جدلية حرية التعبير

مصطلح حرية التعبير يبدو كالمطية يعتليها كل من له حاجة ثم يربطها ليتحجج بها

الثلاثاء، 16-06-2015 الساعة 10:32


مصطلح حرية التعبير يبدو كالمطية يعتليها كل من له حاجة ثم يربطها ليتحجج بها، الكل يكلمك عن حرية التعبير وأهمية أن يكون صوتك مسموعاً وضرورة أن يفتح المجال للناس حتى يقولوا ما يريدون، ولكن سرعان ما تختفي هذه الشعارات الرنانة عندما يكون التعبير الذي انطلق حراً مخالفاً لقناعاتنا، حينها تتحول المطالبة بحرية التعبير إلى المطالبة بإلجام التعبير، طبعاً يتم ذلك مباشرة أحياناً وبشكل غير مباشر أحياناً أخرى، النخبوي مثلاً يتكلم عن الغوغائية وخطورتها وكيف أن المجتمع ما زال متخلفاً رجعياً مسفهاً أي فكرة لا يقتنع بها يتحرك بها الشارع على أنها نتاج عقول متحجرة وأقلية ساخطة ومراهقة فكرية، وبالتالي يجب ألا يسمع لهؤلاء ولا أن يترك لهم المجال ليعبروا عن رأيهم بحرية لأنه يتعارض مع قيم النخبة السامية، التقليدي سيقول لك إن حرية التعبير يجب أن تكون في حدود التقاليد والأعراف التي يحددها هو معتبراً أي تغيير أو تشكيك بها مرفوضاً ولا يدخل في حرية التعبير لأنه يلمس ثوابت المجتمع وهكذا.

بطبيعة الحال المفهوم بحد ذاته مشكل ومطاط، فالحرية المطلقة في التعبير غير معقولة ففي أكثر الدول حرية بإمكانك مقاضاة من يتهمك زوراً بجرم ولا يدخل ذلك في إطار حرية التعبير وبإمكان الدولة اتهامك بالخيانة إذا عبرت عن رأيك بما يهدد أمن البلاد ولا يعتبر ذلك حرية للرأي، فمقياس هذه الحرية مرتبط بقيم المجتمع وطبيعته السياسية والثقافية، ما يعتبر تهديداً للمجتمع هنا قد يكون اعتيادياً هناك، وما يعتبر محرماً ومرفوضاً هنا قد يعتبر فضيلة هناك، بل إن المجتمع الواحد قد يتشكل من منظومات قيمية متعددة لا تتوافق في دوائر المقبول والمرفوض فيها، فمن حيث المبدأ حرية التعبير ليست قيمة مطلقة، ولكن كيف يمكن مع ذلك أن نضبط حرية التعبير بحيث تحترم جميع مكونات المجتمع دون أن تغلق الباب أمام حوار مجتمعي بناء وأمام حرية الفكر والنقد، وكيف نشجع المجتمع على أن يكون حراً في تعبيره ابتداءً؟ هناك خطوتان مهمتان يجب أن تتحققا قبل أن نصل إلى حالة متوازنة.

الأمر الأول هو أن يدرك المجتمع فوائد حرية التعبير، فمتى استشعر الفرد ومن بعده المجتمع أن لهذه الحرية فوائد يجنيها سيكون أكثر تسامحاً وقبولاً للآراء المخالفة، وهذه الفوائد لن تكون إلا إذا كان للرأي تأثير مباشر على مصالح الإنسان، فمثلاً عندما استشعر المواطن القطري أهمية رأيه في بعض القضايا المحلية من خلال الاستجابة السريعة من قبل بعض المؤسسات لحملات ومطالبات مختلفة على وسائط التواصل الاجتماعي شهدنا ارتفاعاً في وتيرة هذه المطالبات ووجدنا تزايداً في أعداد الذين خرجوا من عباءة السلبية ليعبروا عن رفضهم أو قبولهم لظواهر وممارسات مختلفة، وكلما زادت فاعلية هذه الحملات التي هي في أساسها تعبير جماعي عن الرأي كلما تشجع الآخرون للتعبير عن آرائهم.

الأمر الثاني هو أن النخبة بصورها المختلفة يجب أن يتكون لديها احترام للرأي العام، الكثير من الذين يمكن تصنيفهم على أنهم نخبة فكرياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً هم رأس الحربة في تسفيه الرأي العام واحتقاره ويساهمون بذلك في التقليل من أهميته وبالتالي يتسببون في تثبيط الناس عن التعبير عن آرائهم بحرية، فلماذا إذاً يعبر الإنسان البسيط عن رأيه ويتحرك بقناعاته إذا كان سيقابله مفكر أو كاتب أو إعلامي أو رمز ديني بالتسفيه من رأيه والتقليل من قيمته؟ على هذه النخبة أن تتصدى لدورها بالدفاع عن حق المجتمع وأفراده في التعبير عن آرائهم، وكما قال فولتير فيلسوف الثورة الفرنسية عن كتابات أحد خصومه «أكره ما تكتبه لكني على استعداد لأن أهب حياتي حتى تتمكن من الاستمرار في الكتابة» فدور النخبة وخاصة المثقفة منها هو تعزيز ثقة الإنسان بنفسه لا تسيد المشهد على حساب هذه الثقة.

كلنا فينا ذلك الطاغية الصغير الذي يود أن يكتم كل صوت يعارضه ويلجم كل رأي يخالفه، وكلنا نحس بتلك اللذة الخفية حينما نرى من يخالفنا وقد قمع بأي شكل كان ولكن متى أدركنا أن الحفاظ على حق من يخالفوننا في التعبير عن آرائهم هو الضمانة الأولى للحفاظ على حقنا نحن في التعبير عن آرائنا سنكون أكثر ارتياحاً لسماع رأي المخالفين، ولا بأس حينها من أن تكره رأي غيرك ولكن لا تسعى لإسكاته حتى لا يأتيك من يسكتك بعدها بذات سلاحك.

العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة