تركيا تعيد اكتشاف نفسها

رأيت اندفاعاً غير مسبوق من قبل شعب يدرك جيداً ما معنى الانقلاب العسكري، شاهدت كل فئات الشعب التركي وهي تخرج.

الأربعاء، 20-07-2016 الساعة 13:14


كانت الشوارع شبه خالية، مع أولى الأنباء عن حصول انقلاب في تركيا، شوارع إسطنبول وأحيائها التي تعج بالحركة بدأت تهدأ، كنت خارجاً للتو من حديقة فلوريا في إسطنبول، الساعة أقرب إلى منتصف الليل، السيارات إما تمر مسرعة أو لا تمر، والأنباء التي تصل من خلال الهاتف الجوال تشير إلى أن الانقلاب نجح، وبعد جهد، وصلت إلى الشارع المؤدي إلى مطار أتاتورك، وقتها فقط أدركت أن الانقلاب وإن كان نجح فإنه سيفشل.

قلت في تغريدة على تويتر مباشرة بعد أن شاهدت الجموع تتجه صوب مطار أتاتورك وهي تحمل الأعلام التركية وتهتف: "يا الله، بسم الله، الله أكبر": "بكل الأحوال سيفشل الانقلاب في تركيا؛ لأن أساس الحكومة متين والأنباء مطمئنة"، وكان وقت التغريدة في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف من ليلة الانقلاب.

ما دفعني لهذا الكلام، رغم ما كان يرد من أنباء كان يؤكد أن الانقلابيين أعلنوا الأحكام العرفية، وأنهم سيطروا على المطارات والأماكن الحساسة بالدولة، هو أني رأيت اندفاعاً غير مسبوق من قبل شعب يدرك جيداً ما معنى الانقلاب العسكري، شاهدت كل فئات الشعب التركي وهي تخرج على بكرة أبيها لتغطي الشوارع بهتاف واحد، كنت أسمعه من الفتاة المتبرجة السافرة التي ترتدي الجينز الضيق، ويدها بيد عشيقها، وهي ذاهبة إلى المطار، كما كنت أسمعه من الشاب الملتحي ذي السمت الإسلامي.

تركيا التي رأيت في شوارع إسطنبولها ليلة الانقلاب غير تركيا التي يراد لنا أن نسمع عنها أو نعرفها، تركيا مختلفة، الكل كان يركض ويهتف، الكل كان يرفع العلم الأحمر ذي النجمة والهلال، لم ألحظ أي علم آخر، لم أسمع أي هتاف سوى: "يا الله.. بسم الله.. الله أكبر".

مخطئ من يعتقد أن الشعب التركي خرج لنصرة أردوغان، مخطئ من يعتقد أن الشعب التركي خرج لنصرة حزب العدالة والتنمية، مخطئ أكثر من يعتقد أن تلك الجموع خرجت لأنها تريد أن تكون تركيا دولة إسلامية، فمن شاهد هتاف الناس ولهفتهم وخطاهم المتسارعة ودموعهم، يدرك جيداً أن هذه الجموع خرجت لحماية حقها، حقها في اختيار من يحكمها، حقها في اختيار مستقبلها.

يدرك هؤلاء الذين ألقوا بأنفسهم أمام سرب الدبابات أن حياتهم لا تساوي شيئاً من دون بلد يحترم حقهم بالاختيار، يحترم كرامتهم كمواطنين، يحترم ذواتهم، فلقد تعبوا من لعبة العسكر، وتعبوا أكثر من انقلابات أعادتهم مئات السنين إلى الوراء.

ولكن الصورة ليست وردية، فمن خرج وحمل السلاح، وقتل من هؤلاء المدنيين، جواً وبراً أيضاً أتراك، وهو صحيح جداً، ولكن لك أن تعيد قراءة تاريخ الانقلابات التركية ستدرك أن الجيش انقلب على اختيار الشعب بمذكرة فقط، ولم ينزل إلى الشارع أصلاً، لتدرك حينها كم كانت إرادة الناس مسلوبة، كم كان آباء وأجداد الشبان الذين خرجوا ليلة الانقلاب الأسود، مهدوري الحقوق، مسلوبي الإرادة، عكس جيل اليوم، الجيل الذي ترعرع في كنف حكومات انبثقت من رحم اختياره هو لا من إرادة العسكر.

هذا الجيل الذي ملأ وما زال ساحات وميادين تركيا، لن يقبل بأقل من ديمقراطية كاملة، سواء سعى العسكر لخدشها أو سعت حكومة العدالة والتنمية أو غيرها لذلك، جيل وجه رسالة إنذار لكل أطراف اللعبة في تركيا، إني هنا، متيقظ، لن تمر دسائس أحد بعد اليوم، وهي رسالة إلى الخارج التركي أيضاً، الخارج الذي لم ينم ليلته تلك بانتظار بشريات انقلابه الأسود.

الغرب المتباكي على قانونية وعدالة إجراءات الحكومة التركية بحق الانقلابيين عليه أن يقرأ رسالة الجموع التركية جيداً، عليه أن يدرك أن شعب تركيا اليوم ليس هو ذاته قبل أربعين أو خمسين عاماً، عليه أن يعي الدرس وألا يغامر بلعبة أخرى للنيل من ديمقراطية هذا البلد.

تركيا اليوم ليست أردوغانية، كما أنها ليست أتاتوركية، ليست إسلامية ولا علمانية، تركيا اليوم هي الشعب الذي ما نام ولا غمض له جفن إلا بعد أن تيقن أن مستقبله بيده، فهل يدرك الغرب مغزى ذلك، أم أن لحماقته كرة أخرى؟

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة