالإفراج عن الرجل الأكثر شعبيةً لدى الحاضنة التركية، السيد عبد الله أوجلان، الذي كان اسمُه ضمن قائمة الاغتيال من قبل الجيش المنقلب، والظُّروف الآن هي الأنسبُ للجميعِ ليصلوا إلى تسويةٍ عن طريقِ إظهارِ حُسْنِ النَّوايا من الطرفين والأيَّامُ القادمةُ ستكشف كثيراً.

خِتاماً، تركيا لم تتعافَ بعدُ من الصدمة، والواضح أنَّها في محاولات لترتيب البيتِ الداخلي للحكومة بشقَّيه من الحاكم والمعارض، هذا الانقلاب قدّمَ لتركيا فرصًة ذهبيَّةً لإحكام السيطرة على الداخل، وإعادة ترتيب الأولويات والعلاقات على الصعيد الخارجي، ولم تستيقظ أنقرة بعدُ لذلك ليس عليها أن تتعاملَ بردودِ الفعلِ مع الولايات المتحدة والغرب خارجيّاً.

على الصعيد الداخلي الذي هو أكثر تأثيراً عليها من ناحية الاستقرار الأمني والاقتصادي تكثيفُ المحادثات مع اليسار، والوصول معه لبر الأمان، هذه الفرصة والأزمة التي لدى تركيا بجوانبها المشرقة والمظلمة هي المرحلة الحقيقية والأكثر وضوحاً لتركيا عُظمى، كما أنَّ هذا الانقلاب كان الامتحان الأصعب حتى الآن، والفرصة الحقيقية لفصل تُركيا للحلم الاقتصادي العالمي الذي وُضع منذ 11 سنة، الأشهر الستة القادمة إما أن تضع تركيا على موضعها المأمول في خريطتها المرسومة، وإما أنها ستكتشف أن حلمها لم يكتمل كالحلم الماليزي 2020.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة