حروب غزّة وحروب الآخرين على غزّة

معلوم أن الدوحة بادرت آنذاك إلى عقد قمة بمن حضر، عشية القمة العربية الاقتصادية في الكويت، حيث التقى جميع القادة العرب وكانت فرصة لتسجيل موقفهم حيال غزّة.

الاثنين، 21-07-2014 الساعة 11:18


منذ العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو 2006 بات هناك شرخ في مواقف العرب؛ إذ تباينت ردود الفعل في البداية قبل أن تعود فتتقارب ولو ظاهرياً خلال اجتماع وزراء الخارجية في بيروت للإعراب عن التضامن مع لبنان. فمع استنكار العدوان ودعوة مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار بوقفه، كان هناك من بدأ بتوجيه لوم إلى «حزب الله» بسبب خطف جنود إسرائيليين داخل الأراضي اللبنانية وتوفير «ذريعة» للعدو كي يشن هجوماً استمر ثلاثة وثلاثين يوماً.

ولم يخلُ هذا التباين من تراشق باتهامات ظلت محل تساؤل وتشكيك في صحتها. وكان واضحاً أن بعض الدول أسقطت خلافاتها الثنائية على الحدث، وفي الوقت نفسه كان العرب دخلوا عملياً صراعات الاستقطاب الإقليمي التي ستصبح لاحقاً أكثر سخونةً وضراوةً. عندما بدأ العدوان الإسرائيلي على غزّة بمجزرة كبرى حصدت عشرات من رجال الأمن، حين استهدفوا بغارة وحشية ظهيرة السبت 28 ديسمبر 2008 وهم متجمعون في إحدى ساحات المدينة، لم يتأخر التباين في الظهور إذ حصلت المجزرة قبل ساعات من اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في مسقط تمهيداً للقمة الخليجية السنوية. وتضاربت الاقتراحات آنذاك، خصوصاً بين السعودية وقطر، بشأن الدعوة إلى قمة عربية طارئة لإعلان موقف موحد من هذا العدوان.

ومعلوم أن الدوحة بادرت بعدئذ إلى عقد قمة بمن حضر، وذلك عشية القمة العربية الاقتصادية في الكويت حيث التقى جميع القادة العرب وكانت فرصة لتسجيل موقفهم حيال غزّة. ورغم أن العاهل السعودي فاجأ الحضور بمبادرة مصالحة مع سوريا، إلا أن معسكري «الاعتدال» و «الممانعة» كانا قد ارتسما وقسّما العالم العربي وأدخلاه في صراعات ما لبثت أن انعكست على ربيع تحولاته وخريفها.

كان هذان المعسكران يعبّران عن خيارين أو مفهومين متناقضين، السلام والمقاومة، في مقاربة الصراع العربي-الإسرائيلي. لم يحصل معسكر «الاعتدال» على السلام الذي كان ينشده، بل إن التواطؤ الإسرائيلي - الأمريكي حطم هذا الهدف الذي دأبت القمم العربية على اعتباره «استراتيجياً»، ولم يثبت «المعتدلون» منذ البداية أن لديهم خطة وعزماً على خوض خيارهم للحصول على سلام مشرف وقابل للعيش. أما معسكر «الممانعة» فأراد أولاً أن يسجّل أن الخيار العسكري ضد العدو الإسرائيلي لا يزال ممكناً، ثم إنه سجل ثانياً دخول إيران حلبة الصراع مع إسرائيل وإدراجه في سياق استراتيجي آخر يتعلق بصراع إيران نفسها مع الولايات المتحدة ودول الغرب، كما أنه أدى ثالثاً إلى إيجاد تناغم وانسجام بين الخط الإيراني وتيار الإسلام السياسي العربي بمعظم أطيافه.

وقد تمكن هذا المعسكر من إقامة حال مقاومة مسلحة من خلال لبنان («حزب الله») وغزّة (حركة «حماس» والفصائل الحليفة لها) يساندها النظامان الإيراني والسوري (قبل أن يغرق الأخير في أزمة داخلية حرص على تصويرها بأنها «مؤامرة» دولية عليه بسبب اعتماده خط المقاومة)، لكنه لم يستطع تغيير ما توافق عليه العرب من ترجيح لنهج السلام حتى بعدما غدا شيئاً بين الوهم والسراب. وكما حصلت مطلع 2009 تجاذبات، بعض منها عربي وآخر دولي، فأخرت التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزّة حتى نهاية الأسبوع الثالث للعدوان، كذلك أدّت تجاذبات مماثلة إلى إطالة عدوان 2014، وبالتالي إلى مزيد من الضحايا والمصابين الفلسطينيين وإلى دمار أكبر في غزّة.

ربما لم يعد واقعياً الحديث عن المعسكرين إياهما؛ إلاّ أن صراعهما مستمر وإنْ طرأ تغيير عليهما، مثلما أن ظروف المنطقة برمتها آخذة في التبدّل. لكن، في العمق، كان منطقياً أن تتطلع غزّة إلى هدنة تتيح لغزّة ظروف حياة أفضل، أي أن ما بعد العدوان يجب أن يكون مختلفاً عما قبله، خصوصاً أن إغلاق مصر للأنفاق وتدمير معظمها قطع شرايين الحياة بالنسبة إلى القطاع، ولم يعوّضها بفتح المعابر، بل إن الحصار تضاعف من الجانبين المصري والإسرائيلي. وسواء كانت الذرائع أمنية أو سياسية فإن الحصارات تحوّلت استفزازاً يومياً لا يمكن التعايش معه كما لو أنه وضع عادي أو مبرّر. ثم إن استمرار التحليق والإغارة لطيران العدو، وما يرافقها من اغتيالات وهجمات، شكّل سبباً دائما للاحتكاكات. أما أن تكون فصائل غزّة توصّلت إلى بناء نظام ردعي قوامه الصواريخ فهذا من أبسط مقوّمات الدفاع عن النفس، بغضّ النظر عن فاعليته وجدواه.

لعل أخطر ما أظهرته المواكبة العربية للعدوان الجديد هو هبوط ثقافة التضامن إلى مستوى غير مسبوق من الإسفاف؛ إذ انعكس الانقسام الاجتماعي العربي بين أنصار التيار الإسلامي ومناوئيه على النظرة إلى العدوان، وتكاثر إسقاط الخلافات عليها، حتى إن «العدو» في بعض الإعلام المصري كان «حماس» وليس إسرائيل. أياً تكن الأسباب والدوافع فمثل هذه الظواهر، مثل هذه الأصوات، مثل هؤلاء «الإعلاميين» أو المحسوبين على الإعلام لا يمكن أن يكون مقبولاً، ومثلهم أيضاً أولئك الذين أطلقوا العنان لأحقادهم وحماقاتهم وسخافتهم في التغريدات التويترية أو على صفحات الفيس بوك. الأسوأ أن هذه الانفلاتات الإعلامية الوضيعة لا تمثّل سوى شريحة ضئيلة، ولا تعبّر عن موقف المجتمعات العربية التي تبقى في غالبياتها الساحقة ضد العدوان، وهذا أضعف الإيمان. في المقابل دخل الإعلام الآخر بدوره في مبالغات تعطي فكرة معكوسة عن الواقع، ففي حين التزم قادة «حماس» رزانة فائقة في تصوير صمودهم كان هذا الإعلام قد شرع يتحدّث عن انتصارات.

"العرب القطرية"

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة