جعجعة إيرانية على هامش التوافقات الروسية الإسرائيلية الأمريكية

بنظرة تحليلية دقيقة ومتأنية يمكن ملاحظة بعض الأسباب التي دفعت إيران إلى إجراء "عرض العضلات" الذي قدمته خلال الأيام الماضية.

السبت، 17-10-2015 الساعة 14:34


في بداية تشرين الأول/أكتوبر 2015 قال العميد مرتضى قرباني، رئيس مؤسسة متاحف الثورة الإيرانية، إن ألفي صاروخ جاهزة لضرب السعودية إذا أصدر مرشد الثورة أوامره بالتنفيذ. وأضاف قرباني، الذي يعد أحد المقربين من قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني، في معرض تهديده للسعودية: "على الإيرانيين اليوم أن لا يخافوا من التهديدات التي تطلق من قبل الأعداء لأننا في الحرب مع العراق صمدنا بأقل التجهيزات العسكرية، ولكن اليوم إذا أصدر المرشد خامنئي الأوامر بضرب السعودية فلدينا 2000 صاروخ جاهزة لإطلاقها باتجاه السعودية من أصفهان". مشيراً إلى أن "خطوط دفاع الثورة الإيرانية باتت اليوم في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، ونحن على أهبة الاستعداد لتطبيق أوامر المرشد الإيراني خامنئي، للتحرك في أي مكان لأنه هو من يقود هذه البلاد والثورة ولأنه ممثل الإمام المهدي المنتظر في العالم" !!

لم تمض سوى أيام على هذا التصريح الفج تجاه المملكة العربية السعودية، الذي جاء على خلفية توتر العلاقات بين البلدين بعد حادثة تدافع الحجاج في مشعر منى، حتى أعلنت إيران على لسان وزير دفاعها، حسين دهقان، يوم الأحد 11 أكتوبر/تشرين الأول 2015، عن نجاح أول تجربة لها لصاروخ باليستي عابر للقارات أطلقت عليه اسم "عماد"، تم تصميمه وإنتاجه من قبل وزارة الدفاع الإيرانية، ولم تبين إيران سبب تسمية الصاروخ بهذا الاسم، إلا أنه لا يخفي دلالته للقيادي في حزب الله "عماد مغنية"، الذي اغتالته إسرائيل في دمشق عام 2008، كما اغتالت نجله "جهاد" في القنيطرة عام 2015 مع مجموعة من الضباط الإيرانيين.

كما عرض التلفزيون الإيراني يوم الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول 2015 وللمرة الأولى صوراً لقاعدة إيرانية تحت الأرض، تحتوي صواريخ من مختلف الأنواع، وقال قائدها الجنرال أمير علي حجي زاده، إن هذه القاعدة تقع على عمق "500 متر تحت الأرض" بحيث تصعب إصابتها خلال هجمات معادية محتملة، وإنها ليست الوحيدة في إيران، مضيفاً أنه يوجد بها صواريخ جاهزة للاستخدام في أي لحظة، مهدداً من وصفهم بـ"الأعداء" بـ"حممها".

وفي اليوم التالي (الخميس) أكد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، علاء الدين بروجردي، من دمشق استعداد بلاده لدرس إرسال مقاتلين إلى سوريا في حال طلبت منه ذلك. وقال بروجردي، خلال مؤتمر صحافي رداً على سؤال حول دعم إيراني جديد يتضمن إرسال مقاتلين: "عندما يكون ذلك عبارة عن طلب من سوريا فإننا سندرسه ونتخذ القرار، ونحن جادون في التصدي للإرهاب". وأضاف: "قدمنا مساعدات من أسلحة ومستشارين لكلا البلدين، سوريا والعراق، وطبعاً أي طلب آخر منهما ستتم دراسته في إيران".

بنظرة تحليلية دقيقة ومتأنية يمكن ملاحظة بعض الأسباب التي دفعت إيران إلى إجراء "عرض العضلات" التي قدمته خلال الأيام الماضية، وكعادتها تحشد وتطبل وتمهد لمثل هذه الأمور من قبل وسائل الإعلام التابعة لها سواء الناطقة بالفارسية أو العربية، لكن يبدو هذه المرة أن الأمر اختلف عن عروضها السابقة؛ فلم يقتصر على إجراء مناورات في الخليج أو مضيق هرمز أو في الصحراء الإيرانية، بل أصبح اللعب على المكشوف وعلى مستوى استهداف وتدمير العواصم من خلال الصواريخ الباليستية الاستراتيجية بعيدة المدى؛ الأمر الذي يجعلنا، ونحن نعيش في منطقة تشكل دائرة استهداف أولى لإيران، نتوقف كثيراً عند هذه التطورات ونأخذها على مستوى عال من الجدية.

لا شك أن إعلان إيران عن تجربة إطلاق صاروخ باليستي متطور في هذا التوقيت يحمل أبعاداً ورسائل سياسية وعسكرية كثيرة، وزعتها إيران على مجموعة من الأطراف الفاعلين في منطقة الشرق الأوسط؛ ابتداءً من الولايات المتحدة وانتهاء بالمملكة العربية السعودية مروراً بحليفتها روسيا إضافة إلى إسرائيل، وكل من يقف في وجه الأطماع التوسعية الإيرانية في المنطقة، إضافة إلى جرعة معنويات كبيرة للشعب الإيراني ولحلفائها في المنطقة.

فقد أعلنت طهران عن نجاح تجربة صاروخها الباليستي الأول من نوعه في يوم تشييع أحد أكبر قادتها الذين قتلوا حتى الآن في سوريا؛ وهو الجنرال حسين همداني، وفي نفس اليوم الذي أقر فيه البرلمان الإيراني الخطوط العريضة لمشروع قانون يتيح لحكومة الرئيس "حسن روحاني " تطبيق الاتفاق النووي المُبرم مع الدول الست ( 5+1)، ويبدو لهذين الأمرين دلالات داخلية تستهدف الشعب الإيراني لدعم حكومة "روحاني" التي فشلت في تنفيذ الوعود التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية؛ وعلى رأسها تحسين مستوى المعيشة ودخل الفرد، وإلغاء العقوبات المفروضة على طهران، من خلال ترويج هذه التجربة على أنها إنجاز تاريخي للأمة الإيرانية، وحرف أنظار الشعب الإيراني عن الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها القوات الإيرانية على الساحة السورية خلال الأشهر الأخيرة، والمتمثلة باغتيال أبرز قياداتها العسكرية.

لا شك أن التغاضي الأمريكي عن الانتهاكات الإيرانية لقرارات مجلس الأمن الدولي التي تفرض على طهران الامتناع عن تطوير برامجها المتعلقة بالأسلحة الباليستية، ومنها القراران 1747 لعام 2007 و1929 لعام 2010، اللذان فرضا على إيران استيراد أو تصدير أنواع معينة من الأسلحة، والتوقف عن أية أنشطة من شأنها إنتاج صواريخ استراتيجية قادرة على حمل رؤوس نووية، وحظر إرسال قوات عسكرية خارج أراضيها، إضافة إلى فرض عقوبات على العديد من الأفراد والكيانات والمؤسسات المشاركة في الأنشطة النووية أو المتعلقة بالصواريخ الباليستية. هذا التغاضي هو ما دفع إيران إلى فرض أجندتها التوسعية، والتدخل العسكري السافر في شؤون دول المنطقة من العراق إلى سوريا واليمن، ونشر خلاياها التجسسية في عدد من دول الخليج لتوتير الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط التي تعيش على صفيح ساخن منذ احتلالها للعراق عام 2003، وتسليم مقاليد السلطة لأحزاب موالية لطهران.

وكان أول التغاضي الأمريكي عن الانتهاكات الإيرانية هو السماح للمليشيات الإيرانية بالقتال إلى جانب القوات الأمريكية والعراقية في بلاد الرافدين بحجة مكافحة الإرهاب، وتزويد العراق والنظام السوري بكافة أنواع الأسلحة، ومدهما بالقوات والمليشيات المدربة في معسكرات الحرس الثوري الإيراني. ولم يتوقف الأمر على غض واشنطن الطرف عن الانتهاكات الإيرانية لقرارات المجتمع الدولي، بل عملت على دعمها سياسياً من خلال إعادة تأهيلها للعب دور عسكري وأمني في تقاسم النفوذ في المنطقة، من خلال الاتفاق الذي أبرمته معها باسم المجتمع الدولي لتسوية ملفها النووي بعد مفاوضات ماراثونية استمرت نحو 12 عاماً.

بالعودة إلى الرسائل التي أرادت إيران إرسالها من خلال هذه التطورات العسكرية المتلاحقة يمكن تفنيدها كالآتي:

- أرادت إيران توجيه رسالة للولايات المتحدة أنها أصبحت لاعباً أساسياً في الشرق الأوسط لا يمكن تجاهله في أية صفقة يمكن أن تبرمها مع روسيا لتقاسم المصالح في المنطقة.

- كما أرادت طهران أن توجه رسالة ضمنية لحليفتها روسيا بعد تدخلها العسكري الصريح في سوريا، مفادها أنه لا يمكن إخراجها من الملف السوري بهذه السهولة بعد كل ما قدمته لنظام "بشار الأسد" من دعم سياسي وعسكري واقتصادي طيلة السنوات الخمس الماضية، وهي تدرك تماماً التململ الروسي من سيطرتها على كافة مفاصل هذا الملف، مؤكدة رغبتها بالتدخل العسكري الصريح على غرار ما فعلته موسكو التي تجاهلت إيران على ما يبدو حتى بتنسيق هذه الضربات كما فعلت مع واشنطن.

- إذاً طهران باتت أيضاً منزعجة من سحب موسكو البساط من تحت أقدامها في سوريا، وتحاول من خلال هذا العرض العسكري أن توصل رسالة للروس بأنها أيضاً باتت دولة تملك صواريخ بعيدة المدى يمكن أن تشترك في الحرب في سوريا إلى جانبها، لتحفظ حصتها ومصالحها في أية تسوية سياسية قد يتم ترتيبها من قبل الروس حول الوضع في سوريا. والتأكيد على أنها قد تنتقل بامتلاكها هذه الصواريخ الباليستية إلى مرحلة الهجوم الدفاعي بمواصفاته الجديدة، رافعة سقف التحدي وملوحة بالتدخل العسكري الصريح خارج الحدود، كما لا يمكن فصل هذه التجربة عن سير الأحداث في المنطقة وتوتر علاقاتها مع المملكة العربية السورية؛ ابتداءً من عاصفة الحزم التي شنتها الرياض ضد حلفائها الحوثيين هناك وانتهاءً بحادثة منى في مكة المكرمة والتي أودت بحياة مئات الحجاج، بينهم إيرانيون.

- إخفاء طهران الإعلان عن المدى الذي يمكن أن يصل إليه صاروخها الوليد يعكس رغبة إيرانية بإبقاء هذا الأمر سراً عسكرياً، رغم تأكيدها إمكانية توجيهه حتى بلوغ هدفه، ربما لأسباب تقنية تعكس عدم تأكدها من هذا الأمر حتى هذه اللحظة على الأقل، فهذه الصواريخ تحتاج لخبرات تراكمية طويلة لا يمكن الحكم عليها من أول تجربة، والدليل على ذلك أخطاء الصواريخ الروسية التي أطلقتها من بوارجها المتمركزة في بحر قزوين أهدافها وسقوطها في الأراضي الإيرانية، رغم التطور العسكري الكبير الذي تملكه روسيا في هذا المجال منذ عشرات السنوات.

- أما على الجانب الإسرائيلي ورغم تضمين إيران الإعلان عن تجربتها رسالة موجهة إلى إسرائيل من خلال تسمية الصاروخ باسم القيادي في حزب الله عماد مغنية، إلا أن حقيقة الأمر تبدو غير ذلك فكلنا يعرف أنه لا وجود لإسرائيل في قائمة الأهداف الإيرانية، ولا يوجد عداء مع إسرائيل في صميم العقيدة الإيرانية، رغم التطبيل الإعلامي الذي تتبناه طهران وتل أبيب منذ سنوات، بل أن الأهداف الإيرانية تتمحور حول تقوية نفوذها خارج المنطقة الاستراتيجية الإسرائيلية، وبالتحديد في دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، إضافة إلى سوريا والعراق ولبنان.

- أخيراً، يمكن القول إن عرض العضلات العسكرية الذي قدمته إيران خلال الأيام الأخيرة بات مفهوماً لأغلب المحللين السياسيين والعسكريين، ويتوجب على حكومات دول المنطقة أن تعي ذلك وتدرك الخلفيات التي تطمح طهران إلى تحقيقها من وراء ذلك وتأخذها على محمل الجد؛ لأن العسكر في إيران يريدون جر المنطقة إلى حرب شاملة يقطفون ثمارها لوحدهم في نهاية المطاف، بعد تدمير المنطقة عن بكرة أبيها، وبقاء إيران وإسرائيل الدولتين القويتين في المنطقة تمهيداً لتقاسم المصالح والنفوذ مع الدول الكبرى، تحت ذرائع شتى على رأسها الدور الذي يجب أن تلعبه في محاربة الإرهاب.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة