جفاف دجلة والوعي العراقي الزائف

يتساءل الكاتب: كم مشروعاً طورته الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003؟ وكم مشروعاً أسسته أو شجعت على تأسيسه؟

الأحد، 03-06-2018 الساعة 14:35


من يتابع ردات الفعل العراقية، وخصوصاً الشعبية منها، يشعر وكأن قرار سد أليسو قد اتخذ اليوم فقط، وأن الناس ناموا ليستيقظوا على خبر جديد كالزلازل أو الكوارث الطبيعية التي تحصل عادة بطريقة مفاجئة.

أيها السادة المنتفضون غيرة على عراقكم المثقل بالأزمات، أحب أن أؤكد لكم وأذكركم بأن هذا القرار عمره الآن عشرات السنين، وبدأ مخطط تنفيذه فعلاً منذ أكثر من عشرة أعوام، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين كانت حكومتكم الموقرة من هذا الأمر؟

وأين هي من الاستفادة المثلى من ماء دجلة والفرات، قبل أن يتم تنفيذ هذه المشاريع من قبل الآخرين؟

كم مشروعاً طورته الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003؟ وكم مشروعاً أسسته أو ساهمت أو شجعت على تأسيسه؟ وما مقدار الدعم الذي قدمته للمزارعين والصناعيين في مجال الصناعات الغذائية تحديداً؟ وأين ذهبت أموال الميزانيات الانفجارية خلال السنوات الماضية؟ ولماذا الإصرار على أن يبقى الاقتصاد العراقي اقتصاداً ريعياً رغم كل الإمكانات والطاقات التي تؤهله للتحول إلى اقتصاد إنتاجي؟

وأين هو التركيز على طرق الزراعة والري الحديثة للاستفادة المثلى من ماء دجلة والفرات والأرض الخصبة التي حول ضفافهما، التي سميت يوماً بأرض السواد لشدة خصوبتها وكثرة أشجارها ونخيلها وزروعها؟

وأين هي إدامة الأنهار والسدود واستراتيجية أمن المياه التي جعلتها أغلب الدول الحديثة في أعلى سلم أولوياتها؟

الكثير من تقارير الخبراء تحدثت عن نسب كبيرة من هدر المياه تحصل في العراق لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بإدامة الأنهار، ومنها ما يحصل بسبب ظهور النباتات الضارة والأحراش قرب مجاري النهرين وروافدهما، فهل وضعِت معالجات حقيقية في هذا المجال؟ وهل تمت الاستفادة من العديد من البحوث المحلية والخارجية التي قدمت حلولاً آنية وقراءات مستقبلية؟

تفيد التقارير أيضاً أن نسبة كبيرة من الماء تذهب لتصب في مياه الخليج المالحة دون استغلالها بطرق صحيحة ونافعة، وهي نقطة جوهرية ليست في مصلحة المفاوض العراقي عندما يجلس على طاولة التفاوض مع الطرف الآخر وهي تركيا.

اقرأ أيضاً :

شاهد: سد تركي يضع نهر دجلة على حافة الجفاف

قبل أن نلقي باللوم على الآخرين في اتخاذ قراراتهم لمصلحة بلدانهم علينا أن نجيب عن كل هذه الأسئلة وغيرها، تركيا مثلاً تستفيد من هذه الثروة المائية استفادة تامة؛ فهي تدعم الزراعة والصناعات الغذائية والحيوانية دعماً كبيراً، وقد وصلت إلى مرحلة أنها تصدر أكثر من 1300 منتج من منتجات هذه القطاعات إلى أكثر من 100 دولة حول العالم، وفقاً لتقارير محلية تركية وخارجية، فما هو حجم استفادتنا في المقابل من هذه الثروة المائية؟ لقد أصبحنا نستورد حتى الخضراوات اليومية من دول الجوار! وباتت مساحات واسعة من الأراضي القريبة من النهرين بحاجة إلى إعادة تأهيل لتعود صالحة للزراعة.

من جانب آخر فإن هذه المشاريع المائية تستخدم في تركيا لتوفير الطاقة الكهربائية، حيث يتوقع الخبراء إنتاج 1200 ميغاواط من مشروع أليسو الذي افتتح مؤخراً وحده، فأين هي خطط ومشاريع الحكومة العراقية بالمقابل، وهي التي تعاني من شح كبير في الطاقة الكهربائية؟

يفرحنا كثيراً أن يكون هناك وعي للتفكير بمصلحة البلد، وأن ينتبه العراقيون- أخيراً- إلى المشاكل الحقيقية والأزمات المستقبلية التي سيواجهونها بدلاً عن المشاكل المفتعلة التي ظهرت مع المحاصصة الطائفية والتي يثيرها السياسيون بصورة دورية لتحقيق أغراضهم الخاصة.

لقد أدارت الطبقة السياسية العراقية البلد وفقاً لمبدأ المحاصصة المقيت، والمغالبة والمناكفة السياسية، وكانت تقدم خطاباً طوباوياً ديماغوجياً يقوم على كسب أصوات الناخبين عبر إثارة المخاوف وتضخيم المهددات المفتعلة، وليس خطاباً برامجياً يعمل على تحقيق الآمال والطموحات ويقدم حلولاً ومعالجات لمشاكل حقيقية ومستقبلية تتعلق بالحياة اليومية للفرد والمجتمع ومتطلبات الأمن القومي.

لذلك فإن هذا الوعي الذي يتشكل اليوم، ينبغي ألا يكون وعياً منقوصاً أو زائفاً، بل يجب أن يبدأ من محاسبة الطبقة السياسية والحكومات المتعاقبة على تخبطهم الإداري وفشلهم السياسي وعدم اكتراثهم لما جرى ويجري في البلد وحوله، حيث انصب جل اهتمام الطيف السياسي عموماً في المرحلة الماضية على المحافظة على موطئ قدم داخل المنطقة التي يطلقون عليها تسمية "المنطقة الخضراء"، في مفارقة عجيبة مع تهديدات الجفاف والتصحر التي سيعاني منها البلد خلال القرون، وربما العقود القادمة، بسبب تخبط سياسات القائمين على إدارة الدولة العراقية.

ثَمَّ مفارقة أخرى تقفز إلى الأذهان بين يدي الأزمة الحالية بين تركيا والعراق، فقد تسلم الحزب الحاكم في العراق (حزب الدعوة) والتحالف الذي ينتمي إليه دفة الحكم بعد عامين تقريباً من استلام حزب العدالة والتنمية دفة الحكم في تركيا، وبعيداً عن المقارنة بين الممارستين السياستين، وما بينهما من عناصر تشابه أو افتراق، فإننا لا نجد وجهاً للمقارنة من حيث الأداء والنتائج.

لذلك فإننا في العراق نحتاج قبل لوم الدول الأخرى إلى مؤسسات قوية في كل مستويات ودوائر السلطة، يكون همها الوطن والمواطن، وعند ذاك سنراها تصارع من أجل سيادة البلد وحدوده وحقوقه وحاضره ومستقبله، وإلا كان هذا الوعي الذي خلفته أزمة المياه الجديدة جزءاً من الوعي الزائف ليضاف إلى تزييف الوعي الذي مورس بحق العراق والعراقيين خلال أكثر من عقد ونصف من الزمان.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة