تركيا والسعودية بين تحالف المصالح والواجبات

الهدف الروسي في الهيمنة على سوريا واستخدام بشار الأسد مجرد واجهة سياسية أمام المجتمع الدولي.

الأربعاء، 30-12-2015 الساعة 15:52


التقت القيادات التركية والسعودية هذه الأيام على لهيب نار أشعلها الرئيس الروسي بوتين لتركيا والسعودية في المنطقة، وفي سوريا تحديداً، وقد كان الظن بأن القدوم الروسي إلى سوريا إنما ليساعد في الحل السياسي لصالح الشعب السوري، أو لإحداث نوع من التوازن العسكري الذي يفرض التفاوض السياسي المتوازن بين الطرفين، حكومة بشار الأسد ومن معها من الإيرانيين وأتباعها الطائفيين من جهة، وبين فصائل المعارضة السورية من جهة أخرى، ولكن وبعد شهرين تقريباً تبين أن مجيء الجيش الروسي إنما من أجل تدمير المعارضة السورية وإنهاء ثورة الشعب السوري، وفرض أجندة روسيا العسكرية والسياسية لصالح تمكين بشار الأسد في الحكم، ومن ثم تمكين الاحتلال الروسي لسوريا لسنوات قادمة، وبالأخص في بناء القواعد العسكرية الروسية على ساحل الأبيض المتوسط، في اللاذقية وحميميم فضلاً عن طرطوس وغيرها.

هذا الهدف الروسي في الهيمنة على سوريا واستخدام بشار الأسد مجرد واجهة سياسية أمام المجتمع الدولي بوصفه الرئيس الرسمي لسوريا، بحجة أنه هو من طلب المساعدة العسكرية من روسيا، ولكن فضلاً عن أن السياسة الروسية البوتينية في سوريا تتعارض مع الرؤية العربية والتركية، فإن لها مخاطر على الوضع السياسي في المنطقة، بالنظر إلى الرغبة الأمريكية في مراقبة الصراعات في المنطقة وإدارتها دون معالجتها، فإن المخاوف من التدخل الروسي أن لا يتوقف عند حدود سوريا فقط، وإنما قد يشمل الهيمنة على المنطقة شمالاً وجنوباً، وشرقا وغرباً، وهذه الحدود الأربعة لسوريا تمس الدول العربية مباشرة وكذلك الجمهورية التركية، فتركيا من الشمال والجزيرة العربية والسعودية من الجنوب، أما الشرق والغرب فلبنان تحت هيمنة حزب الله الإيراني، والعراق هو عاصمة التحالف الرباعي الذي صنعته روسيا مع بشار وخامنئي قبل غزوها لسوريا بنحو شهر تقريباً، بحجة التعاون الأمني والاستخباراتي وتشكيل غرفة عمليات ومتابعة لمواجهة التنظيمات الارهابية.

إن تحالف روسيا مع الأنظمة السياسية في إيران والعراق وبشار الأسد هو لضمان تعاونها كدول سياسة وأجهزة إعلامية في خدمة الاحتلال الروسي لللمنطقة، أي لتوظيفها في دعم الهيمنة الروسية على سوريا والمنطقة معاً، سواء كانت هذه الأنظمة مدركة لمخاطر الاحتلال الروسي عليها، أم أنها تريد استثماره لمصالح بقائها في السلطة والحكم، بعد أن أقامت وجودها السياسي في هذه الدول على هوية طائفية غريبة عن المنطقة، وكانت وليدة التعاون مع أمريكا علناً أو خفية، إضافة إلى أن سلوكها السياسي في السنوات العشر الماضية قام على أساس طائفي وإقصائي لشركائها السياسيين في داخل دولها، وأدخلها في حروب أهلية، فهذه الدول المشاركة في التحالف مع روسيا عسكرياً وسياسياً تشعر بأنها بحاجة إلى روسيا بسبب عدم استقرارها السياسي داخلياً وخارجياً، فهي تمارس سياسة طائفية داخلية أولاً، وعدواناً على دول الجوار معها ثانياً.

إن العدوان على دول الجوار أصبح صفة بارزة لهذه الدول في ممارسة سياساتها الخارجية، فهذه الدول التي شكلت التحالف الرباعي مع روسيا، كان لها سلوك على تركيا والسعودية ودول الخليج العربي، وقضية استغلال الأحزاب الكردية أو الأقليات الشيعية في إثارة القلاقل والمشاكل والاضطرابات والأعمال الإرهابية ثابتة على هذه الدول، ولذلك كانت السياسة التركية حذرة منها، وإما عن العلاقة مع روسيا فهي تختلف قبل غزوها لسوريا وبعدها، وقد كشف الرئيس التركي أردوغان خديعة بوتين له عندما كشف عن رفضه الانضمام إلى التحالف الرباعي السابق ذكره، وقال أردوغان:" إنه أبلغ بوتين رفضه الدخول في هذا التحالف"، وعلل الرئيس التركي ذلك بأنه لا يدخل في تحالف فيه شخص قاتل لأربعمئة ألف مواطن من شعبه، والمقصود بشار الأسد.

لذلك يمكن القول بأن هذا الرد من أردوغان على بوتين قد أشعر بوتين برفض السياسة التركية أن تكون أداة بيد الغزو الروسي للمنطقة، مهما كانت الأطماع الروسية لتركيا، التي كان بوتين يفتح شهية تركيا عليها، التي توقع لها أن تصل في التبادل التجاري بين البلدين إلى مئة مليار دولار في السنوات الخمس القادمة، وهذا ما يفسر إصرار بوتين على مواصلة توقيع قرارات العقوبات على تركيا، بغض النظر عن أثرها السلبي على الشعب الروسي، لأن بوتين يريد أن يضغط على الحكومة التركية بالعقوبات الاقتصادية، فلما رفضت القيادة التركية ذلك أدرك بوتين ان الرئيس أردوغان وسياساته في تركيا والمنطقة عقبة حقيقية أمام مشروع أحلامه في التوسع والهيمنة على الشرق الأوسط، فأخذ بوتين يعلن عن عدائه الصريح للقيادة التركية مع ادعاء صداقته للشعب التركي، مما يظهر جهله بطبيعة الشعب التركي الذي انتخب أردوغان وحزبه، أو إن بوتين يحاول صناعة العداء بين الشعب التركي وقيادته السياسية من أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا منذ أربعة عشر عاماً، أي أن روسيا تستهدف تركيا بالعداء بسبب موقفها من مشروع الهيمنة الروسية على الشرق الأوسط، وليس بسبب إسقاط الطائرة الروسية، التي سعت القيادة الروسية لإحداثها لتبرير العداء الروسي لتركيا أمام الشعب الروسي.

هذه الخطة للرئيس الروسي بوتين الفاشلة في استمالة الأتراك إلى جانبه في تحالفه مع إيران وبغداد وبشار، لم تكن في الغالب الخطة الوحيد في خداع زعماء المنطقة، وربما كان له خطة مشابهة مع السعودية، ومع الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث دعاه إلى زيارة موسكو في الفترة القادمة، دون أن يكشف بوتين أن خطته هي استمالة السعودية إلى جانبه، ولكن ملامحها واضحة، فقد قام بوتين بإجراء الكثير من الاتصالات مع الملك السعودي في نمط غير معهود من قبل، وكذلك فتح بوتين شهية السعودية على تعاون روسي سعودي ثنائي وفي المنطقة، ربما لظنه أن السعودية بحاجة إلى هذا التقارب مع روسيا لتقوم بدور إيجابي لصالح السعودية في المسألة اليمنية، وفي سوريا أيضاً، وربما كان ظنه صحيحاً في هذا المجال، لأن السعودية بحاجة إلى روسيا لوقف التهور الإيراني في اليمن وفي غيرها، بما لدى روسيا من سلطة على القيادة الإيرانية في السنوات القليلة الماضية.

ولكن وحيث إن بوتين أقدم على قصف فصائل المعارضة السورية المعتدلة منذ بدء عدوانه على سوريا، وهي الفصائل السياسية والعسكرية غير الارهابية التي تدعمها السعودية وقطر وتركيا، وأخيرا تجرأ على قتل قادة جيش الإسلام بما فيهم "زهران علوش" يوم 2015/12/25، في خطوة عدائية ضد السعودية فإن ذلك مؤشر على انكشاف خديعة بوتين للسعودية، وبالأخص أن روسيا رفضت قرارات مؤتمر الرياض للمعارضة السورية الذي انعقد في الرياض بتاريخ 2015/12/10، تحت رعاية ملكية سعودية صريحة وعلنية، وبذلك فإن أوجه الخلاف بين السعودية وروسيا آخذة بالازدياد، حيث صرح وزير الطاقة الروسي قبل يوم من صول أردوغان إلى الرياض: "بأن السياسة السعودية النفطية هي السبب في هبوط أسعار النفط"، وحيث لا علاقات اقتصادية بين روسيا والسعودية ينتقم بها بوتين من السعودية بعقوبات اقتصادية كما فعل مع الحكومة التركية، فإنه أخذ ينتقم من السعودية بطريقة أسوأ وهي تزويد الحوثيين بصواريخ باليستية قصيرة المدى من نوع كاتيوشا وسكود، حيث يقوم الحوثيون بإطلاقها نحو الأراضي السعودية بين الفينة والأخرى، للضغط على السياسة السعودية حتى لا تعارض المجهود العسكري والسياسي لروسيا في سوريا.

هذه السياسة الروسية العدوانية لا ولن تجد التعاون من الحكومتين التركية ولا السعودية، ولن تنطلي خدعها على الدول العربية الحريصة على مصالح شعوبها، ولذلك فهذه الدول العربية والإسلامية معنية بتقوية تحالفها مع بعضها بعضاً، في كل المجالات والميادين، ومعنية بالتعاون في مواجهة كل أشكال العدوان والإرهاب على دولها وشعوبها، وبالأخص الإرهاب الذي تمارسه روسيا على الشعب السوري، فمئات السوريين المدنيين قتلوا بالقصف الروسي الهمجي، وكذلك دمرت المساجد والمدارس والمستشفيات، وهذا العدوان مارسته إيران في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وجاء قتل روسيا لقادة جيش الإسلام الذين أعلنوا استعدادهم للمشاركة في العملية السلمية وفق مقررات مؤتمر فيينا الثاني دليلاً قاطعاً على أن روسيا لا تؤمن إلا بالقتل والإرهاب، فالقتل ليس عملاً يعيق العملية السياسية في سوريا فقط كما وصفته مصادر سياسية أمريكية، هو عدوان على السياسة السعودية التي رعت مؤتمر المعارضة السياسية السورية التي اجتمعت في الرياض، بهدف فرض روسيا لشخصيات معارضة من عندها، من خارج المعارضة التي يقبلها الشعب السوري، أو من شخصيات تختارها روسيا أو إيران أو بشار الأسد، لتؤدي أدواراً مطلوبة منها فقط.

وبذلك فإن لقاء السعودية مع تركيا في هذه الظروف هو لقاء التحديات والواجبات معاً، بسبب التحديات التي تواجهما من أربعة محاور هي روسيا وإيران وبشار وبغداد، فقبل دخول روسيا إلى التحالف الطائفي الإيراني الذي وصف قديماً بالهلال الشيعي كان يمكن النظر إليه على أنه سياسات خاطئة سوف تجني هذه الدول ثمارها السيئة في النهاية، ولكن دخول روسيا على هذه السياسات الطائفية لتغذيتها بالقوة العسكرية الدولية التي تتمتع بها روسيا يفرض قراءة جديدة لهذه التحديات، التي قد لا تقف عند حدود الأنظمة السياسية الداخلية لهذه الدول بما فيها سوريا نفسها، وإنما تتجاوزها للعدوان على الدول المجاورة بما فيها السعودية وتركيا، وذلك لفرض أجندة سياسية عليها، قد تصل في تحدياتها إلى إعادة رسم حدود هذه الدول، أو تفكيك وحدتها الوطنية، ما لم تواجهها قبل فوات الأوان.

لقد كان التحالف الإسلامي الذي أعلنت عنه السعودية وأيدته تركيا فوراً أحد الإجراءات الضرورية لمواجهة هذه التحديات، وكذلك فإن إنشاء مجلس تعاون استراتيجي بين السعودية وتركيا هو خطوة أخرى في الاتجاه الصحيح، لأن هذه الخطوات تؤكد على اعتماد السعودية وتركيا ومعها الدول العربية والإسلامية المشاركة في التحالف الإسلامي على نفسها، بعد أن أخذت السياسة الأمريكية تراقب وتدير الأزمات عن بُعد، ودون أن تدافع عن أصدقائها والدول الحليفة لها منذ عقود، فالتحركات السياسية والعسكرية القادمة للسعودية وتركيا في سوريا وفي غيرها ينبغي أن تكون من خلال التحالف الإسلامي، الذي يمكن أن يتعاون مع التحالف الدولي لمكافحة الارهاب الذي تقوده أمريكا، وليس بالاعتماد عليه فقط، بل لا بد أن يكون فعل الدول الإسلامية صريحاً وقوياً في مواقفه السياسية وتحركاته العسكرية أيضاً، فوزير الخارجية السعودي عادل الجبير أعلن أن الاتفاق بين تركيا والسعودية خلال زيارة أردوغان للسعودية بأنه شامل لكل المجالات، وهذا يؤكد أن هناك تطابقاً بين الرؤيتين التركية والسعودية في كل التحديات والواجبات التي تتطلبها دول المنطقة وشعوبها، وبالأخص في الحل السياسي المنشود في سوريا، وإلا فإن الثور الأسود قد يُؤكل قبل الثور الأبيض

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة