تركيا والاستثمار باللاجئين

وعلى اختلاف أسباب الهجرة واللجوء، فإن اللاجئين يشتركون في النهاية، في معاناة واحدة في بلدان المهجر.

الجمعة، 29-07-2016 الساعة 12:27


شهد العالم في السنين الأخيرة أكبر عملية هجرة ولجوء لمواطني الدول المضطربة أمنياً، من مواطنها الأصلية إلى بلدان أخرى في هذه المعمورة، طلباً للأمان المفقود في بلدانها الأصلية. واحتلت دول الشرق الأوسط المراتب العليا في قائمة الدول المصدرة للاجئين لبلدان العالم المختلفة.

وتعدد أسباب ذلك اللجوء من بلد إلى آخر، فمنهم من هرب من العنف الطائفي والحروب الأهلية كما هو الحال في سوريا والعراق، ومنهم من هرب من بلده بسبب الاضطهاد السياسي والديني والعرقي، كما هو الحال في إيران، إضافة لضحايا رد الفعل للدول العميقة المضادة لثورات الربيع العربي، كما هو الحال في مصر واليمن وليبيا.

وعلى اختلاف أسباب الهجرة واللجوء، فإن اللاجئين يشتركون في النهاية في معاناة واحدة في بلدان المهجر. وبالرغم من إنَّ الدول الكبرى، غربية منها أم شرقية، كان لها أعظم الأثر في نشوء هذه الظاهرة، من خلال إثارتها النزاعات والمشاكل في بلدان الشرق الأوسط، فإنهم من أقل البلدان التي أسهمت في إيجاد حلول لتلك المشكلة الكبيرة في العالم؛ حيث ما زالت دول الشرق الأوسط المصدرة للاجئين، هي نفسها من أكبر الدول المستوعبة لتلك الملايين منهم.

لكن ضعف اقتصاديات تلك البلدان المحيطة بمنطقة الصراعات، جعل اللاجئين في تلك البلدان في أسفل أولوياتها، بل تعدى الأمر إلى أنها بدأت تبحث عن حل ينقذها من الضغط الذي سببه هؤلاء اللاجئون على اقتصادياتها الضعيفة. وبسبب الوضع المأساوي الذي يعيشه كثير من اللاجئين، انتشرت تجارة الرقيق الأبيض ليكونوا من ضحاياه، تلك التجارة التي- يا للأسف- كان أكثر من يروج لها هم العرب أنفسهم، يتاجرون بأبناء جلدتهم بثمن بخس.

وفي خضم كل تلك المآسي التي يعيشها اللاجئ العربي، تبرز تجربة لا نستطيع أن نقول عليها، إلّا إنها تجربة رائدة في إيواء اللاجئين والتعامل معهم بشكل إنساني، مقارنةً بتجربة البلدان الأخرى التي تؤوي عدداً كبيراً من اللاجئين، ونقصد في كلامنا هذا هي التجربة التركية لإيواء اللاجئين.

فقد استوعبت تركيا، وما زالت، الملايين من اللاجئين السوريين والعراقيين، إضافة إلى أعداد لا بأس بها من اللاجئين الأفغان والإيرانيين والشيشان. وفعلت تركيا كل ما باستطاعتها في هذا الإطار، لكن المشكلة أكبر من أن يتم استيعابها بالقدر الكافي الذي يوفر لهذا اللاجئ، الحياة الكريمة التي ينشدها؛ فما زال كثير من اللاجئين يعانون صعوبات في الحياة والاندماج مع المجتمع التركي، مما يجعلهم يفكرون بالهروب إلى بلدان أوربا طلباً لرعاية أكبر وضمان لمستقبل أطفالهم، وكلنا قد شهدنا تلك الهجرة الجماعية المليونية باتجاه أوربا صيف العام الماضي.

علماً أنَّ تركيا ليست لها تجربة طويلة بالتعامل مع اللاجئين والمهاجرين، ومن ثم فهي لا تمتلك الخبرة الكافية في هذا الموضوع، بل إنَّ تركيا هي نفسها قبل سنين قليلة كانت من البلدان المصدرة للمهاجرين، ودول أوربا تشهد بذلك، ففي ألمانيا وحدها يعيش أكثر ثلاثة ملايين تركي مهاجر، فضلاً عن بلدان أوربا الأخرى، إضافة إلى أمريكا وأستراليا التي تضم جالية تركية كبيرة، فالأخطاء التي اُرتكبت في عملية استيعابها لهذا الكم الكبير من اللاجئين هي أخطاء مبررة.

لقد كانت معالجات الحكومة التركية لعملية استيعاب اللاجئين تتمثل بقرارات من حين إلى آخر، لتسهيل اندماجهم، ولم يكن هناك قانون واحد ناضج، ينظم عملية وجود اللاجئين في تركيا. كذلك فشلت الحكومة التركية في الاستفادة من الكفاءات التي يمتلكها أولئك اللاجئون، فما زال اللاجئ ممنوعاً من العمل إلا بإذن، والحصول على هذا الإذن من الصعوبة التي تجعل اللاجئين يعزفون عن السعي للحصول عليه، إلا إذا استثنينا اللاجئين السوريين الذين تم استثناؤهم وسمح لهم بالعمل بشكل قانوني.

الأمر السالف من الأمور التي يؤخذ على القوانين التركية، لاعتباره تمييزاً في المعاملة بين لاجئ وآخر، في الوقت الذي يتم فرض بعض التعقيدات الإدارية على بعض اللاجئين (ومنهم اللاجئون العراقيون) مثل التوقيع في دوائر الدولة الأمنية كل أسبوع، وعدم السماح بالانتقال من محافظة لأخرى إلا بإذن مسبق، وتحديد مكان إقامة اللاجئ بمدينة معينة، غير مسموح له بتغييرها، ما يعطي للاجئ إحساساً بأنه سجين أو مشبوه، وليس لاجئاً هارباً من الاضطهاد الذي في بلده.

إنَّ بإمكان الحكومة التركية أن تستفيد من اللاجئين؛ نظراً لامتلاك كثير منهم تحصيلاً علمياً عالياً، وكفاءات جيدة. والحرص على عدم التفريط بهم، لكي لا يستفيد منهم الآخرون، فأوروبا تلك القارة الفقيرة بالأيدي العاملة الماهرة، تستقطب هؤلاء اللاجئين الحائزين مهارات وتأهيلاً عالياً وبمختلف المجالات، ومن دون أن تصرف عليهم دولاراً واحداً في تأهيلهم.

إنَّ تركيا أولى بتلك المهارات والخبرات من غيرها، من خلال زجهم في عمليتها الاقتصادية، لتعود عليها بأعظم فائدة اقتصادية، وكذلك اللاجئ سوف يستفيد عندما يضمن عملاً يستطيع أن يعيش من خلاله بكرامته ويضمن مستقبل أولاده. فضلاً عن الفوائد الأخرى التي ستجنيها تركيا بعد أن تهدأ الأوضاع في البلدان التي جاء منها هؤلاء اللاجئون، فهم سيكونون سفراءها الاقتصاديين فيها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة