تفكيك طلاسم داعش

بعض الروايات السينمائية شديدة الإقناع لشدة تعقيدها وتتطلب عرضها عدة مرات لتفكيك أجزائها.

الثلاثاء، 23-06-2015 الساعة 15:06


بعض الروايات السينمائية شديدة الإقناع لشدة تعقيدها، وتتطلب عرضها عدة مرات لتفكيك أجزائها وتصور ارتباطها والمنطق الكامن وراءها، وإليكم هذه القصة!

في عام 1991، كان المجاهدون الأفغان في خضم اقتتالهم الداخلي من بعد تحرير كامل التراب الأفغاني من الحكم الشيوعي، ولشدة بأسهم الشديد فيما بينهم أُصيب جمهور إسلامي واسع آنذاك بخيبة أمل، إذ كانت أفغانستان مناط أحلامهم بإقامة خلافة إسلامية؛ لتوفر ظروف موضوعية؛ أبرزها: فراغ السلطة الرئاسية هناك حينها، وتغلّب المجاهدين، ذوي التوجه الإسلامي (نظرياً!). أحد هؤلاء الذين خابت آمالهم شخص فلسطيني الأصل يُدعى أبو عثمان، وقد راعه اقتتال المجاهدين، فقرر إنشاء "دولة إسلامية" بجهوده الفردية! فاعتمد المدعو أبو عثمان جدلية بسيطة مفادها: أن التمكين لهذه الدولة المزعوم إسلاميتها سيجمع كلمة المجاهدين تحت راية واحدة. وفي الحقيقة، كان أبو عثمان يسعى لجمع كلمة "الأمة" تحت راية دولته الخاصة، على أن تكون البداية من أفغانستان، فصارح بفكرته شخصاً اسمه محمد بن عيسى بن موسى الرفاعي، وهو معروف بكنية أبو عيسى الرفاعي، وكان اجتماعهما في بيشاور بباكستان.

ثم التقى أبو عثمان باثنين آخرين عرض عليهما فكرته للخلافة، فاقتنعوا على الافتئات على عموم الأمة وتجاوز الأفغان (أهل البلد الأصليين ممّن بذلوا دماءهم لأكثر من عقد لتحرير أرضهم)، وإعلان خليفة (أي رئيس دولة) عليهم.

انضم إليهم لاحقاً شخص من السودان يُدعى أبو أيوب السوداني، وكل هذه الأسماء هي بكناها المشهورة حينها، حيث كان إخفاء الأسماء الحقيقية عرفاً سائداً لتضليل المخابرات! باستثناء أبو عيسى الرفاعي الذي كُشف اسمه لسبب سنذكره لاحقاً.

بعد أن تشكل "فريق" لتأسيس الدولة المزعومة، بدؤوا البحث عن خليفة؛ ولأن الفقه الإسلامي يشترط أن يكون الخليفة قرشياً، لم يستطع أي منهم تنصيب نفسه خليفة، فمضت أحداث المسرحية: رعية بلا خليفة، وطفقوا يبحثون في أصقاع الأرض عن قُرَشي يُمالئهم، يولّونه الخلافة ويعقدون له البيعة.

وفي هذه الأثناء ذهبوا لمقابلة بعض قادة المجاهدين الأفغان، ووفقاً لبعض المصادر قابل فريق الخلافة حكمتيار، وقابل أيضاً أسامة بن لادن، فلم يوافق أي منهما، في حينها، على فكرة إنشاء الخلافة بالطريقة التي يريدها أبو عثمان!

لكن اعتداد "فريق الخلافة" بنفسه كان قد بلغ شأواً عظيماً، فاتخذوا قراراً نيابة عن الأمة الإسلامية والمليار مسلم أجمعين، وقرروا الانفراد بتأسيس خلافة، بعد أن رُفضت فكرتهم من كل القيادات الإسلامية على الساحة الأفغانية آنذاك. وكانت العقبة الوحيدة تنفيذية الطابع، وهي إيجاد شخص ذي نسب قُـرَشي، لإعلانه خليفة، فراسلوا خليجياً من آل البيت عبر البريد، وأدت مراسلاتهم له إلى اعتقال مرشحهم للخلافة! ثم طفقوا يبحثون مرة أخرى في أنسابهم الخاصة بهم، علّهم يجدون بشارة ما، وكانت المفاجأة!

فقد تبين أن أبا عيسى الرفاعي قُرَشي من آل البيت، فبايعوه من فورهم، وتم تنصيبه خليفة على المسلمين، بقرار من أربعة أشخاص! وانتشر الخبر في بيشاور: لقد عادت الخلافة، وكالعادة: كانت المسرحية لا تحتاج إلى مزيد من الإقناع والفكر والتمحيص لتستقطب كثيراً من المغفلين، المنتظرين للخبر السعيد، فذهب إليهم عدد معتبر، وأعطوا البيعة للخليفة، وكانت المشكلة أن دولتهم ليست لها مقر، ولا أرض، ولا حتى بقعة صغيرة ينصبون خيامهم بها، فهاجروا إلى مناطق جبلية على الحدود الباكستانية الأفغانية، وأخذوا معهم نساءهم وأطفالهم في رحلة الموت، فقد اختاروا منطقة وعِـرة منقطعة بلا عمران ولا حياة للهجرة إليها، وركبوا البغال والحمير لعدم توفر طريق يصلح لسير المركبات، ومضت الأحداث الأليمة؛ فمات منهم من مات، وندم بعض المبايعين على تسرّعهم بتصديق القصة، فلما أرادوا الانفصال: حكمت عليهم سلطة الخلافة بالردة وقتلوهم، وتحولت مبايعتهم للخليفة إلى قصة رعب، ثم مضت الأخبار وفقاً لبعض رعايا الخلافة، بأن الخليفة أبا عيسى الرفاعي هاجر إلى لندن، وتوفي بها!

لم تكن دولة أبي عثمان هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي أعلنت آنذاك، بل ظهر آخرون قرروا إنشاء "مشروع خلافة"، وكلهم تدغدغهم قصص التاريخ الإسلامي المشرق، أو تدغدغهم أصابع المخابرات الخفية التي تجد منافع شتى من حماقات هؤلاء.

ومضت الأيام، وجاءت داعش! لكن الفرق هو شدة التعقيد، وشدة الغموض، وشدة الإمكانات المسخرة لها! فقد ظهرت وانتشرت بقوة بين الفصائل السورية، وتلقت دعماً مكّنها من تسيير القوافل وإنشاء ميزانية ضخمة وحشد فريق إعلامي شديد الاحترافية، فقد مُنحت داعش سيفاً مصنوعاً بإتقان، وهذا فرقها عن جماعة أبي عثمان!

ومنذ 1991 وحتى الآن: لم تتغير عقلية المسلمين العاطفية المتربصة بأي "رائحة" لدولة إسلامية تظهر هنا أو تتجلى هناك! دون سند فقهي أو وعي شرعي، ونحن لسنا هنا بصدد نقاش مشروعية هذا الحلم، بقدر ما نستغرب السطحية التي يتناول البعض بها موضوع داعش؛ وهي سطحية مؤدية لحقل ألغام، ونهايتها وضع رقابهم تحت سلطة داعش، رغم أن أسامة بن لادن، بزعامته للتيار الجهادي السلفي وعلى مدى عقود، ومع كل تحفظنا عليه وعلى منهجه، لم يتجرأ ويعلن خلافة، بل ولم يؤيد الفكرة من أساسها، وكذا فعل الظواهري وأعلن بوضوح معارضته لداعش، فكيف استطاعت الدولة الإسلامية المزعومة اختراق عقلية الكثيرين؟

لتأسيس الجواب عن هذا السؤال، نحيل القارئ ابتداء إلى موضوعنا (الثقوب السوداء لحركات الإسلام الوسطي) الذي سبق نشره، حيث ناقشنا فيه الظاهرة الداعشية التي استثمرت المساحات الفارغة التي تركتها تيارات الإسلام الوسطي، ونركز هنا على الإنهاك العاطفي الشديد الذي يعيشه المسلمون اليوم، وهي حالة تكتسب خصوصية أكثر حين يحضر البُعد الإيراني الطائفي الاستعماري، في شقيه السوري والعراقي واليمني، حيث خيبة الأمل من البديل السني المجابه للغرور الإيراني، ثم خيبة الأمل من افتراق فصائل المقاومة السورية إلى جماعات شتى، ثم خيبة الأمل من الحصول على دعم إقليمي ودولي يحسم الصراع ضد الأسد، وضد الطائفية في العراق.

ومن ثم وجد بعض الشباب في داعش "جهة موحِّدة لفصائل المقاومة"، وسيفاً سنياً عربياً يقف أمام المد الإيراني الطائفي، واعتقد هؤلاء أن داعش هي نارٌ ستصهر جميع الأشتات الإسلامية المبعثرة في الشام وفي العراق تحت راية واحدة، لذا فهم يُبررون لداعش قتالها لفصائل المقاومة الأخرى، وتشتتيها لقوتهم المقاومة للنظام السوري، ويرون أن الخلافتين الأموية والعباسية، وكذا دولة صلاح الدين الأيوبي، إنما "قمعت" بالسيف أعداءها من المسلمين المنازعين على السلطة أولاً، فحصل لها توحيد المسلمين من بعد ذلك، فحرر صلاح الدين فلسطين، ومن قبلها نشأت الخلافة الأموية ثم العباسية!

وجدلية توحيد فسيفساء المسلمين تحت راية واحدة هي مطلبٌ مشروعٌ ابتداء، ولا يتناطح عليه عنزان، لكن المشكلة الأساسية هي بنوع "الراية"، وماهيتها، ومنهجيتها، وشرعيتها، وموافقتها للصواب: فصلاح الدين والعباسيون، ومن قبلهم الأمويون، لم يكونوا يكفّرون عموم المسلمين، ولم يقاتلوهم على أساس "أن كل من عداهم مرتد" كما هي منهجية داعش التي أفصح عنها العدناني في رسائله، وعند غيره من منظري داعش.

والمسلمون لا يجتمعون على باطل، وقد تواتر إجماع الأمة على ضلال المنهج التكفيري، سواءا لداعش أولغيرها من التيارات، ومضت فتاوى عموم علماء الأمة، ممّن ثبت لهم الاجتهاد والمُكنة، على إثم داعش الشديد بتجرّؤهم على إزهاق ونحر وقتل كل مخالف لهم بالرأي، فتوحيد المسلمين (لو حصل افتراضاً) تحت راية داعش التكفيرية سيكون تكفيراً ضمنياً لكل قارئ يقرأ هذا المقال، ما لم يكن مبايعاً للبغدادي.

لذا فإن إثم "تفرق الأمة" -لو قبلنا بهذا جدلاً- هو أهون شأناً بكثير من تكفير عموم الأمة وقتال كل مخالف. ولا يُعتد هنا بـ"تغلّب داعش" وسيطرتها على الأرض بالقوة؛ فالتتار أيضاً كانوا مسلمين، وكانوا شديدي البأس وذوي منعة، فلم يقبل المسلمون بالدخول في حكمهم وقاتلوهم، وأفتى ابن تيمية بقتال التتار فقال: "كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، من هؤلاء القوم ومن غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر والصحابة مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم"، وقد انعقد إجماع أهل الرأي، بل وحتى من منظّري التيار الجهادي السلفي، على افتئات داعش، تحت راية التكفير، على شريعة "حقن دماء المسلمين"، فضلاً عمّن سواهم من غير المسلمين، وتعديها على حرمة تلك الدماء وإنسانيتها.

ونحن لسنا بصدد نقاش الوجوه الأخرى لتفكيك الخطاب الداعشي، وإنما نركز على الشبهة التي أشرنا إليها، حول شرعية الفعل الداعشي القائم على قتال عموم الفصائل لتوحيدها غصباً تحت رايتها، حتى كثر بسبب ذلك أعداء داعش، فتوهم البعض، كما نقرأ في بعض التغريدات في تويتر وغيره، أن كثرة أعدائها صوابٌ لمنهجها! وهذا بحد ذاته باطل: فالعبرة ليست بعدد المخالفين، وتعدد الجبهات المضادة لهم (ولو نظرياً!) ليست دلالة على صواب منهج داعش، فضلاً عن أن عدائها الرومانسي لإيران لا يمنح داعش تزكية، تماماً كما أن عداء حزب الله اللبناني لإسرائيل (وخصوصاً من بعد إيغاله بدماء السوريين) لا يمنحه بطاقة تأهل لمقعد على طريق الصواب، فالعداء السياسي له حساباته، لسنا بصدد تبيانها هنا، ولكن مضت القاعدة الثابتة أن الراية التي يجب توحيد الجميع تحتها هي التي تكون موافقة للمنهج الحق الذي يقول به عموم علماء المسلمين.

ولو كان عدد المخالفين معتبراً: لامتنع أبو بكر الصديق عن قتال مانعي الزكاة، وقد كانوا أكثر عدداً، ولكن الضابط هنا هو صواب الراية، لا كثرة العدد، ولا وفرة السلاح والمدد، الذي يأتي سخياً لداعش وأخواتها، ومن مصادر معروفة وغير معروفة! وقد كان "الإمام أحمد -ومن معه على قلّتهم- على عقيدة أهل السنة، والمخالفون لهم -على كثرتهم- على عقيدة المعتزلة، فالعبرة في معرفة الحق: موافقة عقيدة الجماعة التي كان عليها الصحابة، والتابعون،… قل العدد أو كثر". وثمة تفصيل كثير لا يتسع المقام لسرده، لكن تظل الحجة بكثرة عدد المخالفين لداعش، وسعيها لتوحيد الراية، مجرد تبريرين جدليين لا يرتقيان لمرتبة الحجة القطعية المتناسبة وحجم إيغال داعش بالدماء، وصدها لفصائل المقاومة، الذي عزز من مشروع إيران وزاد من ثبات نظام الأسد.

وما أشبه أبوبكر البغدادي بأبي عيسى الرفاعي! القصة واحدة، وجرح المسلمين ما يزال نازفاً، والبعض أصابه القنوط، ويبحث عن راية، وعن دولة، وعن كرامة، ما تزال بالانتظار، وتأتي داعش بأوهامها وتسجيلاتها وضجيج إعلامها كماء بارد يطفئ عطش المتعجلين، والمَصْلَحيين الذين يريدون طي صفحة الحاضر بأي ثمنٍ كان، ولا يتلفتون للقادم من المراحل، فكم سيلزمهم ليعرفوا أن ماء داعش إنما هو ماء البحر، وأن لمعان سيوفها هو السراب المؤدي لمقصلة إيران؟!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة