حذار من الخداع الإيراني المستمر (2)

مصطلح الطائفية خرج من مفهومه الكمّي العددي ودخل في متاهات إيديولوجية وفلسفية وعقدية وفكرية واستراتيجية.

الاثنين، 22-02-2016 الساعة 11:51


يكثر الحديث عن الطائفية خصوصاً في السنوات الأخيرة وقد تصاعدت حدّتها مع ما يجري في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وهو ما عاشته أوروبا بالعصور الوسطى بين البروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس، كما عاشت ذلك دول عربية قبل الحملة الفرنسية على مصر والشام.

مصطلح الطائفية خرج من مفهومه الكمّي العددي ودخل في متاهات إيديولوجية وفلسفية وعقدية وفكرية واستراتيجية على المقاس، ليس المجال للخوض فيها لكن ما يهمنا في هذه الكلمات العابرة أن نجيب على سؤال مهم:

من هو الطائفي في الصراع السنّي الشيعي؟

طغى تبادل التهمة الطائفية حول الصراع الشيعي السنّي القائم منذ قرون والذي يظهر جلياً في لبنان والعراق وسوريا واليمن وغيرهم، وبحجم أقل بكثير بالنسبة للأقباط والمسلمين في مصر أو العرب والأمازيغ في شمال أفريقيا.

لقد استورد الليبراليون والعلمانيون العرب مصطلح الطائفية وأسقطوه على مقاييسهم، ثم عملوا على مناهضته من زواياه الدينية فقط لحسابات أخرى ضد الإسلام، وتجاهلوا جذوره وتطوراته السياسية والاستراتيجية والعرقية والعصبية، وقد استغلّ الشيعة ذلك بقيادة فارسية لأجل الترويج لمعتقداتهم وأفكارهم ومخططاتهم، فهم ينشرون التشيّع في كل الدول الإسلامية، وعندما يُتصدّى لهم من أي طرف يتهمونه بالطائفية، حتى وصل الحال لدرجة أن من يذكر مصطلح الشيعة تلاحقه التهمة بشناعة، وهو ما خدم مشروع الخميني كثيراً.

المشكلة التي يتغاضى عنها في خضم هذه الهستيريا هو عدم التحقيق في الجذور، فمثلاً نجد على المستوى العقدي أنه لا يوجد أي مقدس شيعي يتعرض للطعن والسبّ والقذف لدى أهل السنّة، فأهل البيت لهم قداستهم التي لا يختلف فيها بين اثنين من أهل السنّة، ومن يطعن فيهم له حكمه الشرعي يصل لحد التكفير.

الأئمة أيضاً مقدسون ولهم مكانتهم المرموقة جداً، لكن ليس على الطريقة الشيعية التي بلغ الغلو فيها لدرجة التأليه والعبادة لأضرحتهم، أو رفع مقامهم لدرجة تفوق النبوّة، ووفق روايات أغلبيتها خرافية لا أساس لها.

بالنسبة للروايات حول الحديث التي يحشو بها الشيعة كتبهم، فأهل السنّة يردونها وفق منهج معروف في علم الحديث، كما جرى مع رواة سنّة أيضاً.

لو عدنا إلى الفكر الشيعي فنجد كل مقدّس عند أهل السنّة يرفسه الشيعة تحت أقدامهم، ويتطاولون عليه في حوزاتهم ومعابدهم ومنتدياتهم الخاصة، ولم يسلم حتى الأنبياء ولا عرض الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيضاً غالبية الصحابة يتهمونهم بالردة وصل لأشياء أخرى غير أخلاقية لا يمكن تخيّلها.

القرآن يقولون بتحريفه وهو ما أقرّ به الكاشاني والبحراني وغيرهما، ويوجد كتاب "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب" لحسين النوري الطبرسي خصصه للأمر، وهو معتمد لدى الشيعة وأشاد به مراجعهم وحتى المعاصرون مثل الخميني زعيم الثورة الإيرانية.

الخطير أيضاً في المعادلة الطائفية هذه أن الشيعة بنوا دينهم كلّه على الانتقام ممّن قتلوا الحسين رضي الله عنه منذ نحو 14 قرناً، ووفق روايات مطعون فيها لدى المؤرخين المحايدين والموضوعيين والمنهجيين، ويتهمون في ذلك أهل السنّة جميعاً حتى من لم يعايش ذلك العصر أو لم يولد بعد، ويرون أن الذي لا يؤمن بالولاية ولا يكفر بالخلفاء ويطعن فيهم هو مشارك في قتل حفيد النبي عليه الصلاة والسلام.

راح هذا الحقد يتصاعد ووصل ذروته حتى تحوّل كل سنّي في نظر الشيعي إلى مجرد ناصبي يجب قتله لأنه كافر بولاية علي وهو قاتل للحسين أيضاً. في المقابل لا توجد أي أحقاد تاريخية موروثة من هذا القبيل لدى أهل السنّة والجماعة، بل يضعون الصحابة في مقام واحد ويعفون ألسنتهم عن الخلاف الذي وقع بينهم وذهب لحاله.

في ظل هذه الثنائية المتناقضة بين شيعة يطعنون في كل شيء سنّي وسنّة يردون على العقائد التي تستهدفهم ويدافعون عن مقدساتهم، ويطالبون الشيعة بأن يتوقفوا عن طعن يؤدي إلى الردة والكفر كما أفتى جمهور العلماء.

وإن سلمنا جدلاً وبتحفظ أن ما يحدث بين الطرفين هو طائفية، فمن هو الطائفي إذن؟

بلا أدنى شكّ أن الطائفي هو الذي يتواجد في وضع هجوم على مقدسات غيره، أما من يدافع عن نفسه ويكشف طائفية المهاجم من خلال معتقداته التي تحولت إلى مليشيات إجرامية، فلا يمكن أن يتهم بأيّ شيء من هذا القبيل بل هو يعالج الداء بكشف حقيقته.

خصوصاً أن هذا المخيال العقدي اتخذ أبعاداً استراتيجية وقومية خطيرة، ولو عدنا إلى ما يجري في العالم الإسلامي لوجدنا أن الصفويين الذين ركبوا التشيّع يحتلون جزر الإمارات وبلاد الأحواز العربية، ودمروا العراق ولبنان وسوريا واليمن وعينهم على البحرين والسعودية والكويت والإمارات ومصر والجزائر وغيرهم.

في حين أن أهل السنّة لم يفعلوا شيئاً ضد مشروع الثورة الخمينية باستثناء حرب صدام في الثمانينيات التي كانت دفاعية أكثر منها هجومية، فحتى في سوريا لم تتدخل الدول السنّية عسكرياً كما فعلت إيران وملالي العراق و"حزب الله" اللبناني حيث يذبحون السوريين على الهوية.

وفي إطار الحديث عن الطائفية في سوريا، فقد كنت ضمن بعثة مراقبي جامعة الدول العربية في العام الأول من الثورة، ومن خلال جولاتنا في الأحياء الثائرة لم نلمس أي خطاب طائفي، في حين أن الأحياء الموالية سمعنا فيها ما يندى له الجبين عن الصحابة رضي الله عنهم، وثارات الحسين وزينب لا تسبى مرتين وغيره.

وفي هذا السياق نذكر شهادة نشرها المحامي السوري نادر جبلي على صفحته في الفايس بوك في 2016/2/20 وهو من الطائفة المسيحية، حيث قال:

"كنت التلميذ المسيحي الوحيد بين ألف مسلم على الأقل في مدرستي الابتدائية في يبرود، وكنت مدلّلا معزّزا محبوبا من الجميع، مدرسين وطلاب، لم يجرح شعوري أحد، ولم يزعجني أحد بسبب انتمائي لدين مختلف، وأحتفظ عن تلك الأيام بأجمل الذكريات.

عندما كان نظام القتلة يقيم الاحتفالات في باب توما المسيحية، لإظهار المسيحيين في حالة فرح وبهجة وتماهٍ مع النظام، كنت أتقصّد زيارة مجالس العزاء في مدن الغوطة مع وفد مسيحي، لعلنا نساهم في إخماد ردّات الفعل الطائفية قدر الإمكان، فكنا نُفاجأ بمستوى الود والمحبة والتقدير الذي كنا نحظى به من قبل ذوي الشهداء.

في معتقلي الأول والثاني كنت الوحيد غالبا بين المسلمين في الزنازين التي كنا نُحشر بها، وكنت أخشى من ردّات فعل بعض المعتقلين بسبب مواقف الطوائف المسيحية من الحراك الثوري، لكنني كنت أفاجأ أيضا بمقدار المحبة والتقدير الذي كنت ألاقيه، والذي كان له أكبر الفضل في بقائي على قيد الحياة..

نصف قرن ونيف عشتها في سوريا قبل خروجي، ترعرعت خلالها وتعلمت وعملت بين المسلمين، وأشهد أنهم لم يكونوا يوما إلا أهلا وأصدقاء وأخوة..

لا أسعى مما تقدم لإبراز مسيحيتي، فهذا آخر ما يهمني، فأنا سوري أولا وثانيا وثالثا وعاشرا.. ومسيحيتي وغيرها من عناصر الهوية هي تفصيل صغير أمام سوريتي.. وما دفعني لقول ذلك هو نقاش مزعج دار اليوم مع بعض قصيري النظر وعميان القلوب.

لا تستطيع قوة في الأرض إقناعي بطائفية المسلمين في سوريا، أو بتطرفهم، أو بكراهيتهم للأقليات، وما نشهده اليوم من ممارسات إنما هو ردات فعل تسببت بها قوى ومضخات الكراهية والحقد التي يديرها نظام مجرم وحلفاء لا يقلون إجراما".

كما أذكر أن ناشطين مسيحيين رافقوننا في مهمتنا، وصلّوا معنا حتى صلواتنا كمسلمين، ولم نكن نعرف بمسيحيتهم حتى تفاجأت لاحقاً من خلال وسائل الإعلام لما قتلهم نظام الأسد وأقيمت جنازاتهم في كنائس "افتراضية" –إن صحت التسمية- بسبب محاصرتهم من طرف النظام بأحياء كلها للمسلمين ولا توجد بها كنائس.

الأمر نفسه بالنسبة للأحياء السنّية فقد كانوا يرفعون شعارات مناهضة لطائفية النظام ويؤكدون أن الدم السوري واحد، وأن عدوهم هو نظام الأسد ليس بسبب علويته بل لأنه مستبد وطائفي.

التصادم القائم بين الشيعة والسنّة هو أكبر من مصطلح الطائفية المتعارف عليه؛ لأنه صراع بين عقيدتين متناقضتين واحدة تريد إبادة الأخرى لتراكمات تاريخية متعددة، جسدتها في إطار "مظلومية" تعمل على تكرارها عبر صور مختلفة، ومحاربة ذلك وفق المنظور الغربي يجب أن يأتي بتطهير المراجع من أي معتقد يحثّ على الكراهية ويطعن في مقدسات الآخر، وهذا الذي لن نجده مطلقاً لدى السنّة في حين لو يفعلها الشيعة فلن يبقى من دينهم أي شيء، ولهذا فالقضية عندهم مسألة وجود ديني خصوصاً مع الصفوية، كما أن الأخطر هو التبشير الشيعي في البلاد السنيّة وهو ما يخلق أقلية قد تؤدي إلى حروب طائفية قذرة، وهذا ما نراه في مخططات تصدير ثورة إيران إلى دول الخليج وأفريقيا من شمالها إلى جنوبها.

لقد تأكد أن الطائفي هو الشيعي الذي يهاجم السني بكل الوسائل سواء عقدية أو سياسية أو عسكرية، وليس السنّي الذي يدافع عن عقيدته ونفسه، ومن يقول غير ذلك فهو لا يعرف شيئاً عن الركام العقائدي في الفكر الشيعي وتحولاته عبر التاريخ.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة