حروب متداخلة تربطها أمريكا وإيران باتفاقهما المرتقب

تقود واشنطن "الحرب على الإرهاب"، لكن الدول الأكثر نقداً لهذه الحرب هي إسرائيل وإيران وتركيا.

الخميس، 05-02-2015 الساعة 08:29


تقود الولايات المتحدة "الحرب على الإرهاب"، لكن الدول الأكثر نقداً لهذه الحرب وقيادتها واستراتيجيتها هي الدول الثلاث (إسرائيل وإيران وتركيا) المتنافسة حالياً على تقاسم تركة "الرجل المريض"، وهو هنا المشرق العربي، مع بعض الامتداد إلى شمالي أفريقيا حيث يشكّل القتال في ليبيا وفي سيناء جانباً من صراع لم يبلغ ذروة احتدامه بعد، كما لم تتوضّح أبعاده الجغرافية. ويُستدلّ من نقاش الاجتماع الثاني لوزراء خارجية دول "التحالف"، في لندن قبل أسبوعين، أن الحرب كما عُرفت منذ أربعة شهور بلغت أقصى ما تستطيعه: إذ توصّلت من جهة إلى تمكين الأكراد وبعض "الجيش السوري الحرّ" من طرد مقاتلي تنظيم "داعش" من عين العرب (كوباني)، واستطاعت في المقابل أن تساعد "البيشمركة" الكردية على استعادة عدد من المواقع لتأمين إقليم كردستان العراق وإبعاد الخطر عنه. لكن المسألة التي واجهها وزراء "التحالف" مجدداً كانت الحاجة إلى قوات برّية، وعلى رغم أن إدارة باراك أوباما شدّدت منذ البداية على عدم إرسال قوات إلى الأرض، إلا أن مسؤولين سياسيين وعسكريين صرّحوا أخيراً بأن البنتاغون يدرس هذا الاحتمال.

ثمة محور آخر غير مصرّح به لهذا التنافس، وهو يتمثّل تحديداً بتسابق أطراف عديدة، أبرزها الولايات المتحدة، إلى محاربة "داعش" وإلى الأسبقية في استغلال هذا التنظيم تحقيقاً لأهدافها ومصالحها. لكن الحروب الجانبية المتداخلة التي تخوضها هذه الأطراف تزكّي خطاب المتطرّفين عموماً، بما تُفسد محاربة "داعش" المفترض أنها أولوية استراتيجية. فمن ذلك مثلاً، أن الإدارة الأمريكية شهدت أوباما يتخذ للمرّة الأولى قرارات ولو مبتورة للتدخل في الخارج، سواء لأن مقتضيات "القيادة" و "الزعامة" وضعته على المحك، أو لأن أمريكا ساهمت قبل رئاسته وخلالها في دفع المنطقة إلى نفق لن تخرج دولها منه كما كانت، وينبغي عدم ترك التحكّم بخروجها منه لآخرين. في المقابل كان "فيتو" أوباما نفسه هو ما أحبط مشروعاً عربياً في مجلس الأمن لا يطمح لأكثر من وضع حدّ زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وبناء على التفاوض.

ورغم أن إنقاذ المنطقة من الإرهاب هدفٌ معلنٌ للحرب إلا أن العرب داخل "التحالف" أو خارجه، لم يشعروا أبداً بأنهم سائرون على هذا الطريق. بل إنهم مقتنعون بأن ما جاء بـ"داعش" ليس موضع نظر ولا معالجة، لا سياسات إيران وإسرائيل وجرائمهما، ولا انتهاكات النظامين العراقي والسوري وجرائمهما. ثم إن الأمريكيين يميلون أكثر فأكثر إلى التعامل مع صانعي الإرهاب تحقيقاً لمصالحهم. ووفقاً للمعطيات الراهنة فإن المستفيدين من الحرب هم بالأحرى صانعو الإرهاب، الذين لبسوا للمناسبة أزياء محاربته. إذ تخوض إيران الحرب برسم خطوط حمر لها في العراق كما في سوريا، فلا قوات على الأرض إلا تلك التي تأتمر بضباط إيرانيين، ولا تسليح إلا للمجموعات التي أسستها ودرّبتها، ولا قرار تتخذه بغداد أو دمشق إلا بموافقة "خبرائها" ومندوبيها أو بالعودة إلى المرشد عند الحاجة.

تخوض إيران الحرب غير مهتمّة بما يفعله "التحالف"، رغم أنها تستفيد من غطائه الجوي. وتقوم قوات من "الحرس الثوري" في العراق بعمليات قتالية في العراق، وترفدها مليشيات "الحشد الشعبي"، كما فعلت أخيراً في محافظة ديالى التي أعلن هادي العامري قائد "منظمة بدر" تحريرها من قوات "داعش" لكنه تغاضى عن أعمال انتقامية ارتكبتها المليشيات في قرى سنّية، من إحراق لمنشآت ومنازل للأهالي وعملياً اغتصاب، بل جمعت الرجال في قرية بروانة وعمدت إلى تصفية سبعين منهم. ماذا يعني ذلك سوى تأجيج الصراع السنّي - الشيعي وإعادة إنتاج الظروف التي أدّت إلى ظهور "داعش" وانتشاره. يحدث هذا في ظل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب، ويقال للضحايا إن رئيس الوزراء أمر بفتح تحقيق في الأمر مع أن الأهالي اشتكوا من أن المجزرة حصلت بوجود "قوات حكومية".

وفي سوريا كما في العراق تربط إيران "مساهمتها" الحربية بتقلّبات المفاوضات النووية والمفاوضات السياسية الجارية على هامشها. وعندما تقتضي الظروف فإنها تهزّ إحدى "أوراق" نفوذها، فمجزرة بروانة تخدم أهدافها إذ تذكّر بأنها تمسك بمعايير التعايش والتنافر في العراق. والتوتر الأخير في الجولان السوري يأتي في السياق نفسه. كذلك تحريك الحوثيين في اليمن ليستكملوا طرد أي دعم خارجي للسلطة الشرعية، حتى لو كانت مدركة أنها تعبث في رمال متحركة يصعب التحكّم بها. لكنها في سوريا، تحديداً، تتهيّأ لخلط الأوراق، فلديها خطة لإشعال جبهة الجولان، كمناورة أخيرة لضمان بقاء بشار الأسد ونظامه. ومنذ حرب عام 2006 في لبنان، وبلوغ الغارات الإسرائيلية الحدود السورية ثم تهديد إسرائيل بأن أي حرب مقبلة ستشمل سوريا أيضاً، قرر الإيرانيون التحضير للمواجهة التالية بتوسيع نطاق الجبهة ونصب منظومة صاروخية مترابطة بين جنوبي لبنان والجولان، وفوّض إليهم نظام الأسد إعادة هيكلة خططه الدفاعية. بعد سلسلة غارات إسرائيلية خلال العامين الماضيين على مواقع في دمشق ومحيطها، استهدفت شحنات أسلحة وصواريخ متطورة مخصّصة لـ"حزب الله"، أعلن الأسد في مايو/ أيار 2013 أنه سيحوّل الجولان "جبهة مقاومة" وسيعهد بالمهمة إلى مجموعات مقاومة، وهو ما ترجمه حسن نصر الله بعد أيام بالقول: "سوريا ستسلمنا أسلحة نوعية وجبهة الجولان ستُفتح".

بين النظام السوري وإسرائيل "معادلة" أو "قواعد لعبة" ترقى إلى عام 1974، قوامها الهدوء في الجولان في مقابل ضمان النظام في دمشق وتعهّده ضبط الفلسطينيين في لبنان. وقد استدرج هذا التعهّد موافقة دولية وعربية على وصاية سوريا على لبنان، كما أتاح للطرفين اعتباره ساحة للصراع بينهما، تصعيداً وتنفيساً، ما لم يمنع إسرائيل من اجتياح لبنان أكثر من مرة (1978 و1982 ضد منظمة التحرير الفلسطينية، و1996 و2006 لمواجهة "حزب الله" ومن ورائه إيران). كان دخول إيران قد أخلّ بالمعادلة، خصوصاً بعد الانسحاب السوري من لبنان، لكن الانتفاضة الشعبية في سوريا بلورت مصلحة مشتركة لإيران وإسرائيل تمثّلت برغبتهما في بقاء نظام الأسد. وأخيراً اعتبر الإيرانيون أنهم يقتربون من اتفاق مع الإدارة الأمريكية إلا أن "لوبي إسرائيل" سيقصيه، لذلك باشروا نشاطاً ميدانياً لتفعيل "المقاومة" في جبهة الجولان، أولاً لتحدي إسرائيل واستفزازها، وثانياً لمواجهة "ترتيبات تعايش" توصّلت إليها مع فصائل معارضة مسلّحة ناشطة في جنوبي سوريا، وثالثاً لتلميع النظام السوري وإظهار "خروجه" من الأزمة من بوابة الصراع مع إسرائيل.

لم تبدِ إسرائيل بدورها أي اهتمام بـ"التحالف الدولي"، فهي ليست جزءاً منه، وتعتبر مفهومه للإرهاب "ناقصاً" إلا أنها تؤيد وجوده طالما أنه يفتح أمامها خيارات، كما فعلت بذهابها إلى حرب ثالثة ضد غزة. فكما شكّل تنظيم "القاعدة" فرصة انتهزها آرييل شارون بدعم من إدارة جورج دبليو بوش للإجهاز على "عملية السلام" و"اتفاقات أوسلو" المنبثقة منها، يرى بنيامين نتانياهو أن "داعش" فرصة للدفع بأن طبيعة الصراع (العربي - الإسرائيلي) باتت دينية بحتة، ولذلك فإن "الحرب على الإسلام" هي المطلوبة، ويتساوى في ذلك أن يضيف صفة "المتطرّف" إلى الإسلام أو لا يضيفها، لأن إيمان المسلمين العاديين بقضية فلسطين وشعبها يقلق الإسرائيليين أكثر من عنف المتطرفين. ولذلك تبنّى نتنياهو داخلياً خيارات المجموعات الأكثر تطرّفاً في انتهاك المنشآت الدينية الإسلامية، ومن المؤكد أنه سيستغلّ الدعوة المفتعلة من الكونغرس لتضمين خطابه رسالتين: أولهما، أن العدو "العربي" مات ليظهر العدو "الإسلامي" بديلاً منه، وإذ أصبح الفرز الديني استحقاقاً ماثلاً فإن دعم إسرائيل صار يعني دعم يهوديتها لتنتصر على الإسلام. أما الرسالة الثانية، فهي أن البرنامج النووي الإيراني لم يعد هو المشكلة ولا مصدراً للخطر، لكن "القنبلة" الحقيقية التي تمتلكها إيران هي نجاحها في صنع تطرّف إسلامي مسلّح ومنضبط، يعمل بإمرة نظامها، والأهم نجاحها في استغلال التطرّف الإسلامي غير الموالي لها...

الحياة

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة