تركيا وضرورة تغيير معادلات السياسة الدولية

الفشل الأمريكي المتوالي في إدارة النظام الدولي أطمع الدول الكبرى الأخرى أن تسعى للمشاركة في بناء نظام عالمي جديد

السبت، 14-01-2017 الساعة 21:13


إن المدقق في السياسة الأمريكية الدولية بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي وسعيها لبناء نظام عالمي جديد يدرك أن الولايات المتحدة الأمريكية قد فشلت في بناء هذا النظام الدولي العادل والمستقر والآمن والسلمي، والسبب الرئيس هو أن الحزب الجمهوري في أمريكا هو من تولى بناء هذا النظام الدولي الجديد، وهذا الحزب الجمهوري هو حزب الهيمنة والخشونة والحرب في أمريكا، فكان هذا الخطأ الأول، وكان الخطأ الثاني تولي عائلة بوش الآب والابن أصحاب العقلية الارستقراطية المتعالية قيادة أمريكا، وبالتعاون مع منظمات أمريكية يمينية متصهينة، اندفعت أمريكا لإخضاع العالم لسيطرتها بالقوة العسكرية، فأدى ذلك بامريكا لأن ترهق نفسها بأعباء عسكرية واقتصادية كانت في غنى عنها، فلم يكن صدام حسين ولا أسامة بن لادن بحاجة إلى كل الحشد العسكري الذي قارب نصف مليون عسكري بكامل معداتهم العسكرية المتقدمة تكنولوجياً، مما أدى بأمريكا بعد احتلالها لأفغانستان والعراق أن تعجز عن إنقاذ شعبها من عوصف ثلجية داخل حدودها الجغرافية، وادخلها في أزمة اقتصادية عالمية عام 2008.

هذا الضعف الذي صنعه الحزب الجمهوري في أمريكا لم يستطع الحزب الديمقراطي برئاسة باراك اوباما إصلاحه في دورتين رئاسيتين حتى 20كانون ثاني/يناير 2017، بل سجلت الادارة الأمريكية بعهد أوباما أخطاءا استراتيجية كبيرة، وبالأخص في الشرق الأوسط، حيث فشلت سياسة المصالحة مع العالم الاسلامي بعد خطابي أوباما في القاهرة واسطنبول 2009، كما أن تسليم إدارة أوباما العراق لإيران وميليشياتها بعد انسحابها منها عام 2011، أدى إلى ضياع العراق بالكامل، وكذلك فشلت أمريكا بتبني قضايا الشعوب العربية في ثورات الربيع العربي، واصطدمت مع الحكومة الباكستانية على جرائم الطائرات الأمريكية بدون طيران، وأخيرا فشلت ادراة أوباما بالانقلاب العسكري في تركيا بمنتصف 2016، كل ذلك جعل إدارة أوباما مكللة بالفشل السياسي في إدارة شؤونها في العالم، فكيف يمكن أن تكون دولة كبرى تشرف على رعاية شؤون العالم.

هذا الفشل الأمريكي المتوالي في إدارة النظام الدولي أطمع الدول الكبرى الأخرى أن تسعى للمشاركة في بناء نظام عالمي جديد، إن لم يكن لتحقيق مصالح لها فعلى الأقل حماية نفسها من التهور الأمريكي، وفي مقدمة هذه الدول روسيا والصين وغيرها، وبالنظر إلى تصريحات الرئيس التركي أردوغان حول النظام الدولي القائم وانتقاده حصر مجلس الأمن بخمس دول تملك وحدها حق النقد الفيتو يمكن القول بان تركيا معنية بتغيير هذا النظام الدولي الجديد، فالاعتراض التركي يقوم على ان خمس سكان البشرية وهم المسلمون لا يمثلهم أحد في مجلس الأمن الخماسي، وهذا خلل واضح لا يحتاج إلى دليل، فهذا الكم السكاني الكبير والجغرافي الواسع غير ممثل في مجلس الأمن بصفة دائمة، وهذا خطأ بالغ ينبغي معالجته من وجهة نظر تركية.

هذا التحرك التركي من المفترض أن يلقى ترحيبا دولياً، ليس من دول العالم الاسلامي فقط، وإنما من الدول الكبرى أيضاً، لأنه يدافع عن حقوق مليار وسبعمائة مليون مسلم لا يمثلهم أحد في مقاعد مجلس الأمن الدائمة العضوية، وقد تعرضوا في العقود الماضية إلى المظالم الكبيرة، وتعرضت قضاياهم السياسية العادلة إلى الاهمال، بالرغم من القرارات الكثيرة التي صدرت بحقها، وفي مقدمتها قضية فلسطين، وقضية القبارصة الأتراك، وغيرها، وقد تعرضت بلاد المسلمين للاحتلال الأمريكي الجديد بذارئع ثبت كذبها مثل امتلاك أسلحة الدمار الشامل او بتهم رعاية الارهاب او الحرب على الارهاب وغيرها، سواء كانت بقانون جاستا أو بقرارات باطلة انفردت أمريكا بتنفيذها دون قرار دولي مثل احتلال العراق عام 2003، فوجود طرف ممثل للعالم الإسلامي في مجلس الأمن بصفة دائمة ويملك حق النقض الفيتو سوف يؤدي حتماً إلى حالة استقرار دولي اكبر ، وإلى التعامل مع القضايا الدولية بعدالة وإنصاف، وهذا سيؤدي إلى سلام وأمن أكبر في كل العالم، يحمي الدول الكبرى من الطمع والتهور في شن حروب دولية لا داعي لها ولا فائدة منها، ويحمي الدول الصغيرة من القتل والدمار والتشريد، بسبب مغامرات فاشلة يخطط لها جنرالات فاشلين.

إلا أن ردود الفعل الأمريكية تظهر رفض أمريكا لهذا الدور التركي الذي لا يعادي أمريكا وإنما يدعوها إلى مساركة الدول الأخرى في تقرير مصيرها الوطني، او مصيرها الاقليمي، أو مصيرها العالمي، فقد أفاد تقرير صادر عن مديرية الاستخبارات الوطنية الأمريكية بأن توجّه السياسة الخارجية في تركيا نحو الاستقلال سيكون بمثابة تهديد أمام التعاون المشترك بين الاتحاد الأوروبي وحلف الشمال الأطلسي "الناتو"، وقال التقرير: "إن توجّه تركيا في سياستها الخارجية نحو الاستقلال، واتباع سياسة "الاتجاهات المتعددة سيزيد من التشتت في أوروبا".

إن هذا التقرير يثبت أن أمريكا لا تريد للسياسة التركية أن تكون مستقلة، لا بما يخص القضايا التركية الداخلية فقط، وإنما بما يهم تركيا في سياستها الخارجية وأمنها القومي، سواء كانت قضايا أمن قومي داخلي أو قضاي تركية حدودية في سوريا والعراق وقبرص وغيرها، فالانقلاب العسكري الفاشل في 15 تموز الماضي كان تدخلا أمريكيا سافراً في الشؤون التركية الداخلية، لا تزال أمريكا ترفض معالجة تداعياته، فأمريكا ترفض تسليم زعيم تنظيم الكيان الموازي جولن الذي قاد الانقلاب الفاشل، وربما لأنها تدخره لإنقلاب قادم، واما بما يهدد الأمن القومي التركي فإن أمريكا تريد الانفراد في حل الأزمة السورية، ولكنها لم تفعل شيئا خلال السنوات الست الماضية، سوى الخروج من مؤتمر والتحضير لمؤتمر آخر مع مبعوث أممي آخر تختاره لأداء المهمة التي تكلفه بها مرحلياً، مما دفع تركيا للتعاون مع روسيا في أستانا، ومع ذلك فإن تركيا تسعى لوجود أمريكا في مفاوضات أستانا التي تشرف عليها روسيا وتركيا وإيران، لأن تركيا تبحث عن حل حقيقي، ولا تريد أن يبقى طرفا خارجها يمكن ان يعرقل الاتفاق، فتركيا حريصة على عدم إضاعة الوقت، فكل يوم يتأخر بالحل ثمنه مزيد من القتل وسفك الدماء وتشريد الأطفال والنساء والعجزة داخل سوريا وخارجها.

إن التيه الذي أدخلت أمريكا فيه الشعب السوري يفرض على السوريين اليقظة لما يحاك لهم من مؤامرات في الحاضر والمستقبل، فما كان لجندي إيراني واحد أن يدخل سوريا إلا بموافقة أمريكية وضوء أخضر إسرائيلي، ولو غير الجنود الإيرانيون ومقاتلي الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني بوصلتهم نحو ضرب اسرائيل بدل ضرب الشعب السوري لتحرك مجلس الأمن فورا، ولعتبر الإيرانيين وميليشياتهم الطائفية قوات احتلال، ولصدرت بحقهم القرارات الدولية الملزمة لهم بالخروج فورا، أما إذا قتلوا من الشعب السوري وبالأسلحة الكيماوية ودمروا بلاده وغيروا التركيبة الديمغرافية في سوريا، فهذا في نظر امريكا لا مستند قانوني لمنعه لأن بشار الأسد رئيس قانوني لسوريا بحسب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، هذه المعيارية العوجاء هي من الأسباب التي تجعل تركيا تبحث عن معادلات جديدة في السياسة الدولية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة