حادثة شارلي إيبدو ودعوات الهجرة إلى فلسطين المحتلة

فلسطين لا تزال محتلة ولن يهدأ بال لأصحابها الأصليين إلا باسترجاعها وعودتهم إليها.

الجمعة، 16-01-2015 الساعة 12:56


في خطوة لا تخلو من ارتباطها بالمشروع الصهيوني الإحلالي في فلسطين، وسعياً لتحقيق الحلم بـ"يهودية الدولة"، لم يتردد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي في استغلال ما حدث لصحيفة شارلي إيبدو والمركز التجاري في باريس مطلع الشهر الجاري، ليدعو يهود فرنسا للهجرة والعيش في فلسطين المحتلة، وليدعو على التوازي وزير إسكان الاحتلال إلى توسيع المستوطنات لاستيعاب "تيار المهاجرين"، معتبراً حسب قوله أن يهود فرنسا "صهاينة حقيقيون"، وما مشاركة نتنياهو في صدارة مسيرة التضامن مع الشعب الفرنسي إلا محاولة لطمأنة من يرغب بالهجرة، ولنفس السبب مارس الأخير ووزير خارجيته ضغوطاً هائلة على عائلات القتلى اليهود الأربعة لدفنهم في فلسطين، على الرغم من أنهم لا يحملون الجنسية الإسرائيلية.

لتحقيق ما يصبو إليه الاحتلال، بدأت الماكينة الإعلامية ببث الإشاعات والمخاوف من بقاء اليهود في فرنسا، ومن أن "اليهود الليبراليين في فرنسا يعترفون بأن الخوف على إرسال أبنائهم إلى المدارس الحكومية يسيطر على حياتهم"، مع العلم بأن هذا النوع من الدعوات والتصريحات يسيئ إلى دول الاتحاد الأوروبي عموماً، وإلى فرنسا على وجه الخصوص وإلى أسس الديموقراطية فيها.

هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استغلال أحداث عالمية لدعوة اليهود في العالم للهجرة والعيش في فلسطين، فقد سبقها استغلال انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي ودعوة اليهود الروس للهجرة..، وكذلك الأوضاع الاقتصادية وحالات الفقر في إثيوبيا وغيرها.. وهذا يدل على حجم المأزق الديموغرافي والتخبط السياسي الذي يعيش فيه الكيان لتحقيق رؤيته المستقبلية بتكريس أن "إسرائيل" هي الأرض الوحيدة الآمنة في العالم لليهود، فمعظم مستوطنات الضفة الغربية المحتلة فارغة من السكان، ونسبة مَن يريد مِن الإسرائيليين التخلي عن جنسيته الإسرائيلية في تصاعد مستمر، والهجرة المعاكسة في ازدياد على الرغم من حجم المغريات والدعوات للهجرة.

تناقلت الصحافة الصهيونية ارتفاع نسبة الذين تقدموا بطلبات للتخلي عن جنسيتهم الإسرائيلية عام 2014 بمعدل لا يقل عن 65 بالمئة، وذلك بالمقارنة بالمؤشرات التي تم تسجيلها عام 2013، ويعتبر هذا تطوراً ملحوظاً في سياق الهجرة المعاكسة؛ فقد أشارت مراكز دراسات وأبحاث صهيونية إلى أن معدل الهجرة اليهودية المعاكسة بين عامي 2000 و2010 وصل إلى عشرين ألف مهاجر سنوياً؛ بسبب "الوضع الأمني غير المستقر، وانعدام الثقة بالسلطة الإسرائيلية الحاكمة، والنظام الاقتصادي المنهار"، وتقارير صهيونية في نيسان/أيار 2007 أشارت إلى أن "حوالي ربع الإسرائيليين يدرسون إمكانية الهجرة ونحو نصف الشباب يفكرون في الهجرة"، وكشفت القناة العبرية الثانية مساء الخميس 2015/1/8 عن وصول عدد الراغبين في الهجرة من دولة الاحتلال إلى العاصمة الألمانية برلين وحدها إلى تسعة آلاف، وذلك وفقاً لمنظمة حملة "النزول إلى برلين" من بينهم ضابط في جيش الاحتلال، وأن أحد المنظمين قد طالب المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بالموافقة على منحه 25 ألف تأشيرة عمل لإسرائيليين "سئموا ضيق العيش في إسرائيل"، مضيفاً أنه "يطمح في امتداد حملة الهجرة إلى برلين، إلى مدن أخرى في العالم من بينها واشنطن ونيويورك ولندن وميامي ولوس أنجلس وبراغ وكوستاريكا وروما".

المعركة الديموغرافية مع الكيان ليست بالحديثة فقد بدأت منذ قبل قيام دولة الكيان في العام 1948، ولم تفلح محاولات تكريس الرواية الصهيونية بأن فلسطين كانت أرضاً بلا شعب استحقها شعب بلا أرض، ولم يفلح بلفور حين وعد أن يعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، وفشلت "الوكالة اليهودية للهجرة" بزيادة عدد اليهود الصهاينة في فلسطين من خلال التشجيع على زيادة النسل وتغطية النفقات والاحتياجات، أو محاولات استجلاب اليهود من مختلف دول العالم وإطلاق الوعود وسياسة الإغراء بالعمل والأمن والاستقرار.

بعد حوالي 67 سنة هي عمر النكبة لا يزال 88 بالمئة من اللاجئين موجودين في فلسطين والدول المحيطة بفلسطين (48 بالمئة في فلسطين الانتدابية و40 بالمئة في الدول المحيطة)، أما دعوات الاحتلال لهجرة يهود فرنسا إلى فلسطين المحتلة، فستبوء بالفشل كما فشلت سابقاتها من الدعوات. نعم لن يتوقف الاحتلال باستجداء مطالبة اليهود بالهجرة، وبالمقابل لن يجد أي مهاجر الاستقرار أو الأمان، ففلسطين لا تزال محتلة ولن يهدأ بال لأصحابها الأصليين إلا باسترجاعها وعودتهم إليها وطرد الصهاينة المحتلين.. طال الزمان أم قَصُر..

*المنسق الإقليمي لمركز العودة الفلسطيني / لندن – المنطقة العربية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة