ثقوب في ذاكرة الشعوب!

من يقرأ تاريخَ العرب مع إسرائيل سيشعرُ أنَّ التاريخَ يُعيد نفسه، وأن العرب ما زالوا منقسمين بين المزايدين والمعتدلين، والمحبط أن نصيبَ المخلصين دوماً هو التخوين والتجريح والإهانة.

الثلاثاء، 29-07-2014 الساعة 04:31


ويارب من أجل الطفولـة وحدهـا

أفِض بركات السلم شرقاً و مغربـا

وصُن ضحكة الأطفال يا رب إنهـا

إذا غردت في موحش الرمل أعشبا

(الشاعر السوري : بدوي الجبل)

ما يحدث في غزَّة كارثة إنسانية، بل إبادة جماعية، بل محرقة تُرتكب بحق شعب أعزل لا حول له ولا قوة، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع نظامٍ أرعن هو الأكثر دموية وإجراماً وخروجاً عن مبادئ الإنسانية والقانون الدولي. هذا النظام زُود بأكثر الأسلحة فتكاً ودماراً، ثم أُطلقت يده ليفعل ما يشاء، فأصبح يبطش بكل ما أُوتي من قوة وبشكل أعمى لا يُفرقُ فيه بين رجل أو امرأةٍ وشيخ وطفل، ولا بين مدنيٍّ أو عسكري، غايته أن يقتلَ لمجردِ القتل، ويدمر لمجرد التدمير، بعد أن رضع الأحقاد منذ نعومة أظفاره، ولُقِّنَ أنَّ صراعَه مع هذا الشعبِ صراعُ وجود لا حدود، وإنه لا أجرمَ من جبانٍ سُلِّط على أعزل، و كان في مأمنٍ من العقوبة.

والمؤسفُ أنه مع هذا الواقعِ المؤلمِ تجدُ من يحاول تعكيرَ صفوِ الماء من أجلِ أن يصطادَ فيه، فظهر لنا صنفان من الناسِ لا ندري أيهما أحقرُ من الآخر؛ صنفٌ يحاولُ تبريرَ هذا العدوان بطريقةٍ مخجلةٍ، من غير أن يشعرَ بدناءة ما يفعل. وهو ظاهرٌ ومعروفٌ يجهرُ بآرائه ولا ينكرها بل يحاولُ تبريرها، وكلما حاولَ التبريرَ أكثر انكشفت عورتُه أكثر، حتى لم يَعُد لديه ما يسترُ به عورتَه، وهذا الصنف لن أتحدثَ عنه في هذا المقال؛ لأنه معروفٌ وظاهر، ولعلَّ صدمتَنا فيه أكبرُ من صدمتنا في مآسي غَزَّة.

أما الصنف الآخر الذي هو برأيي لا يقلُ دناءة عن الأول، فقد وجد في هذه الكارثةِ الإنسانيةِ وسيلةً للثأر وتصفية الحسابات، فأصبح يوزع صكوك الخيانةِ بلا حساب، فكانت النتيجةُ أنَّ كل العرب متآمرون عملاء خونة ما عدا دولة أو دولتين! ووصلت به الخِسَّة والدناءة إلى أن يتهم الهلال الأحمر الإماراتي بأنه يتجسس لصالح إسرائيل! وما درى أنه بهذه الحماقةِ سيقطعُ طرق الإغاثة عن أطفال غَزَّة وسيمنع صنائعَ المعروف، بعد أن عرَّض أمنَ هؤلاء المسعفين للخطر، بينما هو يُطلق التصريحات من فنادق الـ 7 نجوم وعلى بعد آلاف الأميال! والغريب أن له أتباعاً ومؤيدين يسيرون خلفه كالقطيع من غير أن يسألوا أنفسهم هل يُعقل أن في إسرائيل المدعومة من أمريكا والغرب مِن الضعف ما يُحوجها لخدمات هذا الفريق الطبي؟!.

من يقرأ تاريخَ العرب مع إسرائيل سيشعر أنَّ التاريخ يُعيد نفسه، وأنَّ العرب ما زالوا منقسمين بين المزايدين والمعتدلين، والمحبط أن نصيب المخلصين دوماً هو التخوين والتجريح والإهانة. ففي مؤتمر فاس عام 1981م، وفي أثناء مناقشة (المشروع السعودي للسلام) أُصِيب الملكُ فهد – رحمه الله – بخيبة أمل ويأس وكآبة فقال: "إن أراضينا لم تُحتل، وشعوبنا لم تُشرَّد، وقد فعلنا كل هذا من أجلهم، فماذا كانت النتيجة؟ أن نُجرّح ونُشتَم!". وحسبك أن تعرف أن المزايدين والأعلى صوتاً ممن كانوا يعارضون كلَ مشروعٍ للسلام بقولهم: (لا تحرجونا يا إخوان! أنتم تعرفون سياستنا نحو كل مشاريع السلام)، قد انتهى بهم الحال إلى أن يلتهمَ أحدُهم جاره العربي، ويُبيدَ الآخرُ شعبَه بالبراميل المتفجرة، وثالثٌ كان يدعو الفلسطينيين إلى الاستشهادِ في بيروت عن بكرةِ أبيهم، ويقول: إن التاريخ سيلعنهم إذا لم يموتوا جميعاً تحت أنقاض بيروت! في حين أنه قد مات ولعنات الشعبِ الليبي تطارده في قبره بعد أن أعادَ بلده خمسين عاماً إلى الوراء.

ولا أنسى ردات الفعل المستهجِنَة لموقف المملكة من العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006م، حين رفضت أن تنساق لخطاباتِ حسن نصر الله، قائلة إن المملكةَ تُفرِّق بين المقاومة الشرعية والمغامرات غير المحسوبة التي تقوم بها عناصر داخلَ الدولة ومن وراءها، دون رجوع إلى السلطة الشرعية في دولتها، ومن دون تشاور أو تنسيق مع الدولِ العربية. وهو ما رفضه بعض المخدوعين آنذاك واللاهثين خلف انتصارات كارتونية، حتى أني هممت ذات (جمعة) أن أخرج من المسجدِ دون إكمالِ الخطبة في بلدٍ عربي كبير، حين حوَّلها الخطيب إلى كلمةٍ سياسيةٍ امتدت لما يزيد على الساعةِ؛ عرض فيها بالدولِ العربيةِ الرافضة للانجرار خلف نصر الله، واصفاً إياه بالقائدِ المناضلِ الفاتح المعز للأمة حتى لكأنه يتحدث عن خالد بن الوليد! وما هي إلا أيام حتى كان نصرُ الله يستجدي العرب إيقاف هذه الحرب! و ليرتد بعد سنواتٍ على الذين وقفوا إلى جانبه، ليطعنهم من الخلف في القصير وغيرها، تنفيذاً لتوجيهات الولي الفقيه، وليثبتَ أن رهاناتِ الشعاراتيين العرب دائماً خاسرة، لكنَّ ذاكرةَ الشعوبِ مثقوبة مع الأسفِ الشديد.

(الشرق السعودية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة