تنافس روسي أمريكي على شراء الأحزاب الكردية

إن من مسؤوليات الشعب الكردي أن يحاسب قادة أحزابه على المخاطر التي يقوده إليها، وأن يرفض دخول حروب لا مصلحة له فيها.

الأحد، 25-10-2015 الساعة 20:32


أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري منطقة تل أبيض السورية منطقة حكم ذاتي يحكمها حزبه وقواته العسكرية وحدات حماية الشعب، وذلك يوم 2015/10/21، وذلك بعد أن كانت ملحقة بالحكم الذاتي لمنطقة عين العرب (كوباني)، منذ دخلتها القوات الكردية منذ بضعة أشهر، وقد قام الحزب بتشكيل لجنة من تسعة أعضاء من السكان؛ من ضمنهم العرب، لإدارة الحكم الذاتي، وقد علل الحزب هذه الخطوة بأنها رد على اتهامات من منظمة العفو الدولية بأن قوات وحدات حماية الشعب الكردية قامت بعمليات تطهير عرقي وتهجير سكانها الأصليين من العرب السنة غير الأكراد، فتل أبيض منطقة عربية كانت تابعة لمحافظة الرقة السورية، وضمها إلى السيادة الكردية يعتبر تجاوزاً لحقوق العرب والسكان الأصليين لتل أبيض.

هذه الخطوة لا شك أنها استفزازية وعدوانية لسكان تل أبيض أولاً؛ لأن الأكراد في تل أبيض لا يتجاوز عددهم 10% من سكان المنطقة العربية بالكامل، وستكون استفزازية للدول العربية وأكثر استفزازاً للدولة التركية، التي تطالب بحصر سيطرة الأحزاب الكردية على المناطق الكردية التي يسكنها الأكراد، وضمن تفاهمات داخلية في سوريا ومع دول الجوار في المنطقة، حتى لو أدى ذلك إلى تفاهمات على حكم ذاتي للأكراد أو غيرهم، فالمهم أن تكون بالتفاهمات المحلية والإقليمية؛ حتى لا تؤدي إلى النزاعات المحلية أكثر مما فيها، فالعشائر العربية في تل أبيض ترفض فصلها عن محافظة الرقة، أو أن تحكم من أحزاب كردية ليس لها حق التفرد بحكمها إلا بالقوة العسكرية، ومن ثم لم يكن الحزب يستطيع القيام بهذا التصرف إلا بقوة السلاح، وضمن ضغوط لا يقبلها الشعب العربي السوري ولا الدول الإقليمية، وما كان للأحزاب الكردية أن تقدم على ذلك حتى لو كانت بأوامر أو بالتوافق مع قوات احتلال أجنبية.

وهذه الخطوة يصعب تحليلها وتقدير دواعيها وما يترتب عليها في هذه المرحلة إلا بأخذ التوقيت الزمني الذي وقعت فيه بعين الاعتبار، فسوريا اليوم تحت أكثر من هيمنة دولية، بل في أكثر من حرب دولية داخل سوريا وعلى حدودها، بداية من قوات التحالف الأمريكي، حيث أبدت أمريكا مطالبة بإيجاد منطقة إدارة مستقلة من سكان المنطقة، بعد أن تم تناقل أنباء الاضطهاد الكردي لسكان تل أبيض، وفي الوقت نفسه تعمل أمريكا على جمع جهود العرب والكرد في تل أبيض وغيرها لمواجهة داعش، ولكن القوات الكردية التي سوف تحكم هذه المنطقة العربية، وبالأخص في تل أبيض، وهي مختارة من حزب الاتحاد الديمقراطي لن تكون منصفة للعرب ولا لسكان تل أبيض، التي هرب معظمهم إلى تركيا وإلى الرقة قبل أشهر عندما استولت عليها قوات حماية الشعب من داعش، فأمريكا تسعى إلى ضم الأحزاب الكردية إلى جانب جهود التحالف الدولي العسكري في محاربة داعش، وتريدهم جنوداً لمحرقة أو لمعركة لا تبقي ولا تذر، وتعطيهم الوعود تلو الوعود بحكم ذاتي شمال سوريا، ولذلك رفضت أمريكا الالتزام بالمنطقة الآمنة شمال سوريا، والتي طالبت بها تركيا كثيراً، دون العمل على إعلانها صراحة، على الرغم من حاجتها إلى مشاركة تركيا وقواعدها العسكرية في التحالف الدولي عسكرياً.

وكذلك، فإن إيران وبعد تدخلها العسكري في سوريا وسيطرة حرسها الثوري ومليشياتها العربية على أماكن عديدة من سوريا، وبالأخص من بداية عام 2013، فإنها تقربت إلى الأحزاب الكردية، ودعمتها بالمال والسلاح، بل والرجال أيضاً، وكل ذلك بهدف أن تكسب إيران الأحزاب الكردية إلى جانبها، سواء على صعيد الصراع في سوريا أو في المنطقة، وقد وقع حزب العمال الكردستاني في أعمال إرهابية على مستوى تركيا، بتحريض وضغوط من الحرس الثوري الإيراني، بحكم وجود الحزب السابق في جبال قنديل وشمال العراق، حيث للحرس الثوري الإيراني سطوة وجولة هناك، وبهذه الضغوط تمكنت إيران من شراء عدد من الأحزاب الكردية في سوريا والعراق لتعمل لمصلحتها أو تحت أوامرها ونفوذها وحربها الطائفية، التي لا مصلحة للأكراد منها إلا الوعود الكاذبة.

وأخيراً جاء دور الشراء الروسي للأحزاب الكردية، وبالأخص في سوريا، وبصورة أكثر خصوصية بعد التدخل العسكري الروسي من 2015/9/30، ومن أوجه ذلك إعلان موسكو بتاريخ 2015/10/20 أنها فتحت مكتباً رسمياً لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري في موسكو، وهذه الخطوة لا بد أنها جاءت ضمن سياق تحالف روسي مع الأحزاب الكردية في سوريا، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الديمقراطي وقواته وحدات حماية الشعب، التي تراودها أمريكا عن نفسها لتكون شريكاً لها في حربها ضد داعش، والعرض الروسي لا تقوى الأحزاب الكردية التائهة في الأوهام الأمريكية والغارقة في الأوحال الإيرانية على رفضه، وقد أصبحت روسيا صاحبة اليد الطولى في سوريا منذ بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول 2015، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي هو ذراع حزب العمال الكردستاني في سوريا، ودعمه أو شراؤه من كل هذه الدول صاحبة المشاريع التوسعية في سوريا لأنها تريد توظيفه في خدمتها، ودون عناء؛ فقد وجد المراقبون أن الخطوة الروسية بفتح مكتب دبلوماسي للحزب الديمقراطي الكردي في موسكو ورقة ضغط على الدول الإقليمية غير المؤيدة للدور الروسي في سوريا، خاصة الدولة التركية.

إن روسيا تريد وهي ترفع من مكانة حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، أن توحي لكل القوى السياسية في سوريا بأنها مطالبة بالتعامل مع روسيا مباشرة، بحكم أن موسكو هي عاصمة القرار السياسي السوري في المستقبل، إن روسيا تريد القول إن شرعية تمثيل المعارضة السورية أو السوريين، وحتى الأكراد منهم، لا تنحصر فقط في القوى التي لها ارتباط بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي له ارتباطات بأمريكا ودول الخليج وتركيا، وتريد أن تثبت أن هناك مرجعيات سياسية أخرى ومنها الأحزاب الكردية، إضافة إلى أن أحد مسارات الحل السياسي المحتملة في سوريا، مشروع تقسيم سوريا، إذا تعذر إبقاء الجغرافيا السورية في دولة واحدة يتطلب تقسيم الحصة الكردية التي يتنافس عليها النفوذ الأمريكي والإيراني، وعندها فإن الأحزاب الكردية أحد خيارات قادة التقسيم السياسي والجغرافي القادم الذي سوف تضطر روسيا إلى السير فيه أيضاً، ولذلك فإن موسكو تريد تقوية نفوذها في الأوساط الكردية، وبالأخص مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، باعتباره أقوى الأحزاب الكردية في سوريا، بعد أن منحته أمريكا دعماً سياسياً، ومنحته إيران دعماً عسكرياً، وتريد روسيا أن تمنحه دعماً سياسياً وعسكرياً بوصفه أحد القوى السياسية والعسكرية الفاعلة على الأرض السورية.

إن التنافس الروسي والإيراني والأمريكي على مساعدة الأحزاب الكردية لا يعني تزايد الحرص الدولي بحل المشاكل التي يواجهها الأكراد في هذه المنطقة، وإنما إيجاد قوى بشرية وسياسية وقوات مقاتلة أو مليشيات يمكن الاستعاضة بها عن وجود جنود إيرانيين أو جنود أمريكيين أو جنود روس على الأرض، عندما يتطلب العمل العسكري حرباً برية، أي إن التنافس على الاعتراف بالأحزاب الكردية، وتقديم العون المالي والعسكري لها، هو نوع من الشراء السياسي، الذي تهدف هذه الدول من خلاله إلى تحقيق أهدافها بأقل الخسائر البشرية من جنودها، ما استطاعت أن تجد من ينفذ لها مشاريعها على أرض الواقع دون تكلفة بشرية على جيشها، وهذا الشراء لن يتم من خلال الوعود بالمساعدة المالية والعسكرية فقط، وإنما لا بد أن يتم من خلال وعود سياسية تقنع عناصر الأحزاب المقاتلة، فالقيادات الحزبية الكردية لن تقاتل بنفسها، وإنما ستخوض المعارك بما لديها من عناصر ومقاتلين تابعة لأحزابها السياسية، ومن ثم فإن عمليات الشراء هي للعناصر التي تقاتل بالنيابة عن المحتلين الأجانب، ولكن تمرير هذه العملية لا بد أن يتم من خلال وعود الكيانات السياسية الكردية، سواء كانت حكماً ذاتياً أو دولة مستقلة، ولكنها خاضعة للتغيير والتبديل والمساومة في المفاوضات الدولية.

إن من مسؤوليات الشعب الكردي أن يحاسب قادة أحزابه على المخاطر التي يقوده إليها، وأن يرفض دخول حروب لا مصلحة له فيها، حتى لو كان قادة الأحزاب الكردية يجدون لأنفسهم سوقاً تجارياً رابحة، أو دعماً عسكرياً أو أطماعاً سياسية، فالكرد في سوريا لا تتحقق مصالحهم مع القوات الغازية مهما كانت جنسيتها، ومهما كانت قوتها العسكرية، أو نفوذها السياسي العالمي، لأنها في النهاية سوف ترحل عن سوريا، وعندها سوف تدخل في صراعات قاتلة مع شعوب هذه المنطقة من العرب والأتراك، وستعود بالخسارة على الجميع، في حين أن الحكمة تستدعي أن تبحث شعوب المنطقة بنفسها عن أفضل الأوضاع السياسية الممكنة للعيش السلمي النافع والمشترك للجميع، وذلك من خلال الطرق الديمقراطية والانفتاح الاجتماعي والسياسي في هذه الدول، وليس باستغلال الاضطرابات الدولية في المنطقة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة