جدلية التخصص العلمي والتخصص الإنساني

نحتاج أن نعدّ النُّخب التي تستطيع قيادة أوطاننا إلى ما هو أفضل، ووضع بلدنا على طريق الرقي الحضاري.

الاثنين، 20-02-2017 الساعة 15:11


مع بداية الوعي بالذات عربياً وإسلامياً، والتي تولدت نتيجة الصدمة التي تلقّتها الأمة الإسلامية والعربية بعد انهيار آخر دولة خلافة إسلامية كانت جامعة لكل المسلمين، والمتمثلة بالدولة العثمانية، ظهر الكثير من المفكرين والباحثين الذين تناولوا أسباب ذلك الانهيار، وأسباب عهد الظلام الذي لفّ أوطاننا بعد تاريخ حضاري طويل شهد له بذلك العدو قبل الصديق.

وعن السر الذي جعل دول الغرب تتقدم علمياً وتكنولوجياً، وتُفتح لها الدنيا بكل أسرارها الجغرافية، فاكتشفوا الأمريكيَّتين، واكتشفوا أستراليا، واحتلوا ممالك العالم القديم في آسيا وأفريقيا، واستغلوا خيراتها، حتى وصلت بهم الأمور إلى أن بعض الدول الأوروبية المغمورة تمتلك مساحاتٍ من الأراضي الجديدة تفوق مساحة أوطانها بأضعاف كثيرة، ويستعبدون أناساً تفوق أعدادهم أعداد المستعمرين عشرات المرات.

العلم والصناعة هي السر

ورجَّح معظم المفكرين في ذلك الزمن أن السر في هذا التفوق الغربي، وبنفس الوقت الانحطاط الإسلامي في سلم الحضارة، سببه تخلّف العرب والمسلمين عن اكتساب العلوم والمعارف الحديثة، والتي مكّنت أعداءهم من أن يتفوقوا عليهم عسكرياً بأسلحتهم الحديثة، واقتصادياً بسبب سيطرتهم على البحار واكتشافاتهم الجغرافية، وثقافياً بسبب الانفتاح الذي أصبح أحد صفات مجتمعاتهم، ويقابله في المجتمعات العربية والإسلامية الانغلاق على الذات، والخوف ومحاربة كل ما هو جديد.

وعلى هذا الأساس، انتهى مفكّرونا وقادة الرأي في مجتمعاتنا، وبعد طول بحثٍ ودراسة، إلى أنَّ سبب الاختلاف هو الرقي العلمي والصناعي عندهم، وانحساره عندنا، واعتبار أن النهضة الحضارية لأي أمة أساسها التفوق العلمي والصناعي فقط، فقاموا بتشجيع شباب العرب والمسلمين لاكتساب العلم والتخصص فيه، ورحل الكثير من شبابنا، استناداً على هذه النصائح، إلى بلدان الغرب لاكتساب المعارف، وتعلّم تقنيات الصناعة الحديثة، لكي يرجعوا لبلدانهم وينهضوا بها بفضل ما اكتسبوه من معارف، وفعلاً نجح الكثير منهم في هدفهم هذا، وارتقوا في سلم العلم والتخصص الدقيق في مختلف المعارف الهامة لنهضة أي مجتمع، ورجعوا لبلدانهم لكي يسهموا في نهضتها واللحاق بركب الحضارة الغربية التي تخطتهم بأشواطٍ كثيرة.

لكن الذي فاجأهم أنهم وجدوا بلدانهم ليست متهيئة لمثل هذه النهضة، وأن الأنظمة السياسية الحاكمة في بلدانهم هي أنظمة متهالكة ومتخلّفة، لا تقيم وزناً لكل هذه الكفاءات العلمية، ومجتمعاتهم قد تحوّلت إلى بيئة طاردة للكفاءات العلمية؛ بسبب بعدها عن الحضارة لفترة طويلة من الزمن، فانقسم أولئك المثقفون وذوو التخصصات العلمية إلى ثلاثة أقسام:

قسم منهم آثر الراحة وتكيَّف مع الوضع، ويعيش ضمن المنظومة القائمة دون محاولة لتغير شيء من واقعها الموجود.

القسم الثاني منهم لم يتحمل هذا الوضع، بعد أن رأى كيف أن دول الغرب تعطي قيمة معنوية ومادية عالية لذوي التخصصات العلمية، فآثر الرجوع إلى تلك المجتمعات الغربية؛ لكي يسخّر لها كل طاقته، ولتستفيد منه تلك البلدان وتبني حضارتها على أكتافهم.

القسم الثالث آثر تبنّي المجاهدة للنهوض بمجتمعه وبلده، ووضعه على جادة الحضارة، لكن لاقتهم مشكلة جديدة؛ وهي أن العلم وحدة لا يبني حضارة إذا لم يكن هناك إصلاح سياسي ومجتمعي وإداري كفيل بتغير المجتمع وجعله مناسباً لتلقّي عناصر الحضارة والرقّي، فتجدّدت الدعوات مرة أخرى لاكتساب المعارف، ولكن هذه المرة في التخصصات الإنسانية، أو كما ما يسمّيها البعض بـ "التخصصات السيادية".

الحل بالتخصصات السيادية

ينبري الآن كل الدعاة والمصلحين إلى دعوة الشباب العربي والإسلامي للتخصص في العلوم السيادية؛ والمتمثلة بتخصصات الإدارة والاقتصاد والتاريخ والعلوم السياسية والاجتماعية، وما له علاقة بإصلاح المجتمعات، وإصلاح النظم السياسية، واعتبارها هي التخصصات التي سوف تقود شعوبنا لإصلاح أوضاعها، وتمهّد المسير في طريق الحرية والحضارة بعد عقود طويلة من الاستبداد الذي رزحت تحته الشعوب العربية والإسلامية، وبدأت تعطي المنح والتسهيلات لتلك التخصصات، وتشجّع الشباب على دراستها، ولكننا سوف ننتهي إلى حيث ما بدأ به مفكرونا بعد صدمة انهيار الخلافة؛ وفرةٌ بالمثقفين والسياسيين، وقلّة بالتقنيين الذين يفترض أن يقوم عليهم بناء النهضة الحضارية، التي يعد التقدم العلمي والتقني من أهم مستلزماتها، وسوف نرجع بشكل أو بآخر إلى مجتمعات ذات بيئة طاردة لكل ما هو جديد، أو كل ما يدعو إلى التقدم المادي والتقني.

هل اكتساب الأمرين ممكن؟

نرى أن الوضع الاستثنائي الذي تمر به شعوبنا العربية والإسلامية لا بد له أيضاً من حلول استثنائية؛ وذلك من خلال جمع التوجُّهين والمضيّ بهما في وقت واحد، للوصول إلى التغير المنشود لمجتمعاتنا الحالية.

وذلك من خلال اكتساب العلوم والمعارف التقنية أولاً، ومن ثم اكتساب العلوم السيادية التي تضمن تغيّر واقع مجتمعاتنا سياسياً واجتماعياً ثانياً. ذلك لأننا إذا اكتسبنا العلوم السيادية في البدء، وقضى الإنسان جلّ شبابه باكتسابها، فليس من السهل عليه أن يكتسب العلوم التقنية لاحقاً؛ لأنها علوم تحتاج إلى عقلية وذهنية الشباب حصراً لتعلّمها، بينما العكس وارد جداً، ويمكن النجاح فيه بشدة، فكثير من الذين تخصّصوا بمجالات علميّة بحتة استطاعوا بعد ذلك النجاح بالتخصصات السيادية؛ المتمثلة بالعلوم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهناك نماذج كثيرة على ذلك لا حصر لها في الماضي والحاضر؛ ففي الحاضر هناك نماذج سياسية عديدة في عالم السياسة والفكر والثقافة تملأ الساحات السياسية والثقافية، ونجحت فيها، وأثّروا في مجتمعاتهم أيّما تأثير؛ مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والتي لديها شهادة الدكتوراه في الفيزياء والكيمياء، ولم تمتهن السياسة إلا بعمر السادسة والثلاثين، ورئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، الذي درس الهندسة في عام 2002، بجامعة مونتريال، ثم أصبح أصغر رئيس وزراء بتاريخ كندا. ومن مفكرينا الأستاذ أحمد محمد الراشد، الذي بدأ حياته العلمية في دراسة الكيمياء، وانتهى الأمر به أن أصبح واحداً من ألمع المفكرين الإسلامين في عصرنا الحالي، وغيرهم الكثير من العلماء الذين كانت لهم آراؤهم السياسية الناضجة؛ مثل العالم الفيزيائي الكبير ألبرت أنشتاين، الذي رفض حكم النازية، وهرب من بلاده ألمانيا، ولم يسخّر علمه لدكتاتور مثل هتلر.

خلاصة القول إن من الحكمة لكي ننهض بشعوبنا حضارياً وعلمياً، وتحقيق عدالة اجتماعية، والتخلّص من التبعيّة السياسية للغير؛ أن نمضي بالطريقين؛ اكتساب العلوم التقنية، ومن بعدها، أو بنفس الوقت، اكتساب المعارف السيادية، فمن السهل على الشاب بعد أن ينتهي من تخصصه العلمي، ثم يقضي سنتين أو ثلاثاً لاكتساب المعارف السيادية، ولكن من الصعب أن يقضي الشاب سنوات شبابه باكتساب تلك العلوم السيادية، ثم يتوجه لدراسة الهندسة أو الفيزياء أو الكيمياء. بهذه العقلية يمكننا أن نعدّ النُّخب التي تستطيع قيادة أوطاننا إلى ما هو أفضل، ووضع بلدنا على طريق الرقي الحضاري.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة