تركيا تواجه تدين مجتمع أم دولة؟

الشعب التركي المسلم لم يصنع قطيعة ثقافية مع الإسلام ولم يصنع قطيعة سياسية مع مسؤولياته نحو المسلمين.

الثلاثاء، 29-09-2015 الساعة 18:06


كما تشغل المواقف السياسية التركية المعاصرة المحللين السياسيين وتتناقض أقوالهم فيها ونحوها، ينشغل مفكرون آخرون في الحديث عن هوية المجتمع التركي والدولة التركية، ودور الإسلام فيها وبالأخص فيما يوصف بالإسلام السياسي أو العثمنة أو غيرها، وتحديداً بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة السياسية عام 2002، عن طريق الانتخابات الديمقراطية، ويتساءلون: هل أصبحت تركيا كمجتمع ودولة أكثر تديناً، وأكثر بعداً عن العلمانية الأوروبية المعادية للدين بصورتها الفرنسية التي فرضها حزب الشعب الجمهوري في العهد الجمهوري الأول من عام 1923 ولغاية 1950، أم المجتمع التركي يقترب أكثر للعلمانية منذ استلام حزب العدالة والتنمية للسلطة السياسية منذ عام 2002؟ ولا تنتهي الأسئلة عن نوع العلاقة بين تدين المجتمع وتدين الدولة هل هي علاقة عكسية أم طردية؟ وهل المجتمع التركي من يفرض التوجه الديني الإسلامي على الحكومة والدولة؟ أم الحكومة والحزب الحاكم حزب العدالة والتنمية هو من يفرض التوجه الديني على المجتمع والدولة والجيش والشعب؟

وبداية لا بد من التذكير بعدة مسائل تتعلق بالموضوع:

المسألة الأولى: هي أن معركة الدين والعلمانية معركة مستوردة من المجتمعات الأوروبية، ومنها صراع الكنيسة مع الدولة الأوروبية في العصور الوسطى، وتنازع السلطة الروحية مع السلطة الزمنية، وبصورة أخرى صراع رجال الدين مع رجال السياسة، وصلاحيات كل طرف منهما في قيادة الحياة العامة، اضطرت فيه الكنيسة ورجال الدين الكهنوتيون إلى التراجع عن دورهم في إدارة شؤون الحياة العامة وحصرها في الشؤون الدينية الخاصة ومتعلقاتها الشخصية، وكثير من أوجه هذا الصراع غير موجودة في علاقة المسلم المتدين مع السياسة، ولا في علاقة الدولة في الإسلام مع المتدينين وغير المتدينين، وهذه قضايا اعترف بها المستشرقون أنفسهم بعد دراستهم للإسلام وطبيعة الدولة فيه ومنهم هاملتون جب وغيره.

المسألة الثانية: إن كل التحليلات تعتمد على معلومات نسبية، أو استطلاعات رأي موجهة، أو تمثل عينات لا تطابق توجهات الشعب التركي في كل أنحاء تركيا، وبالتالي فكل هذه التحليلات مهما وصفت بالعلمية أو الموضوعية فهي تمثل قراءة خاصة ولا يمكن التحقق من تعميمها إطلاقاً، ولذلك يصعب اعتماد أحد هذه الاستطلاعات كنتيجة نهائية أو معتمدة دون غيرها.

المسألة الثالثة: أن الجمهورية التركية منذ إنشائها شهدت عمليات نزوح وهجرات بشرية اختيارية وقسرية، فالتنوع الديني الذي كان أيام الدولة العثمانية للمسلمين وغير المسلمين دفع غير المسلمين إلى مغادرة تركيا وقدوم المسلمين إليها، ممّا جعل الجمهورية التركية مسلمة مئة بالمئة، باستثناءات قليلة لا تزيد على 1%، وهذا النزوح كان برغبة من السكان أنفسهم بدرجة كبيرة، ولذلك وجد الملايين من الأكراد والعرب والأذربيجانيين والقوقازيين والبوشناق واللازيين والجورجيين والأرناؤوط والألبان وغيرهم، الذين اختاروا العيش في الجمهورية التركية ورحولوا إليها بسبب تدينهم؛ أي أن التركيبة الاجتماعية والقومية والعرقية في تركيا هي تركيبة شعبية متدينة، وكل محاولات العلمانية التي فرضها حزب الشعب الجمهوري في العقود الأولى كانت في الطبقات العليا للمجتمع والدولة وفي المدن الكبرى، ولم تصل إلى الطبقات الريفية والفقيرة التي كانت تمثل غالبية الشعب التركي.

المسألة الرابعة: إن انتقال الشعب التركي من مرحلة حكم الحزب الدكتاتوري الأيديولوجي الواحد أيام حكم حزب الشعب الجمهوري، في العهد الجمهوري الأول، إلى التعددية الحزبية والسياسية والانتخابات الديمقراطية عام 1950، قد أحدث انكشافاً حقيقياً عن طبيعة الشعب التركي، وفشل التجربة العلمانية القسرية، وإن العلمانية الأوروبية الفرنسية شبه الإلحادية والمعادية للدين والمتدينين التي فرضت على الشعب التركي لم تكن تناسب الشعب التركي لا في ثقافته الاجتماعية ولا في تطوره السياسي، وإن الانقلابات العسكرية التي حاولت منذ عام 1960 إعادة الشعب التركي إلى العلمانية المتشددة لم تنجح، بالرغم من محاولات العسكر والوصاية التي كان يمارسها حزب الشعب الجمهوري على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، والتي أصبحت توصف بالدولة العميقة، فكل هذه المحاولات لم تنجح في تغيير هوية الشعب التركي؛ لأن تمسكه بالدين ليس تمسكاً روحياً ولا كهنوتياً وإنما تمسكاً علمياً وعقلياً وسياسياً، فالعائلات التي نزحت إلى الجمهورية التركية عند تأسيسها كانت من العائلات التي كان يتولى رجالها وأبناؤها دوراً سياسياً أو عسكرياً في الدولة العثمانية، فبقيت المسؤولية السياسية تسري في روح هذا الشعب، فالشعب التركي ليس وريثاً جغرافياً للدولة العثمانية وإنما هو وريث حضاري وسياسي، والمفكرون القوميون الأتراك الذين شاركوا في ثورات التحرير وتأسيس الجمهورية التركية مع مصطفى كمال كانوا يتصورون أنهم يؤسسون دولة إسلامية تختلف عن الدولة العثمانية بأنها ليست دولة العائلة والأسرة العثمانية وإنما دولة الأمة والجمهور المسلم، فلم تكن الثورة التركية الأولى التي أسست الجمهورية ضد الدين، ولا ضد الإسلام، بل شارك فيها قطاع كبير من العلماء والخطباء والأئمة الأتراك من أمثال محمد عاكف أرصوي وأشرف أديبن وهما في موازاة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في البلاد العربية؛ أي إن الجمهورية الأولى نشأت في ظل ثورة إسلامية، وهذا يفسر تأخير إلغاء الخلافة بعد أن ألغيت السلطنة، وقد كتب مصطفى كمال أتاتورك رسالة في بيان الفرق بين السلطنة والخلافة، لتبرير أفعاله وتحولات الثورة التي كان يقودها ويقود فيها سيلاً من المتدينين والمجاهدين والعلماء المسلمين الأتراك.

إن هذا يعني أن الشعب التركي المسلم لم يصنع قطيعة ثقافية مع الإسلام، ولم يصنع قطيعة سياسية مع مسؤولياته التاريخية والحضارية نحو المسلمين، والتحولات التي فرضها أتاتورك كانت في الكثير منها انقلاباً على أهداف الثورة الكمالية الأولى التي كانت ثورة إسلامية سياسية؛ لأنه كانت في البداية تستنفر المتدينين لإقامة جمهورية سياسية لعموم المسلمين، فكان الانقلاب الأتاتوركي العلماني ليس على الخلافة العثمانية بداية وإنما انقلاباً على أهداف الثورة الكمالية الأولى، فالشعب التركي الذي قبل نقل السلطة السياسية من العائلة العثمانية إلى الجمهور المسلم، لم يوافق على تغيير هوية الشعب التركي من الحضارة الإسلامية إلى الحضارة المسيحية المتمثلة في الحضارة الأوروبية في ذلك الوقت، وكل ما جرى من ثورات لعلماء المسلمين على حكومة أتاتورك كانت تستهدف الانقلاب الأتاتوركي على أهداف الثورة الإسلامية الأولى التي قادها أتاتورك نفسه، ولكنه نكث عنها، وذهب بها إلى علمانية غربية لا يمكنها العيش في الوسط الاجتماعي التركي المسلم إلا بالإكراه والحديد والنار.

ولذلك لا ينبغي النظر إلى تجديد الشعب التركي لتمسكه بدينه وحضارته ورؤيته السياسية على أنها عثمنة أو عودة إلى الخلافة العثمانية التاريخية، وإنما هي تعبير عن طبيعة المجتمع الذي يسعى الشعب التركي المسلم إلى تكوينه بإرادته الحرة، وإلى أنها سعي من الشعب التركي في إيجاد الكيان السياسي الذي يؤدي واجباته نحو الشعب التركي المسلم، فالشعب التركي لا يريد دولة باسم الإسلام تسلبه حقوقه أو تعجز عن أدائها مثل الدولة العثمانية في آخر أيامها، ولا دولة تعلن العداء للإسلام باسم العلمانية وهي تمثل دولة زمرة من المنتفعين والدكتاتوريين المدنيين والعسكريين الذين يتقاسمون الثروة والسلطة، ولا يسمحون للشعب أن يقرر مصيره وأن يختار قيادته السياسية بالانتخابات الديمقراطية الحرة.

الشعب التركي من أكثر شعوب العالم التي تذهب إلى صناديق الانتخابات والاقتراع والاستفتاءات؛ لأنه يدرك مسؤوليته نحو نفسه ونحو مجتمعه ونحو دولته ونحو حكومته ونحو جيشه ونحو أمنه القومي ونحو اقتصاده ونحو مستقبله، الشعب التركي يفهم الإسلام على أنه مسؤولية تعبدية ومسؤولية اجتماعية ومسؤولية اقتصادية ومسؤولية سياسية، ولا يفصل بينها، ولا يفهم العلاقة بين الدين والدولة على الطريقة الأوروبية، في الصراع بين المتدينين وغير المتدينين، فالشعب التركي كله مسلم، والدين الإسلامي لا يفرض نوعاً من الحكم السياسي، وإنما الحاكم السياسي المسلم هو الذي ينفذ السياسة التي ترضي الناخب المسلم، ولا تعادي هويته ولا قيمه الحضارية، ومن ثم فإن من مسؤولية الحاكم المسلم أن يبدع تفسيراً للإسلام يناسب عصره ومطالب شعبه، وهذا ما فعله حزب العدالة والتنمية، وقبله "الحزب الديمقراطي" الذي فاز في انتخابات عام 1950 بزعامة عدنان مندريس، فالحزب الذي يختاره الشعب التركي هو الذي يحكم، والشعب لا ينتخب من يبتعد عنه وعن دينه وعن ثقافته وحضارته، فكيف إذا كان يعاديه في أفكاره ومشاعره وهويته؟

هذه هي المعركة الحقيقية في تركيا بالضبط، والحزب الذي يريد هزيمة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة أو التي بعدها عليه أن يكون مقنعاً للشعب التركي المسلم أكثر من حزب العدالة والتنمية، وذلك بتقديم برامج اجتماعية واقتصادية وسياسية مقنعة للشعب بوصفه شعباً مسلماً يعتز بدينه وهويته وحضارته، فالصراع ليس بين الأحزاب الدينية أو المتدينة والأحزاب العلمانية كما يحلو للبعض وصفها، وإنما هو صراع بين من يستطيع خدمة الشعب التركي أكثر، ومن يستطيع أن يتقدم بتركيا أكثر، ومن يستطيع أن يدافع عن الأمن القومي التركي أكثر، فالإسلام هوية كل الشعب التركي، وقد عرف أتاتورك نفسه الإنسان التركي بأنه الإنسان المسلم، فالهوية الإسلامية ليست هوية النزاع في الشارع التركي إلا لمن يحرف الصراع السياسي عن مساره، وإلا فإن الصراع هو من يخدم الشعب التركي ويجعل من الدولة التركية في مقدمة دول العالم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة