حرب عالمية رابعة في الشرق الأوسط

"نقصد بالحرب العالمية، تلك الحرب التي يشترك فيها تحالف دولي يزيد على عشرين دولة فما بالك بالحرب على العراق".

الثلاثاء، 26-08-2014 الساعة 09:43


نشبت الحرب العالمية في الشرق الأوسط عام 1991، عندما هوجم العراق من جيوشِ أكثر من ثلاثين دولة، عربية وأجنبية، وألحقت به الهزيمة، رداً على احتلاله للكويت، وما برحنا نعاني من تلك الهزيمة المرة. والحق أن احتلال الكويت كان خطأ تاريخياً لا يغتفر، قابله العرب، في أواخر القرن العشرين، بجاهلية وأخطاء سياسية لا تغتفر.

ولد تنظيم القاعدة من رحم الحرب الأفغانية- السوفييتية، في ثمانينيات القرن الماضي. وكان وقود تلك الحرب، مالاً ورجالاً من العرب، ولا ينكر ذلك عاقل، انسحب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان مهزوماً، في اعتقادنا، ودخلت جحافل الجيوش الغربية إلى أرض العرب قاصدة العراق، وفعلت به ما فعلت. هنا نما وترعرع واشتد عود تنظيم القاعدة، أي بعد الحرب على العراق، ومن ثم احتلاله من قبل تلك القوات عام 2003.

نقصد بالحرب العالمية، تلك الحرب التي يشترك فيها تحالف دولي يزيد على عشرين دولة، فما بالك بالحرب على العراق التي اشترك فيها أكثر من ثلاثين دولة ومن قارات مختلفة، وعلى رأس تلك القوة المسلحة كانت جيوش الدول الصناعية الأوروبية، الأكثر تطوراً في صناعة السلاح، وهذا كله في مواجهة دولة من دول العالم الثالث، هي العراق.

توالد تنظيم القاعدة وتكاثر، وانتشرت ذريته في هذه الدنيا، طالت أفعاله "الإرهابية" دولاً كثيرة، من عربية وأوروبية وأمريكية وأفريقية، وما برح ذلك التنظيم يهدد استقرار الكثير من الدول. أُعلنت الحرب العالمية على ذلك التنظيم، بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، وكانت النتيجة -كما أسلفنا- احتلال أفغانستان وإتمام المهمة في العراق. لم يتوقف تنظيم القاعدة عن أنشطته ضد الدول الغربية وحلفائها في الشرق الأوسط، في حين استطاعت تلك الحرب على القاعدة القبض على بعض قياداتها، كما تزعم الدول المتحالفة، وتم القضاء بعد سنين من الملاحقة والمطاردة على زعيمها أسامة بن لادن في غارة أمريكية نوعية على مخبئه في الباكستان.

عند هذه اللحظة، اعتقد البعض أن التنظيم مات وانتهى دوره، لكن ذلك فهم خاطئ، رغم أن الحرب على التنظيم أخذت منحى جديداً منذ ذلك الحين، بالركون إلى طائرات دون طيار، واعتقالات، وملاحقات لكل من حوله شك، أو اعتقاد بصلته بأي فرد من أفراد التنظيم، من دون نسيان العمل على تجفيف الموارد المالية للتنظيم، كما اخترعت العبقرية الأمريكية آليات عدة لمراقبة الحركة المالية عبر العالم؛ مثل رقم حساب بنكي له أكثر من عشر خانات، مسبوقة برقم سري معرف ومحدد يُسهِّل على السفارات الأمريكية، في كل دول العالم، من مراقبة حسابات الأفراد والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وإلى أين تتجه الأموال. وفرضت تعاون كل دول العالم مع ذلك النمط من الرقابة المالية، بذريعة تجفيف منابع المساعدات المالية. وفات على العبقرية الأمريكية مبدأ أن لكل داء دواء، ولن تعجز المنظمات السرية عن إيجاد طرق بديلة للحصول على التمويل المالي بعيداً عن أعين الرقابة العالمية.

في هذا الشهر، أغسطس/ آب 2014، أعلنت الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وحلفاؤها من العرب وغيرهم، الحرب العالمية الرابعة. والهدف المعلن هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (تنظيم داعش)، ويشترك في هذه الحرب كل بطريقته: الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الاتحاد الأوروبي، وإيران والعرب، ولكن الجهد الحربي لهذه الدول ينحصر في العراق حتى كتابة هذه المقالة، من دون تعدي ذلك إلى سوريا، حيث المأوى المهم لتنظيم "داعش"، وتشير التحليلات إلى عدم ضم المجال السوري في هذه الحرب على داعش، خشية احتمال إيقاع أضرار بإسرائيل، والرأي الآخر يقول بالتركيز على الجبهة العراقية، لأن هناك حقول نفط غنية واحتياطياً نفطياً كبيراً، وأن حماية حلفاء أمريكا وأوروبا في كردستان ضرورة غربية، وكذلك قهر الجهد السني كي لا يلحق أضراراً بحلفاء أمريكا من الطائفة الشيعية، والذين تحالفوا معهم لاحتلال العراق وتدمير الدولة فيه، وجعلها نهباً لكل لصوص العالم.

إن هزيمة تنظيم "داعش" أمر ليس بالسهل، لكن، يمكن تحجيم دوره، ولكنه من المحتمل أن يتحول إلى منظمة سرية تطيح بكل من تعاون على دحر تمدده في العراق. ويبقى السبب الأساسي الذي قام من أجله داعش ليس طمعاً في الهيمنة والسيطرة بقدر القضاء على الظلم والقهر والاستبداد والطغيان والحرمان، وهي سمات الوضع الذي طال جميع أتباع أهل السنة في العراق وسوريا، وأماكن أخرى من عالمنا العربي، أن الغرب كله، والولايات المتحدة الأمريكية، أسهموا في دعم أنظمة الفساد والاستبداد وحمتهم، والنموذج المعبر عن هذا التوصيف شاخص أمامنا لدى النظام القائم في دمشق، والآخر في بغداد، بقيادة "حزب طائفي (حزب الدعوة) متخلف، أنه عشيرة بائسة تافهة تعبانة لا دين عنده ولا أخلاق" تلك شهادة أدلى بها عزت الشابندر من العراق.

يمكن القول، إذا كانت الحرب في أفغانستان على الاتحاد السوفييتي في ثمانينيات القرن الماضي، وأحداث عام 1990-1991 في الخليج، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، أدت إلى توسع تنظيم القاعدة وتمدده في معظم القارات، وانتشاره في الدول العربية والغربية دون أن يهزم حتى الآن، وإنما تولد عنه تنظيمات أشد عنفاً وأصلب عوداً وأكثر تمويلاً وأقوى تسليحاً وتدريباً، ذلك هو تنظيم داعش الذي أُعلنت عليه الحرب العالمية اليوم في العراق. ولا تخلو أسباب نشأته من تقاعس المجتمع الدولي والعربي عن نصرة الشعب السوري في ثورته ضد نظام بشار الأسد ونوري المالكي في العراق.

إن الحرب على "داعش" ستولد تنظيماً أكثر عنفاً ونفيراً وتسليحاً متمتعاً بمجال حيوي، يكون أكثر قدرة على حمايته. إن ذلك التنظيم اكتمل تشكيله وتسليحه وتدريبه أن تنظيم "الحوثي" في اليمن، والذي تمكن، في مطلع شهر أغسطس/ آب الحالي من السيطرة على محافظة عمران بالكامل، مخرجاً الجيش اليمني منها، وحربه في الجوف اليمني على أشدها، وبالقرب من منابع البترول في اليمن والسعودية جنوباً، وسيطر على مداخل العاصمة صنعاء، وخيم جنده وأنصاره حول الوزارات السيادية في العاصمة، لم تستطع الطائرات الأمريكية من دون طيار الحد من تمدد الحوثيين، وعجز الجيش اليمني عن هذه المهمة أيضاً.

آخر القول: نيران التنظيمات الإسلامية مشتعلة، والحرب دائرة على محيط دول مجلس التعاون الخليجي، من دمشق إلى بغداد إلى صنعاء، حروب تأكل كل الأخضر واليابس، نيران يكاد لهيبها يحرق جبال السروات وأودية تهامة وصولاً إلى قلب جزيرة العرب، والخلايا النائمة في الخليج في كل زاوية والكل منشغل بصغائر الأمور، وعلى الأرائك متكئين.

(بوابة الشرق)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة