تركيا وشبكات تهريب السوريين عبر البحار: أسئلة مفتوحة!

الوهيب: هل المعضلة الحقيقية هي في أبواب الإتحاد الأوروبي الحائرة أمام أفواج "رقيق اللجوء العربي"؟

الثلاثاء، 08-09-2015 الساعة 16:38


قبل أيام، كتب أحدهم في تويتر سؤالاً، وغرد متعجباً قائلاً: ما الذي جعل الهجرة إلى أوروبا نشطة لهذه الدرجة والعالم يهتم بها فجأة؟ ماذا يجري بالمنطقة؟ والسؤال منطقي إلى حد بعيد. فمآسي اللاجئين وتهريب البشر من الوطن العربي البائس ليست قضية مستجدة، بل تعود لعقود مضت، ويمكن رصد بدايات نشوئها منذ بداية الحصار الغربي على العراق، والذي فتح شهية مئات الآلاف من العراقيين لاستغلال الظرف الاقتصادي الصعب آنذاك لطلب اللجوء الإنساني في أوروبا، فكانت وسيلة لتحسين معيشتهم وترسيخ استقرارهم في بلدان القارة العجوز والعالم الغربي عموماً، وحينها، غرق عدد لا يحصى من قوارب تهريب البشر بالعراقيين، والذين كانوا ينطلقون من ماليزيا وأندونيسيا باتجاه أستراليا، الوجهة المفضلة للاجئين العراقيين آنذاك، والذين لم يردعهم الموت عن ركوب الأمواج والمجازفة جماعات وأفراداً، هم وأولئك الذين دخلوا مشياً على الأقدام من حدود أوروبا الشرقية، فضلاً عن القادمين من بعض البلدان العربية التي نخر الفساد نظامها الأمني، مثل اليمن، والتي نشط مطار عاصمتها الدولي إبان تسعينات القرن الماضي بنقل آلاف العراقيين إلى مطارات أوروبا، وخصوصاً مطار هيثرو، حيث لندن وجهة اللجوء الأزلية والمفضلة للعرب!

مضت السنوات، تغيرت الأحداث وتجددت المآسي، والأجيال تلحق سابقاتها بعالم اللجوء، حيث الكل محملقٌ باتجاه العالم الغربي، ورحلات اللجوء مستمرة، تبدأ باستيلاء مشاعر "خلع" الانتماء للمجتمع والوطن، ويتبع ذلك الإسقاط الكامل لقيمة وفضيلة "الصدق"، حيث يتفنن اللاجئون (معظمهم وليس كلهم!) بتأليف أكاذيب وقصص عن معاناة مفترضة في بلدانهم الأصلية، لصناعة قضية ذات أساس قانوني يصلح لمنح "حق" اللجوء، بل إن بعض المحامين والسماسرة في أستراليا وغيرها تخصصوا بفن "حياكة الأكاذيب والقصص" المتماسكة قانونياً ومنطقياً، والتي يستحيل دحضها كما يستحيل إثباتها، لتسهيل قبول طلبات اللجوء.

وما يزال الكذب مستمراً وأنا أقرأ عن تفاصيل عملية اللجوء وفنها ونصائحها للعابرين من تركيا هذه الأيام، والتي يكتب عنها "خبراء" راسخون في علم وفن "تهريب البشر"، فالكذب لازمٌ لكي يستولي البشر الهارب من الوطن العربي على حقٍ ليس له، وحالات اللجوء الشرعية بـ"تعريف القانون" محدودة جداً ويستحيل انطباقها على كل تلك المئات من الآلاف الساعين لتحسين أحوالهم المعاشية في البلدان الأوروبية.

وفي تركيا: يكتسب تهريب البشر ميزة خاصة، ونكهة إسطنبولية خالصة، لتداخله هذه المرة مع مافيات الجريمة المنظمة، والتي تعد مكوناً أساسياً في عالم ما "تحت الأرض" في تركيا، حيث التنظيم المذهل لتلك الجذور الإجرامية التي تبدو الدولة التركية عاجزة تماماً عن التعاطي معها. فقد صار معروفاً لكل من يصل إلى إسطنبول، أن منطقة آكسراي وساحتها هي مركز من مراكز تهريب البشر عالمياً، ووفقاً لتقرير أعده موقع "الخليج أونلاين"، فثمة مقهى في آكسراي يُطلق عليه تهكماً "سفارة الاتحاد الأوروبي" صار مقراً شبه رسمي للمهربين، ومركزاً للسمسرة ونقل "الرقيق العربي" إلى "مياه أوروبية"، حيث يبين التقرير تباين الأسعار بحسب طريقة المواصلات البحرية ورفاهيتها، فهناك درجة تهريب بشري منخفضة، وتكلفتها هي الأقل للنقل البحري بقوارب مطاطية، وهي أشبه بالدرجة السياحية بالطائرات!، وغالباً ما تغرق هذه القوارب، وبمقابل ذلك هناك سفن أكثر أمناً وأكبر حجماً وأغلى تكلفة، والتسعيرة الأدنى 1200 يورو على الرأس البشري المحمول، وهكذا تعمل بورصة تهريب البشر في تركيا بنظام شبه علني، حيث رصدت بعض التقارير إعلان بعض المهربين عن أنفسهم في الفيسبوك، ونشر صورهم وصور بعض زبائنهم الذين يدعون أنهم هُربوا بنجاح إلى أوروبا!

الطريف والمؤلم بروز نظام شبيه بالأنظمة الائتمانية المصرفية، حيث تنشط مكاتب "تأمين!" تقوم بحفظ أموال المهاجر غير الشرعي، ثم يسلمها المكتب إلى المهرب بعد وصول المهاجر إلى بلد اللجوء، وذلك وفقاً لـ"كلمة سر" يتفق المهاجر حولها مع مكتب التأمين!

والسؤال: أين دور الدولة التركية من كل هذا؟ هل يعقل أن مهربِـيـن، ينشئون سوقاً للنخاسة وتهريب البشر بوسط إسطنبول وإزمير وغيرها، ويستطيع أي لاجئ سوري أو عراقي الوصول إليه (وربما عبر الفيسبوك) وعقد صفقة الموت فيه، لا تصل يد الاستخبارات التركية وشرطتها إليه؟!

حين اهتز المجتمع الدولي لـ"صورة" جثة الطفل "إيلان" على الساحل التركي، وتحولت الصورة إلى رمز عالمي استقطب الإعلام والتعاطف في أنحاء المعمورة، أتى الرد التركي الرسمي هزيلاً وعاطفياً ومشبعاً بالكلام الإنشائي، فقال أردوغان معاتباً والد الطفل إيلان: ليتكم لم تبحروا، وكنتم ضيوفنا!!، ولم يلتفت أردوغان، بصفته رئيس تركيا، إلى حقيقة أن المافيا النشطة في بلده هي المسؤولة عن تهريب هذا الطفل وغرقه لاحقاً هو وغيره من الآلاف. ومثله اكتفى رئيس الوزراء داود أوغلو حين اكتفى بالتعليق على غرق الطفل، قائلاً: إن "الإنسانية جمعاء هي الخاسرة، وكذلك المجتمع الدولي الذي لم يقم بما هو مطلوب".

لماذا لم يطلب أوغلو من وزير داخليته اعتقال المهربين الذين يعملون بشكل شبه علني في قلب إسطنبول وإزمير وغيرها من مناطق تركيا، حيث رأس الأفعى ومنطلق الجريمة، وأساس المأساة كلها؟ في الحقيقة، لم نرصد أي استخدام لكلمة "تهريب البشر" أو وصف العملية بـ"الجريمة" خلال ردود فعلي أردوغان وأوغلو، رغم أن تهريب البشر جريمة دولية، ولن يمكن أبداً وإطلاقاً أن تصبح فعلاً مقبولاً، مهما كان حجم مآسي السوريين والعراقيين والأفغان وغيرهم، فهل المعضلة الحقيقية هي في أبواب الاتحاد الأوروبي الحائرة أمام أفواج "رقيق اللجوء العربي"، أم في إسطنبول العاجزة عن احتواء مافيا التهريب البشري؟

الملاحظ هنا، أن ثمة صمتاً تركياً رسمياً متعمداً عن مافيات تهريب البشر النشطة في إسطنبول وغيرها من المناطق، وتجاهلاً لأصل المشكلة المنطلقة من تركيا، ولعل هذا يكشف عجزاً عميقاً في أداء الدولة التركية الأردوغانية، حيث يموت آلاف السوريين المنطلقين من بحار تركيا المفتوحة للمافيا والمستهترين بأرواح البشر بعيداً عن سطوة الدولة التركية المتراخية؛ ربما بسبب عجز الدولة التركية عن مجابهة المافيا في المجتمع التركي، وشبكاتها المعقدة النشطة في عالم الجريمة، أو ربما لانشغال الدولة بحمى الانتخابات وعدم الاستقرار الحالي ومشاكل العمال الكردستاني، وفي كل الحالات، ليس هناك مبرر لصمت الحكومة التركية عن زعماء المافيا المسيطرة على عالم تهريب البشر المنظم بتركيا.

نحن نستغرب حجم الضغط الإعلامي -الأحادي الجانب- على الغرب، ولومه على إغلاق أبوابه أمام من يريدون كسرها -غصباً- لدخول العالم الأول تحت راية اللجوء، رغم أنهم، كلهم، قادمون من بلد لجوء آخر، وليسوا مضطرين سوى لمزيد من المال والمزايا، وأستغرب انهيار الكرامة بنفوس عوائل عربية، بنسائها وأطفالها، وهي تلقي بنفسها على خطوط القطارات وتعرض نفسها للإهانات.

تهريب البشر جريمة، ولن يكون فضيلة، والمضطر له أحكام، لا تنطبق على من احتضنتهم تركيا، وآمنتهم من بشار وإيران! وفي خضم المآسي الأخيرة، فإن كل تهريب للبشر هو "شروع بالقتل" في أقل حالاته وأدنى تأويلاته، ثم في حالات أخرى هو "قتل مباشر"، وتجارة غير شرعية، وعملية نصب وابتزاز، وللقانونيين اشتقاق أشكال كثيرة للجريمة التي نتحدث عنها، لكن الغريب هو أننا لم نرَ أي مهرب تمت محاكمته في تركيا، سوى أولئك المسؤولين عن مقتل الطفل إيلان، وربما لشعور الحكومة التركية بالحرج عالمياً.

قد يمثل تدفق اللاجئين الهائل حالياً من تركيا، والتي -كأنها- فتحت بحارها فجأة أمام السوريين ليغزوا أوروبا، نوعاً من الضغط غير المباشر على المجتمع الدولي، ومن الممكن أن تستفيد منه تركيا لدعم مطالبها بإنشاء منطقة آمنة في سوريا، أو لتسريع حسم الصراع في سوريا وعودة اللاجئين، أو ربما لاستقطاب المزيد من الدعم والمساعدات لميزانية تركيا المرصودة للاجئين، ولكن تبقى جهود تركيا ناقصة أمام المافيا النشطة لجريمة تهريب السوريين إلى أوروبا، وكنا نتمنى من الرئيس أردوغان أن يقضي على خمس مئة من مهربي البشر بدلاً من إنقاذ خمسين ألفا، يقول أردوغان إن خفر السواحل أنقذهم من الغرق في المياه التركية!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة