تفجيرات باريس.. محاولة للفهم

لا يمكن التمييز بين قتل وآخر وإجرام وآخر، لا لشيء إلا لأن القاتل هناك يرتدي الكرافت ويتعطر بالعطور الغربية.

الاثنين، 16-11-2015 الساعة 09:23


بداية، لا بد أن نؤكد على أن ما حصل في تفجيرات باريس لا يقره شرع ولا منطق ولا عقل، ولكن على من يدين ويستنكر ويندد مثل هذه التفجيرات أن يعود قليلاً إلى الوراء ليرى بحور الدماء في الشام والعراق واليمن، ومن قبل في فلسطين، فلا يمكن التمييز بين قتل وآخر وإجرام وآخر، لا لشيء إلا لأن القاتل هناك يرتدي الكرافت ويتعطر بالعطور الغربية، بينما القاتل هنا عربي أو مسلم، أو هكذا ادعى، هذا القاتل عجز أن يملك طائرة أو صاروخاً، فضلاً عن فوسفور ونابالم يضرب به ضحاياه فلجأ إلى حزام ناسف، بينما الآخر يقتل لكن بتقنية حديثة تتماشى مع ثقافة العصر وثقافة الكبار.

مرة ثانية ليس هذا منطق تبرير للجريمة التي وقعت في فرنسا بالأمس، وهي قد تحصل في أية لحظة، وفي أي مكان، ما دام مصنع الإرهاب والإجرام لا يزال يعمل بكامل طاقته في موسكو وطهران ودمشق وبغداد والضاحية الجنوبية وغيرها، وما دامت الميليشيات الطائفية تزرع القتل وتزرع معها فصائل الإرهاب الداعشية بسياساتها الوحشية الرافضة لحق تقرير مصير الشعوب بنفسها، وما دامت دولة مثل روسيا تصر على الوقوف إلى جانب طاغية العصر وكل عصر بشار أسد، وتقصف الشام وأهلها بالفوسفور الأبيض وسط صمت عالمي مطبق، لم يتحرك إلا حين رأى الدماء المدانة تماماً في باريس، هل هناك عنصرية كهذه؟

حين وقعت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 طرح المثقفون الغربيون سؤالهم التقليدي لماذا تكرهوننا؟ فجاء الجواب برسالة مطولة من قبل مثقفين وشيوخ مسلمين، لكن بعد عقد ونصف العقد تقريباً من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يبدو أن العالم كله لم يتعلم شيئاً، فما خرج به علينا جورج بوش بعد ذلك الحادث الأليم بأن أميركا في حالة حرب، هو نفس خطاب هولاند اليوم بأن فرنسا بحالة حرب، إذن لننتظر عقداً ونصف العقد لنرى جماعات أشد تطرفاً وتشدداً تفرِّخها داعش وربما ما بعد داعش، ما دام العالم مصراً على رفض معالجة المرض والاكتفاء بمعالجة العرض، ومحاربة المنتوج، والإبقاء على مصنع الإنتاج الممثل بالاستبداد والاحتلال الأجنبي.

ما زلت أذكر أنه قبل الحادي عشر من سبتمبر لم يكن هناك سوى طالبان والقاعدة، لكن نرى اليوم المشهد الفوضوي الرهيب ونرى قدرة مشروع الطائرات بلا طيار الأميركي في باكستان على تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين والمسلحين في مناطق القبائل الباكستانية، التي كانت بعيدة كل البعد عن التشدد والعنف ومسلحي طالبان، وقد تعزز المشروع هذا اليوم بمشاريع جديدة كأمثال السيسي والأسد وصالح في اليمن والعبادي المالكي في العراق.

وحين انتفضت الشعوب العربية ضد الاستبداد وقدمت طريقاً ثالثاً للتغيير بعيداً عن الاستبداد والإرهاب، أصر الغرب للأسف على الاصطفاف إلى جانب الثورات المضادة، فدعمها، فلم يكن للشعوب إلا أن تلجأ لمقاومة الاستبداد والاحتلال الأجنبي بالسلاح، فكان ما كان في الشام واليمن وغيرهما، ومع هذا لا يزال الغرب والشرق يصران على مكافأة الطاغية بشار أسد بمنحه قيادة الفترة الانتقالية، مستهترين بمئات الآلاف من الشهداء وملايين المشردين، ودمار مدن بأكملها، حينها ماذا يتوقعون رد فعل شاب سوري أو منتفض سوري إلا أن يذهب إلى التطرف والعنف؟!

لا أريد أن أذهب بعيداً في فهم ما يجري اليوم من خلال نبش تاريخ الثورة الجزائرية وممارسات فرنسا مع الجزائريين، فلا يزال قادة وشيوخ الثورة الأحياء منهم حتى الآن يروون ما حلّ بهم وما عانوه وقاسوه خلال تلك الفترة، فقد وصل الأمر إلى أن يفضل والد زميلتي الصحافية الموت بسبب السرطان الذي يعانيه على أن يعالج في فرنسا لما فعلته بالجزائر، حين كان شاهداً على ما جرى خلال فترة الاحتلال، واللافت أن ذاكرته رغم مرور كل هذا الوقت فإنها لا تزال طرية بسبب عنف وقسوة تلك الجرائم، في الوقت الذي كان العالم منشغلاً سياسيوه وإعلاميوه بما جرى في باريس كان طيران الدب الروسي يفتك بالمدن السورية ويضرب بالفوسفور في إدلب، بينما كان يظهر قاسم سليماني في بلدة العيس "قنسرين" بريف حلب، وكأنها قم وطهران، وسط مجازر وجرائم ترتكب في حلب وحمص والرقة، لكن هذه الجرائم الرهيبة مشكلة ضحاياها أن داعش لم تكن المنفذ، وإنما كان الطيران الروسي الذي لا يزال يلوك مقولة سمجة بأن الشعب السوري هو من يقرر مصير الأسد، بينما تكفل هو على الأرض بتقرير مصير من يرفض بقاء الأسد بقتله بالفوسفور، أو بالقصف الإجرامي الوحشي الجوي، وربما من خلال بارجاته في المتوسط، وسط مباركة عالمية، بل وحتى دعوات عالمية لروسيا وإيران لتقدما رؤيتيهما عن مصير الأسد في المفاوضات، مع ضمان عدم التعرض لهما على الأرض بقتلهما السوريين ودعمهما للطاغية، فأي إجرام وظلم وحيف كهذا، ويسألونك لماذا داعش؟!

العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة