حرب الأفكار في الخليج

حرب الأفكار التي تطلّ برأسها في عمل نثري وقصيدة شعرية ومعرض فني وقائمة متطاولة من الدراسات والبحوث.

الخميس، 04-12-2014 الساعة 11:47


إنها حرب الأفكار إذ تدور رحاها على رقعة الخليج، يعيدنا المصطلح إلى عهد الرئيس ريغان في مواجهة الشيوعية، ثمّ خطاب الصقر رمسفيلد، وزير دفاع بوش الابن، في مواجهة "الإرهاب" المنسوب إلى المسلمين.

غابت المقولة عن واشنطن العاصمة وظهرت مجدداً في بعض أنحاء الخليج، لتتشكّل حرب الأفكار من خلال مضامين إعلامية، ومشروعات ثقافية، وحملات إعلامية متلاحقة، وكثير من الشعارات. وفي صولات المواجهة وجولاتها يجري تدشين مراكز بحث ومعاهد دراسات مكرّسة لخوض غمار المواجهة، تحت لافتات مثل "مواجهة التطرف" أو "مكافحة الإرهاب الفكري". ويتجنّد طابور طويل من المتحدثين والمعلقين لاستنساخ المقولات ذاتها وتداولها في منابر شتى، ويلتحق بهم باحثون عن الدور والمال من بلاد العرب والعالم.

تجري محاولات الهيمنة على مضامين الشبكات الاجتماعية، وتباشر الأغلفة الملوّنة تعبيرها عن شعارات منسوجة بعناية، تتقمّص التوجيهات والتعليمات. وتتسلّل الحرب إلى الأعمال التلفزيونية والدراما الرمضانية التي تدفع بحلقات يمجِّد بعضها أجهزة الأمن مع شيطنة مخالفي الوجهة السياسية، وتتعدّد الشواهد على نزعة التماهي بين الشاشة والمخفر.

ولمّا كانت التيارات الإسلامية المعتدلة والحركات الإصلاحية وشعارات الحرية والديمقراطية والمشاركة الشعبية، موضوعة جميعاً في سلّة الاتهام؛ يبدو من العسير ضبط حدود المعركة على الوعي، تماماً كما يصعب فهم قوائم الإرهاب السخية في قدرتها الاستيعابية. أمّا التوجّه لمناهضة التطرّف والإرهاب والتوجهات الإسلامية؛ فيسهُل عليه أن يتقمّص مناحي الإثارة الإعلامية الغربية، حتى بلغ الأمر أن ظهرت تعبيرات الإسلاموفوبيا الكامنة في الصور والمشاهد مثلاً، في مضامين إعلامية منسوبة إلى الخليج.

وفي ظلال حملات سياسية وأمنية شديدة الوطأة؛ تجتهد حرب الأفكار في هجومها على مضامين ورموز وتوجّهات، دون أن تفصح عن بديل فكري محدّد أو متماسك يمكن الأخذ به. إنها تتولّى إزاحة أفكار ولا تملك سوى شعارات مشفوعة برموز الدولة. تُزاح مرافعات منادية بالإصلاح، لصالح مقولات الخصوصية التي تبرر الاستثناء من قواعد الاجتماع السياسي التي تسري على المجتمعات الإنسانية. وستأتي نشرات الأخبار مكلّلة بإنجازات لا تنتهي تجري "حسب التوجيهات"، بما يبرهن على سلامة النهج وصلاح الوجهة.

ثمّ يبقى السؤال عن حال السياسات الثقافية في الخليج ومآلاتها تحت وطأة هذا كلِّه. فهل يجوز أن تسقط الأعمال الثقافية في قبضة الحملات الموجهة؟ وأي إبداع ستتفتق عنه التعليمات الصارمة بخوض المعركة على الوعي؟ أي قصائد شعرية ستُكتب، وأي لوحات ستُرسم، وأي كتب ستؤلّف؟

من تشغله أسئلة كهذه؛ ما عليه سوى تعقّب الإصدارات الجديدة من الدوريات الثقافية الخليجية مثلاً، ليعثر في بعضها على عناوين تقفز بين يديه متبنّية المضامين الدعائية المُعلّبة. إنها حرب الأفكار التي تطلّ برأسها في عمل نثري، وقصيدة شعرية، ومعرض فني، وقائمة متطاولة من الدراسات والبحوث.

على راسمي السياسات الثقافية في الخليج أن يجيبوا على أسئلة ملحّة؛ إن كانت الثقافة قاطرة أم مقطورة؟ وإن كانت وجهة هذه المغامرة الثقافية معروفة ومحددة؟ ثم .. هل من بصيص نور في نهاية النفق؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

واشنطن | ترامب: تركيا أظهرت أنها ليست صديقاً جيداً بعد احتجازهم رجلاً بريئاً