حارث الضاري وداعاً يليق بك

كان يريد العراق واحداً موحداً وكانت آخر كلماته على فراش المرض: "أتمنى أن أموت قبل أن أرى العراق مقسماً".

الأربعاء، 18-03-2015 الساعة 08:27


قليلة هي الكلمات التي يمكن لها أن تصف الرجال الرجال، وأقل منها تلك التي تكون قادرة على أن تطرّز بياض الورقة في حضرة غياب أحد أهم الشخصيات العراقية التي ساهمت بشكل كبير في أن يبقى العراق عراقاً واحداً، رغم كل سنوات تزييف الوعي وتهجين وتدجين الشعب التي مورست بحق العراقيين منذ الاحتلال الأمريكي لبغداد عام 2003 وحتى يومنا هذا.

يمثل الشيخ حارث الضاري الذي وافته المنية الخميس الماضي في إسطنبول، قامة عراقية فذة، سيقف أمامها التاريخ طويلاً، فهو الذي أثبتت الأيام صوابية رايته ومنهجه في التعامل مع الاحتلال الأمريكي منذ 2003 وحتى وفاته، وهو الذي ثبت في عز تقلب قلوب الرجال، وفي ذروة تغيير أحوال الناس.

قد نتفق أو نختلف مع هذا الرجل، ولكن الأكيد أن الجميع سيثبت لهذا الرجل نقاء سريرته وصفاء قلبه وبياض يده، فهو خرج من الدنيا لا يملك من حطامها شيء، وهو الشيخ ابن الشيخ حفيد الضاري الشيخ، الذي "هز لندن ضاري وبجاها" ذات يوم، في عشرينات القرن الماضي، يوم أن ضرب قائد حاميتها "ليجمن" وأجهز عليه، ليصيب الخبر المملكة التي لا تغيب عنها الشمس بمقتل، وتبدأ تدريجياً بالانسحاب من العراق.

كان بإمكان الضاري أن يكون اليوم على رأس قائمة أثرياء العراق والعرب، كما فعل غيره من أرباب العملية السياسية، لو قبل بما عرض عليه من مناصب ومغريات دنيوية، كنت شاهداً على إحداها، ولكنه أبى ورفض ولم يكن يساوره شك بصوابية موقفه.

ما زلت أتذكر الأيام الأولى التي عرفت بها الشيخ الراحل، كان ذلك قبيل معركة الفلوجة الأولى 2004، زرته في جامع أم القرى ببغداد، الذي كان مقراً للهيئة قبل أن تستولي عليه حكومة نوري المالكي، جلست معه قبل أن انتقل مع نجله، الدكتور مثنى حارث الضاري لإجراء لقاء صحفي لإحدى وكالات الأنباء الأجنبية، وهنا أدون شهادة للتاريخ، فيومها قال ابن الضاري، إن هيئة علماء المسلمين لن تدعو إلى مقاطعة الانتخابات، لأن هذا شأن الناس، ولكننا سنقول إن "شنت أمريكا حربها على الفلوجة فإننا سندعو للمقاطعة".

اتُهمت الهيئة بشخص أمينها العام، الشيخ حارث الضاري، بأنها هي من أبعدت العرب السنة عن العملية السياسية، وأنها هي من أضرت بمصالحهم بسبب مقاطعتها لهذه العملية السياسية، وهو افتراء لا يمكن أن يقبله أي باحث أو متابع لسير الأحداث التي جرت وما زالت تجري في العراق.

كانت هيئة علماء المسلمين بشخص أمينها العام الشيخ حارث الضاري، تريد للعراق والعراقيين وحدة صف تمكنهم ليس من طرد الاحتلال وحسب، وإنما أيضاً إعادة ترتيب أوراق وطنهم بعيداً عن الطائفية والمناطقية التي كانت مشروع الاحتلال الأمريكي، فرفض التصنيفات، وقاوم حتى دعوات أبناء طائفته السنة، بأن يعلنها طائفية وخاصة في أعقاب مجزرة الحويجة التي ارتكبها نوري المالكي رئيس الوزراء السابق بحق المعتصمين عام 2013.

لم يكن طائفياً أو مناطقياً، كان عراقياً قلباً وقالباً، كما كان حال جده الشيخ الضاري، الذي لعب دوراً كبيراً في ثورة العشرين، كان الضاري الحفيد، عراقياً خالصاً، دعا أن يكون العراق للعراقيين.

يحسب للضاري أنه كان أول من صدح بالحق وعلا صوته يوم أن كانت الأصوات خائفة مختبئة، ويحسب أنه كان يرى نهاية العملية السياسية حتى قبل أن تبدأ، ويحسب أنه كان يرى في أن صحة العراق وعافيته لا يمكن لها أن تكون إلا عبر كل العراقيين، بلا تمييز وطائفية.

سألته ذات مرة، البعض يلومكم لأنكم لا تسمون الأشياء بمسمياتها، ولا تقولون إن الشيعة يشنون حرباً إقصائية ضد السنة، قال إن هذا الكلام غير صحيح، فمن يشنون هذه الحرب هم أحزاب السلطة، المدعومون من إيران.

كان يريد العراق واحداً موحداً، كما عاش فيه وعرفه، آخر كلماته على فراش المرض قبل وفاته: "أتمنى أن أموت قبل أن أرى العراق مقسماً".

رحل وترك وراءه عراقاً مثخناً بالجراح، عراقاً يراد لبغداده أن تكون عاصمة لامبراطورية فارس، ولكن ما زرعه الضاري أثمر وسيثمر، رجالاً، آمنوا بصدق دعوته وصوابية رؤيته، ومن تابع ردات الفعل على وفاة هذه القامة العراقية الشامخة، أدرك ذلك، فأكثر من 12 بلداً عربياً وإسلامياً أقيمت فيها سرادق العزاء، ليكبر السؤال الذي يوجه لأرباب العملية السياسية، ترى من سيذكركم؟ وإذا ذكركم فبماذا؟

رحلت شيخي، وأنت لي أب بعد والدي، ففي غربتي لم أبك إلا وفاة والدي ووفاتك التي هزتني، أتذكرك، فما من مرة زرت الدوحة، حتى سألت عني قبل أن أسال عنك، كنت أخجل من نفسي، ولكن تواضعك كان أمضى، مرة سألتك، متى ستبتسم يا شيخي، قلت، ودمعة رقراقة تهم بالنزول: "عندما يتحرر العراق".

نم قرير العين أبا المثنى، فوالله إن مثلك يهنأ بموته، فلقد قدمت ما يشفع لك يوم العرض على رب العزة.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة