تركيا.. وشوفينية الغرب الديموقراطي

لم نسمع أي تضامن مع تركيا والشعب التركي في الساعات الأولى من الانقلاب سوى الصمت المريب.

الخميس، 21-07-2016 الساعة 08:54


تعرضت باريس لـ5 هجمات إرهابية متزامنة في نوفمبر 2015، كان أشهرها ملعب فرنسا ومسرح "باتاكلان"، راح ضحيتها نحو 130 قتيلاً، على يد 7 أفراد من منتسبي تنظيم الدولة، الأمر الذي استدعى من الحكومة الفرنسية والرئيس أولاند إعلان حالة الطوارئ.

وفي احتفال فرنسا بعيدها الوطني 7/14، تعرضت مدينة "نيس" الصغيرة لحادث إجرامي آخر على يد مواطن تونسي مقيم، أدّى لمقتل نحو 84 من الفرنسيين ومن جنسيات أخرى متعددة، ما دفع الرئيس الفرنسي لإعادة حالة الطوارئ بعد أن أعلن عن رفعها قبل الحادث بيوم واحد فقط.

تضامَنَ العالم العربي، والإسلامي، والمسيحي، والشرقي، والغربي مع فرنسا، معرباً عن تعاطفه معها بأرق وأبلغ العبارات، ولم نسمع أحداً -أقله على المستوى الرسمي- يشكك في الرواية الفرنسية، أو يعترض على إجراءاتها الأمنية ضد الفرنسيين المسلمين، أو المقيمين العرب والأجانب الذين أصبحوا محل الشبهة والاتهام، رغم ما تحمله تلك السياسات من عنصرية ضد الآخر.

فعلى سبيل المثال بلغت عمليات المداهمة لأجهزة الدولة الفرنسية خلال ثلاثة أيام من حادثة الدعس في "نيس" نحو 3500 عملية تفتيش أو اعتقال، هذا في الوقت الذي تعالت فيه أصوات فرنسية تطالب بإجراءات صارمة ضد "الآخر"، فالرئيس السابق نيكولا ساركوزي طالب بوضع 11 ألف مشتبه تحت الرقابة المباشرة بوضع أساور أمنية في أياديهم.

على المقلب الآخر، تعرضت تركيا لانقلاب عسكري كبير 7/15، استُخدمت فيه الأسلحة الثقيلة من طائرات حربية ودبابات، وراح ضحيته نحو 300 شهيد، و1500 جريح، واستُهدفت فيه العديد من المقرات السيادية والحساسة، كالرئاسة، والبرلمان، ومقار الأجهزة الأمنية، والمطارات المدنية، فلم نسمع أي تضامن مع تركيا والشعب التركي في الساعات الأولى من الانقلاب، سوى الصمت المريب الذي يَشِي برغبة دفينة لدى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بالتخلص من الحكومة المنتخبة بقيادة رجب طيب أردوغان، وبالتخلص من العملية الديمقراطية وإفرازاتها السياسية.

حتى المواقف الغربية المؤيدة للديمقراطية في تركيا والحكومة المنتخبة، التي توالت عقب التأكد من فشل الانقلاب بساعات، لم تحمل تعاطفاً إنسانياً مع ضحايا الشعب التركي من المدنيين، بقدر ما كانت مشبعة بمفردات استعلائية، وشوفينية على تركيا الدولة، والقيادة المنتخبة.

فالولايات المتحدة الأمريكية، وعلى لسان وزير خارجيتها جون كيري، حث تركيا على "ضبط النفس، واحترام سيادة القانون خلال تحقيقاتها في هذه المؤامرة"، مهدداً بإخراج تركيا من الحلف الأطلسي إن هي لم تلتزم بالقيم والمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان.

أما فرنسا فقد هاجم وزير خارجيتها جان مارك إيرولت، تركيا، وقال: إن "محاولة الانقلاب لا تعني شيكاً على بياض لأردوغان للتطهير"، مطالباً أنقرة بـ "احترام دولة القانون، وأن تعمل دولة القانون بصورة تامة في تركيا".

إن فرنسا زعيمة الاتحاد الأوروربي عملياً، والولايات المتحدة الأمريكية، والغرب عموماً، يعاني من شوفينية مستعصية، بلغت بها حد احتكار الحق في الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، واحتقار الآخر بالنظر إليه كقاصر سياسياً، ودون القدرة على إدارة نفسه، أو السمو بها ليكون في مصاف الدول الديمقراطية والمتقدمة حسب المعايير الغربية ذاتها.

وهذا انعكس على السلوك الغربي الاستعلائي الأبوي في السياسة الدولية، وفي تعاملها مع الدول الأخرى، حتى لو كانت تركيا التي تقدمت على العديد من دول الاتحاد الأوروبي.

إن الشوفينية الغربية ذهبت إلى ما هو أبعد من مجرد إعلان مواقف استعلائية متعجرفة، فقد ذهبت إلى تأييد الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة، وتآمرت على الديمقراطيات في العالم العربي والإسلامي؛ لأن إفرازات العملية الانتخابية لم تتوافق مع مصالحها السياسية والاقتصادية الساعية إلى ترسيخ التبعية للغرب، الذي يرى في نفسه سيّداً وصيّاً على العالم.

رغم أن الغرب ما زال يهيمن على السلاح، والاقتصاد، والإعلام، والتكنولوجيا، إلا أنه أصبح مكشوفاً أمام الرأي العام العربي والإسلامي الذي يعاني الجوع، والقتل، والتشريد نتيجة السياسات الغربية.

وما تأييد الشعوب العربية والإسلامية وتعاطفها الجارف مع تركيا في مواجهة الانقلاب إلا تأكيد على أن الغرب بدأ يخسر "معركة الوعي" التي هي المنطلق الأساس لأي عملية تغيير قادم.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة