حبس الكويتي مسلّم البراك.. زيت قضائي فوق نار سياسية

جاء الحكم بحبس المعارض الكويتي البارز مسلم البراك ليصب زيتاً قضائياً في نارٍ سياسية مشتعلة، أصلاً، في الكويت.

الخميس، 03-07-2014 الساعة 01:27


كان ذلك في عام 2012، حينما حصل المعارض الكويتي البارز مسلّم البراك على أعلى عدد من الأصوات في التاريخ البرلماني الكويتي، جامعاً نحو 31 ألف صوت في دولة عدد سكانها دون الـ4 ملايين نسمة. يومذاك كان البراك صاحب "الذِّكر" الذي لا ينقطع عن ألسنة الكويتيين، واليوم هو كذلك، بعد أن نال، أمس الأربعاء، حكماً بالحبس 10 أيام احتياطياً على ذمة التحقيق بسبب اتهامه قضاة بأخذ رشاوى.

جاء الحكم ليصب زيتاً قضائياً في نارٍ سياسية مشتعلة، أصلاً، في الكويت؛ فالرجل الذي يلقب، على نطاق واسع، بـ"ضمير الأمة" له امتداد عريض في الشارع الكويتي، ويحظى بشعبية جارفة، صنعتها مواقفه السياسية، ومناوشاته الدائمة للحكومات الكويتية المتعاقبة.

في الكويت، الآن، أصوات متصاعدة تربط الحكم القضائي، بطريق الاستنتاج ودون أدلة، بمواقف مسلم البراك السياسية، وبنشاطه الواسع في مراقبة الأداء الحكومي الذي طال أفراداً في الأسرة الحاكمة، كما حصل بُعيد انتخابات 2012 البرلمانية الشهيرة التي حصدت فيها المعارضة أغلبية المقاعد، والتي شكل بعدها مسلم البراك وزملاؤه لجاناً للتحقيق في الفساد، وصلت أيديها إلى عدد من أعضاء الأسرة الحاكمة الذين تم استدعاؤهم للمثول أمامها تحت قبة مجلس الأمة الكويتي، وكان منهم وزير الخارجية السابق محمد الصباح، الرجل القوي في الأسرة. لكن أحكام القضاء، بعد ذلك، عبست في وجه تلك الانتخابات، وحكمت ببطلان برلمان 2012.

"يا مسلّم"

في ذلك التاريخ اشتعلت نقاط التماس بين المعارضة والحكومة، وأخذت منحىً تصعيدياً ازداد فيه نشاط البراك وزملائه الذين وقفوا في الصفوف الأمامية ضمن حراك سياسي اتخذ له شعاراً "يا مسلم يا ضمير الشعب كله"، ولم ينته حتى الآن.

مسلم البراك، الذي ولد في عام 1956 وتخرج في كلية الجغرافيا، هو "الرجل الهمجي" عند معارضيه، و"صوت الشعب" عند أطياف من الشعب الكويتي.

شكل وجبة سياسية دسمة لنشرات التلفزيونات وصفحات الجرائد، وضيفاً شبه دائم على جدول أعمال مجلس الوزراء، بما يتمتع به من نزق ثائرٍ ورثه عن أبيه الذي مارس العمل السياسي في مرحلة باكرة من عمر الكويت السياسي، عندما شارك في عام 1938 في أول إضراب عرفته دولة الكويت ضمن ما سمي "إضراب سائقي التاكسي"، والذي سجن بسببه أياماً عدة، قبل أن يصبح لاحقاً عضواً في البرلمان.

وسار البراك الابن، بـ"وفاء" نادر، على درب أبيه، واقتحم السياسة من بوابة النقابات، فترأس نقابة عمال البلدية والإطفاء، ثم شغل مناصب قيادية أخرى، قبل أن يصبح الأمين العام للاتحاد العربي لعمال البلديات.

تدرّجه صعوداً في العمل السياسي أكسبه شجاعة كانت، خلال عمله النقابي، سبيله المثلى لقيادة مظاهرات "القميص والبنطلون" الشهيرة، رفضاً لقرار الحكومة بارتداء لباس رسمي للعمل خلافاً للزي الوطني، مُرغماً الحكومة على التراجع عن قرارها. ذاك كان أول أهداف مسلم البراك في مرمى الحكومة الكويتية.

الرجل الثالث

تلك المظاهرات "كشفت الستر" عن مواهب قيادية في شخصية مسلم البراك، ونسجت عرشاً له في قلوب الكويتيين، فاكتسب مزيداً من الثبات والقوة على طريق المعارضة السياسية في نقد أداء الحكومة، ودخل الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى عام 1992 وحصل على 1341 صوتاً لم تمكنه من الجلوس على أحد كراسي مجلس الأمة الكويتي، لكن الرجل بعد ذلك التاريخ شق طريقه بقوة، و"مخر" عباب السياسة الكويتية، فحصد المركز الأول، بعدد الأصوات، في كل الانتخابات التي خاضها منذ عام 1996، باستثناء نسخة 2003 التي حلَّ فيها ثانياً دون أن يمنعه ذلك من دخول مجلس الأمة، بموجب القانون الذي كان يمنح العشرة الأوائل في كل دائرة انتخابية حق دخول البرلمان.

لم يكن تصنيف صحيفة نيويورك تايمز له كثالث أقوى معارض، ضد سرقة المال العام والفساد في العالم، من فراغ، فمع أن المادة 54 من الدستور الكويتي تنص على أن "الأمير رئيس الدولة وذاته مصونة لا تمس"، فإن صوت البراك تجاوز بكثير سقف المادة الدستورية، حينما اخترق كل الخطوط الحمر والاتفاقات الضمنية بين الحكومة والمعارضة، ووقف في ساحة الإرادة في العاصمة ووجه كلامه للأمير شخصياً، في ندوة عرفت باسم "كفى عبثاً"، ما كلفه حكماً بالسجن خمس سنوات. لكن الحراك الشعبي الذي هبَّ مناصراً له انتهى بإخلاء سبيله بكفالة نقدية بعد أيام من اعتقاله.

وأظهر مسلّم البراك، في تلك المعركة، عناداً شديداً، رغم أن الخصم المفترض هذه المرة كان الأمير ذاته، فقد قال حينها: "أقول للشعب سيكون البراك خلف القضبان أقوى من البراك خارج القضبان". وأعطت كلماته إيحاءً بأن الرجل ولد معارضاً بالفطرة.

ينتعش في الكويت، هذه الأيام، سوق التأويلات، وربط الأحداث بعضها ببعض، فذاكرة الكويتيين ما زالت "لزجة" بمسيرات 10 يونيو/ حزيران الماضي التي طافت شوارع العاصمة الكويتية، والتي اتهم فيها البراك عدداً من مسؤولي الحكومة السابقين، من بينهم أفراد في الأسرة الحاكمة، بسرقة 50 مليار دولار وإيداعها في بنوك دول عدة من بينها إسرائيل، ودعّم كلامه، أمام الآلاف من أنصاره في المسيرة، بعرض صور على شاشة عملاقة قال إنها صور لحسابات هؤلاء المسؤولين وتظهر تحويلات وإيداعات مالية ضخمة في حساباتهم.

ورُبطت هذه الاتهامات، في وقت لاحق، باتهامات ظهرت في شريط مصور حول تآمر مفترض لمسؤولين سابقين من أجل تنفيذ انقلاب، ورد في دعوى تقدم بها العضو في الأسرة الحاكمة الشيخ أحمد الفهد الصباح.

وآخر ذكرى تركها مسلم البراك في خطابه، كانت قطعة من القماش الأبيض في يده قال إنها كفنه في حال تمت تصفيته من قبل "الفاسدين" الذين يعمل على كشف فسادهم.

ثمة في الكويت من يقول إن الحبس الاحتياطي لن يوقف مسيرة مسلم البراك "التهديفية"، بعد أن اعتادت شباك الحكومة على تلقي أهدافه، كما في قضية البدون، التي تجاوز فيها منظمات حقوق الإنسان، في اتهامه كل الحكومات الكويتية السابقة بعدم تنفيذ أي من وعودها للبدون.

ويخشى سياسيون ومراقبون، من أن يكون البراك، الذي أضاف إلى سجله القياسي لقب أول نائب برلماني في تاريخ الكويت تؤلف أغانٍ شعبية باسمه، الشرارة التي انقدحت في برميل السياسة الكويتي الذي يفيض بالنفط، لدرجة استشعر خطرها أمير البلاد ذاته عندما دعا إلى التهدئة، وطالب بترك المسألة للقضاء صاحب اختصاص البت فيها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة