تغييب خاشقجي ونذر أزمة دولية محتملة!

الموقف الغربي برمته يسوده الترقب والحذر، رغم ارتفاع الأصوات مؤخراً بضرورة الإسراع في التحقيق والكشف عن مصير "خاشقجي" من جهة، ومن جهة أخرى، التلويح بإجراءات عقابية في حال ثبوت تورط القنصلية السعودية في عملية إخفاء الكاتب السعودي.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gKaMdz
الاثنين، 15-10-2018 الساعة 10:13

ما من شك أنه بصرف النظر عمّا إذا كان الصحفي السعودي جمال خاشقجي قد تعرض للاختطاف أو حتى للقتل، فهذا تصعيد خطير في معركة الحكومة السعودية ضد الأصوات المنتقدة التي باتت تتعالى مؤخراً ضد ممارسات الوجوه الجديدة التي تحاول أن تشق طريقها إلى سدة الحكم بأسرع وقت ممكن.

الموقف الغربي برمته يسوده الترقب والحذر، رغم ارتفاع الأصوات مؤخراً بضرورة الإسراع في التحقيق والكشف عن مصير "خاشقجي" من جهة، ومن جهة أخرى، التلويح بإجراءات عقابية في حال ثبوت تورط القنصلية السعودية في عملية إخفاء الكاتب السعودي.

بداية شهر أكتوبر 2018، اختفى خاشقجي في إسطنبول. وبينما تقول السلطات التركية ومساندو خاشقجي إنَّه قد تعرَّض للاختطاف وربما حتى للقتل أثناء زيارته القنصلية، تقول الحكومة السعودية إنَّه قد غادرها بأمان.

ومع ذلك لا يوجد تقريباً أيّ مراقب محايد يمكن أن يُصدِّق تأكيدات الرياض، لأنَّ هذا الحادث الذي وقع في تركيا يرتبط بحملة غير مسبوقة حتى ذلك الحين ضدَّ معارضين سلميين، تصاعدت حدّتُها منذ منتصف 2017، وقرَّر بسببها خاشقجي الانتقال إلى المنفى في الولايات المتَّحدة.

كثير من السعوديين يرحِّبون بالإصلاحات التي بدأها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لكن لديهم تحفُّظات على التحوُّل الديكتاتوري المرتبط بهذه الإصلاحات.

ويعدُّ جمال خاشقجي مِمنْ يجادلون بهذه الطريقة. ففي مقال لصحيفة "واشنطن بوست" نُشر في الثامن عشر من سبتمبر 2017، كتب أنَّه لا يعارض الحكومة السعودية، وأنَّه يتمنَّى لها أن يتحقَّق على أرض الواقع برنامج إصلاحاتها الاقتصادية المسمى "رؤية 2030".

لكنه عبَّر عن أسفه أيضاً لأنَّ وطنه لم يكن دوماً قمعياً إلى هذا الحدّ مع المثقَّفين وعلماء الدين مثلما باتت الحال في الأشهر الماضية، أي في الوقت الذي بدأ فيه بن سلمان بتوسيع سلطته المطلقة من دون أية اعتبارات.

وأُعلن اختفاء خاشقجي (60 عاماً) يوم الثلاثاء 2 أكتوبر الجاري، في إسطنبول، بعد توجهه إلى قنصلية بلاده. ولم يظهر كاتب المقالات في صحيفة واشنطن بوست منذ دخوله القنصلية السعودية.

ونشر خاشقجي هذا المقال المعبِّر عن رأيه رداً على موجة اعتقالات بدأت بعد أن كانت القيادتان السعودية والإماراتية قد فرضتا، في الخامس من يونيو 2017، حظراً على دولة قطر. وكان أبرز ضحايا هذه الاعتقالات سلمان العودة، وهو داعية إسلامي تمتد شهرته إلى أبعد من حدود المملكة العربية السعودية، رفض أن يعلن على الملأ عن دعمه مسار الحكومة. وقد كتب بدلاً عن ذلك على موقع تويتر أنَّه يأمل أن تتصالح قيادة المملكة العربية السعودية وقطر، وإثر ذلك تم اعتقاله.

سلمان العودة مقرَّب -مثل كثيرين اعتُقلوا في ذلك الحين- من جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في السعودية باعتبارها تنظيماً إرهابياً، بيد أنَّه دافع بوضوح عن مواقف أكثر ليبرالية في كتاب أثار الكثير من الاهتمام حول الربيع العربي عام 2012. ومع ذلك فهو لم يعد في السنوات التالية يُعبِّر عن رأيه إلا بشكل نادر حول القضايا السياسية، بحيث إنَّ اعتقاله في شهر سبتمبر 2017 كان مفاجئاً.

باتت المملكة المحافظة تخشى من احتمال أن يتحوَّل هؤلاء الإسلاميون إلى خطر يهدِّد استقرار النظام. وفي هذا الصدد تسير الرياض على خطى دولة الإمارات العربية المتَّحدة، التي كانت قد قرَّرت قبل السعودية بعدة أعوام سحق الإخوان المسلمين لديها. أدارت الدولتان الخليجيتان سويةً، في شهر يوليو 2013، انقلاب الجيش المصري على جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة، ومن جانبها وضعت السعودية هذه الجماعة، في شهر مارس 2014، على لائحة الإرهاب السعودية. وهذا يرتبط بقضية جمال خاشقجي بصفته صحفياً لديه علاقات ودِّية مع الكثير من الإخوان المسلمين، وكذلك لأنَّه كان مقرَّباً من هذه الجماعة على الأقل في شبابه.

ترى القيادة الجديدة في الرياض فيه حلقة وصل محتملة بين الإسلاميين وخصوم ولي العهد داخل الأسرة السعودية الحاكمة، ذلك لأنَّ جمال خاشقجي كان يتمتَّع في الماضي بالحماية من قبل أمراء بارزين داخل أسرة آل سعود، وكان ذلك آخر مرة من قبل رجل الأعمال الوليد بن طلال، الذي كان يخطِّط معه حتى عام 2016 لإنشاء قناة تلفزيونية. ولكن الوليد بن طلال أصبح واحداً من أشهر ضحايا حملة ولي العهد السعودي لمكافحة الفساد.

منذ نزع سلطة العديد من الأمراء السعوديين البارزين، بات من المرجَّح أن يكون لديهم حساب مفتوح مع ولي العهد. وعلاوة على ذلك، وبما أنَّ جمال خاشقجي يحظى باحترام كبير لدى المعارضة الليبرالية، فقد حوَّله هذا إلى تهديد في نظر أصحاب القرار في الرياض.

هذه الأحداث والملاحقات للمعارضين السعوديين باتت تسبب مشاكل لحلفاء السعودية. فالولايات المتَّحدة الأمريكية تراهن منذ عام 2017 على تحالفها الوثيق مع محمد بن سلمان، الذي يجمعها معه عداؤها لإيران. أما ألمانيا فقد أنهت للتو أزمة دبلوماسية مع الرياض، كانت قد بدأت تضر بالشركات الألمانية في المملكة العربية السعودية. إذا تأكَّد أنَّ الحكومة السعودية اختطفت وقتلت معارضين فوق تراب دولة تابعة لحلف الناتو، فعندئذ يجب على حلفائها التعبير عن استيائهم. وهنا تفرض المقارنة نفسها بين قضية جمال خاشقجي ومحاولة اغتيال الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا، التي يقوم الغرب بمحاسبة موسكو عليها.

ردُّ التحالف الغربي حينئذ قد يكون صارماً مثل ردِّه بعد حادث محاولة اغتيال هذا الجاسوس الروسي في مدينة سالزبوري البريطانية. ومن الممكن أن يكون على الأقل طرد الدبلوماسيين السعوديين إجراءً محتملاً ووارداً، لكن تداعيات هذا الإجراء قوبلت بموقف سعودي "غريب" يهدد بعدم الانصياع أو المهادنة، وهو ما يعني أن قضية خاشقجي التي كان يُراد لها أن تتم بهدوء وبعيداً عن عدسات الإعلام، قد تتحول في الأيام المقبلة إلى ساحة مواجهة عالمية جديدة، قد تنذر بانفجار وشيك، لتنفيس الاحتقان الجديد في العلاقات الدولية بين السعودية من جهة، وبين المجتمع الغربي والضمير الشعبي المتعاطف مع قصة اختطاف خاشقجي وتغييبه!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة