ثلاثية البطالة والفشل والحوريات

مع نقدنا الشديد لهتك داعش حق الحياة بلا ورع ولا تقوى ولا أساس راسخ من الفتوى، فإننا نسعى هنا للغوص عميقاً في التركيب النفسي لشخصية الانتحاري.

الثلاثاء، 11-08-2015 الساعة 20:03


لم يخطر على بال أي روائي، ومنذ فجر الإنسانية، أن يبدع بكتابة قصة انتحار عند بوابات معبد أو مسجد، كما فعلت داعش، وحطمت بفعلها الرقم القياسي للفواحش، فقد استعصى إبداعها بفن "الحرام" حتى على إبليس، ونفذت في الشهرين الماضيين حفلات دماء مسفوكة في مساجد السعودية والكويت، انتهت بموت منتحرِيها وعشرات من المصلين، وكان آخرها تفجير مسجد قوة الطوارئ في منطقة عسير بالسعودية، مع استهداف للسنة هذه المرة، ربما من باب إشاعة العدل بنشر الموت بين السنة والشيعة سواسية وبلا تمييز!

ومع نقدنا الشديد لهتك داعش حق الحياة بلا ورع ولا تقوى ولا أساس راسخ من الفتوى، فإننا نسعى هنا للغوص عميقاً في التركيب النفسي لشخصية الانتحاري، ونحاول تتبع تلك المخلوقات التي تحولت إلى قنابل بيولوجية تحمل رؤوساً داعشية، ونعني أولئك المنتحرين، الشباب، الذين كانوا في فئة "الإنسان" فيما مضى، قبل أن تحولهم داعش إلى مجرد قنابل مغلفة بملصقات تتحدث عن الشهادة والحوريات والنعيم المقيم الذي ينتظرهم عند بوابات المساجد!

ونحن هنا لسنا في معرض الحديث حول الخبط الفكري المبرر لاقتراف جُـرُمٍ حرام كقتل مصلين في مساجدهم، ولسنا معنيين أيضاً بنقاش فكر داعش وانحرافاتها، وإنما يعنينا الجزئيات المكونة لشخصية الانتحاري، وملابسات صناعته كإضافة فاشلة إلى الحياة، تنتهي بموت رخيص يقضي على حيواتٍ كثيرة بريئة.

وعموماً: يكاد انتحاريو داعش والجماعات التكفيرية يمثلون نمطاً ثابتاً في سياق الشخصيات الإنسانية ومعطياتها الموضوعية. فمن الناحية العمرية، يستحيل أن تجد انتحارياً يبلغ من العمر 30 أو 40 عاماً، فتفجير القديح -مثلاً- نفذه صالح بن عبد الرحمن القشعمي (20 عاماً)، وتفجير مسجد العنود نفذه خالد عايد محمد الوهبي الشمري (أيضاً 20 عاماً)، وقريباً من عمره نفذ فهد بن سليمان بن عبد المحسن القبَّاع (23 عاماً) تفجير مسجد الإمام الصادق، أما تفجير مسجد قوة الطوارئ فقد نفذه يوسف سليمان عبد الله السليمان (21 عاماً). أيضا ثمة انتحاريون آخرون صُنعوا في داعش ومن نفس الفئة العمرية، نذكر على سبيل المثال: أحمد دياب الملقب بأبي بكر الرياضي (25 عاماً) وهو لبناني الجنسية ونفذ عملية انتحارية في حلب، وكذا عبد الله فهد عبد الله الرشيد (19 عاماً) الذي فجر نفسه بسيارة مفخخة عند نقطة تفتيش في الرياض.

والنمط العمري للانتحاريين ليس متعلقاً بالضرورة بالقابلية للاستدراج أو غسيل العقول التي تبدو الفئات الكبيرة -ظاهرياً- أكثر تحصيناً منها؛ إذ توجد فئة من الكهول ممّن هم أشد جهلاً من الأحداث والشباب، ولكن الشخصية الانتحارية يقتضي صناعتها ضمن فئة عمرية صغيرة لا تتجاوز العشرينات، لعدم تقيد تلك الفئة غالباً بمكاسب دنيوية حقيقية تجعل من اقتراف الموت المتعمد عملاً شاقاً أو مستحيلاً. لذا لن تجد من بين أولئك المنتحرين من هو متزوج، أو من اكتسب شهادة جامعية، أو ممّن برز في مهنة أو تخصص، إذ يجب أن يكون الانتحاري متجرداً من أي نجاح يشده للحياة الواقعية، فكينونته الإنسانية تقتضي أن تقترن تبعيته لداعش بفشل موازٍ في الحياة العملية، وفراغ في حقيقة ما يملكه أو حققه، هؤلاء الصغار هم غالباً من الفئة المتساقطة من المدارس والجامعات، المتعايشة مع المهن المتواضعة غير الثابتة، ولن تستطيع داعش إقناع ذي مؤهل جامعي بنسف دماغه في مسجد أو مصلى خدمة لأهداف التنظيم، وحتى الآن لم نجد استثناء من بين أولئك الانتحاريين يخرج عن النمط الذي نشير إليه.

ثم تأتي البيئة العربية الحديثة لتعاضد بناء الشخصية الانتحارية، حيث اختلاط الفساد بالإخلاص، وتسلق المستهترين لسلم الحياة بلا حق ولا مغالبة مشروعة، لذا انتشر بين الشباب العرب التوق لحيازة مكاسب ضخمة بمجهود قليل، وطي المراحل دون كثير من البذل، فالنجاح في الحياة (مادياً أو معنوياً في كثير من المجتمعات العربية مع الأسف) أصبح مكافئاً لتملق ظالم أو توددٍ لحاكم أو إتقان حيلة أو معرفة "واسطة" تستجلب النجاح الموعود، وهذا الأسلوب يبتعد باتجاه معاكس لسنة الحياة القائمة على البذل والنَّـصَـب، لا الكذب والنَّصْب!

وهذا النمط للشخصية المتسلقة نجد إسقاطاته واضحة لدى القنابل البشرية المنتحرة التي تصنعها داعش، من خلال تصوير الجهاد وسيلة سهلة ورخيصة لا تقتضي خوض تحدٍ حقيقي (سوى حاجز الخوف!) لحيازة الجنة بكل تفاصيلها اللذيذة، فالذين لم يُوفقوا في الزواج في الحياة الدنيوية لتواضع إنجازاتهم، أو تأخر سعيهم لحيازة أسباب الحياة الزوجية من مكسب واستعداد، يُوهمون بمكافأة مجزية بأكثر من سبعين حورية تنتظرهم في الجنة، ويفصلهم عنهن -فقط- ضغطة زر، ليتحول جسد الانتحاري إلى جثة، وتـتـنـقل روحه من بعد ذلك: من زوجة إلى زوجة!

كما أنه ليس أجمل ولا أخف على الشخصية الكسولة المتكلة من أن تسلم نفسها طواعية لسيد أو قيادة أو جماعة تهيمن عليها، وتتلاعب بها يمنة ويسرة، وتكفي الكُسالى مؤونة التفكير وتحمل المسؤولية فُرادى في الميدان، دون سند من القائد أبو فلان، أو المسؤول التنظيمي أبو علان! بل إن داعش وغيرها من الجماعات تضمن مرتباً شهرياً أو طعاماً ومكاناً للنوم وسلاحاً (يسد النقص النفسي بيد حامله) مقابل الانتماء لتلك الجماعات، وما أرخصه من ثمن، وما أعظمها من تضحية بنفس بشرية مقدسة!

لذا يصعب أن تجد انتحارياً مستعداً للالتزام بمهنة، وأداء عمل شاق، والقيام بمسؤوليات الحياة؛ لأن الجنة تبدو حلاً سهلاً سريعاً وتتوفر بها كل الخدمات، والطريق إليها قريب جداً، أقرب من الحزام الناسف الذي يفجره بجموع البشر! وكل هذا مدفوع بحاجات إنسانية أساسية عجزت الحكومات والدول عن أدائها لمواطنيها؛ فطفق بعضهم يبحثون عنها بين أشجار الموت، والانتحار تحت اسم "الجهاد"، فالقصة في النهاية: منافع شخصية ينالها كل هؤلاء.

أما من الناحية الاجتماعية، فيشترك الانتحاريون في نمط موحّد من المشاعر الخالية تجاه الانتماء لمجتمعاتهم؛ فهم خاضعون لاستحواذ مشاعر الغربة عليهم، ويتعايشون مع عواطف تتحمس للمفاصلة الحادة كأقلية اجتماعية تختلف عن الغالبية المهيمنة، المنحرفة أو الكافرة بحسب تبريرهم أو معتقدهم. وفي بعض الحالات نجد هذه المشاعر المعادية للمجتمع موروثة من آبائهم؛ كوالد يوسف عبد الله السليمان مثلاً، الذي تقول عنه تقارير إنه متشدد كابنه ويقضي عقوبة في السجن، والقصة ذاتها نجدها مع والد صالح عبد الرحمن القشعمي، وهذا النمط الاجتماعي للانتحاريين يشكل ضغطاً هائلاً على مشاعر الانتماء فيهم، ويصنع معضلة بهويتهم الوطنية، ويجعلهم في فراغ تستغله داعش لشدهم نحوها كمغناطيس جاذب لكل هؤلاء الشوارد والهائمين.

ثم إن تمرد الآباء ومن يدور بفلك تلك الأقلية المفاصلة لمجتمعاتها، المقرون بضعف عددي وتواضع بالإمكانات أمام جبروت دولهم وقوة بطشها الأمني، يعزز من ميل أبنائهم والفئات الشابة فطرياً إلى الانتماء إلى جهة قوية، يشعرون معها بالأمان والقدرة على الاتكاء على ركن شديد، يتجسد فيه تمردهم وفكرهم ويصنع أفعالاً مشتتة هنا وهناك لتنفيس غضب الأتباع ورفع معنوياتهم. ويعزز ذلك دور وسائل الإعلام باستفزاز مشاعر هذه الفئات بمناظر العدوان الواسع النطاق على بلدان إسلامية وعربية تحديداً، فأتت حرب العراق وسوريا وأحداث فلسطين وعبث إيران لتزيد من مشاعر اليأس والإذلال، لتتلقفهم داعش كذرات مشحونة بشحنة سالبة قوية، تنتظر تفريغها في صاعق تفجير عمّا قريب!

ومع الأسف، فإن الشخصيات الانتحارية هي مجرد نهايات لجذور قادمة من أعماق مجتمعاتنا، ومن أعماق سياساتنا الاجتماعية والأمنية، وهي جذور ترتبط ارتباطاً حاداً بالخطاب الإسلامي الجهادي الحديث، الذي يصور الاستشهاد وسيلة سهلة لحيازة منافع عبر بوابات الموت، ويرسخ حب "الموت" متجاهلاً تعزيز قيمة الحياة البشرية بتصورها الإسلامي كمسؤولية تقتضي البذل والعمران وأداء الأمانة التي حملها الإنسان، إذ ليس المجاهد شخصاً بلا قيمة، وهو ليس إضافة تافهة إلى الحياة يسهل تفجيرها وإزهاق روحها بلا خسارة فعلية.

وفي هذا السياق، فإن "حب الموت" ليس حصرياً بالمؤمنين المضحين بأرواحهم، فالنفس البشرية تتقلب بصحتها ومزاجها في ميزان الحياة، وقد تصاب بالاكتئاب المرضي الشديد الذي يجعل من الموت غاية وحلاً لشقائها، ولربما اقترن الحماس للاستشهاد (الموهوم) بنفس الانتحاري برغبة خفية لمفارقة الحياة ببؤسها وشقائها، ولربما كان الموت طريقاً مختصراً للتخلص من التبعات وأعباء المسؤولية، وهذا النمط المفرط من حب الموت، والتعلق الشهواني بالحوريات، وتأجيل مقارعة الفشل لحين الوصول للدار الآخرة (!) هو نتيجة للتركيز الكبير في الخطاب الإسلامي الحديث على ذكر مناقب الشهداء، دون توسع في مناقب خوض مشاق الإعداد، ومناقب العيش في سجن الدنيا مع بذل التضحيات الجسام، ومناقب النجاح بأداء ما أمر الله به، قبل الارتقاء نحو الحوريات!

من ليس له قيمة في الحياة، ليس له قيمة بموته، ولو قتل البشرية جمعاء. الشهادة مرتبة عليا، والشهداء مختارون من الله لا من عند أنفسهم، وذواتهم لن تقترن بالشهداء -غصباً- بضغطة زر تحت راية مشبوهة وحرام. وحتماً، فإن طريق الشهادة لا يمر عبر قتال عند بوابات المساجد وتفجير بأجساد المصلين وجباه الركع السجود!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة