حزب الله "قوة إقليمية" تتمدد إلى العراق

ليس خبر وجود حزب الله في العراق مفاجئاً تماماً، فقد رشحت أنباء من قبل عن وجود الحزب في بلاد الرافدين.

السبت، 21-02-2015 الساعة 15:13


ليس الخبر عن وجود حزب الله في العراق مفاجئاً تماماً، فقد رشحت أنباء من قبل عن وجود الحزب في بلاد الرافدين؛ نظراً للعلاقات الوثيقة التي ربطته برئيس الحكومة العراقي السابق، نوري المالكي، الذي كان يرعى الوجود المليشيوي في بلاده.

ومع أن حزب الله ليس مؤسسة تجارية أو هيئة علمية أو ثقافية، حتى يكون له وجود وفرع في بلد آخر غير دولة المقر، إلا أن الأمين العام للحزب، السيد حسن نصر الله، اعتبر وجود الحزب المسلح في بلد آخر أمراً طبيعياً، مستدركاً أن هذا الوجود متواضع، بما يشي أن حجم وجود الحزب بعيداً عن "حدود فلسطين المحتلة " قد لا يكون متواضعاً في المستقبل. بهذا، فإن هذا الحزب يمضي بعيداً في صياغة هوية وظيفية له، تفترق عن الهوية التي لازمت نشأته، في ثمانينات القرن الماضي، حركة مقاومة لبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

الهوية التي تتبلور ملامحها أكثر فأكثر تتمحور حول الإسهام المباشر في تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة، والالتزام بالأجندة الإيرانية التي يعبر عنها عادة قادة في الحرس الثوري في طهران، وبعد أن توقفت مواجهة الحزب مع الاحتلال الإسرائيلي منذ حرب العام 2006.

الموقف الذي اتخذه الحزب على استحياء، في البداية، من الانتفاضة السورية، قبل نحو أربع سنوات مثّل البداية الأوضح لانعطافة هذا الفصيل من قوة مقاومة إلى ما يسميه مشايعو الحزب بقوة إقليمية. وهي التسمية التي تطلق عادة على دول، كالقول إن تركيا وإيران والسعودية والدولة العبرية قوى إقليمية، بمعنى إنها دول كبيرة ذات نفوذ وتأثير، يتعدى حدودها إلى الإقليم، لكن التسمية، كما هو بادٍ، تثير الطرب لدى هذا الحزب المسلح الذي أخذ يتدخل شيئاً فشيئاً، وأكثر فأكثر، لقمع حق السوريين في الحرية والكرامة، أسوة بغيرهم من الشعوب. ويتطابق هذا التدخل مع الرؤية الإيرانية التي ترى أن طهران، باعتبارها صاحبة نفوذ متراكم، هي من يقرر مصير سورية، لا الشعب السوري. وبينما أدى القمع الدموي المنهجي، في بلد الأمويين، إلى ظهور جماعات متطرفة مستفيدة من مناخ التطرف الذي أرساه وكرّسه النظام، ومتساوقة مع هذا المناخ، فقد ركز حزب الله دعايته الأساسية على أنه يخوض صراعاً مع التكفيريين في سورية، وقد تناسى الحزب أنه سوّغ مشاركته في الحرب إلى جانب النظام بالدفاع عن المقدسات (مقام السيدة زينب)، وهذا المقام لم يحدث أن مسّه أحد، وهو موضع توقير من كل السوريين.

استغل حزب الله عدم مطالبة المجتمع الدولي له بالخروج من سورية، لمواصلة حربه هناك عن "رئة المقاومة"، وهي رئة تمكنه من التسلح وتعظيم نفوذه في لبنان، على حساب بقية القوى اللبنانية، بما فيها قوى الدولة الشرعية. والآن، ومع أجواء الحرب المشروعة والمطلوبة على داعش في العراق وسورية، من دون أن تقترن هذه الحرب بالدعوة إلى كف أيدي بقية المليشيات غير السورية على الأرض السورية، فإنه أمكن لحزب الله التمدد من سورية إلى العراق، وكان من قبل قد تمدد من لبنان إلى سورية، بغير تفويض من أحد في لبنان أو سورية.

في العراق، هناك نحو 30 مليشيا طائفية، يجري تأطيرها حالياً ضمن "الحشد الشعبي". تتمتع هذه المليشيات بدعم حكومي، بما فيه التمويل، وترتبط بمجلس الوزراء، وعلى نحو أدق، برئاسة مجلس الوزراء. ويتقلد أحد زعماء هذه المليشيات (منظمة بدر) منصب وزير الداخلية. تقاتل هذه المليشيات داعش إلى جانب الجيش العراقي والبشمركة وقوى عشائرية، وإلى جانب قتال داعش، فإنها تمارس كل ما يتفق مع هويتها الطائفية الصارخة ضد المكون الإسلامي الآخر السنّة. وتزخر صفحات الإنترنت بارتكابات سوداء مهولة، تمارسها هذه المليشيات ضد البيئة السنّية.

من الطبيعي أن يكون موقع حزب الله "اللبناني" إلى جانب هذه المليشيات، نظراً للمكون الطائفي الواحد، والمرجعية الإيرانية التي تجمع الحزب بهذه المليشيات التي نمت وترعرعت في ظل حكومة المالكي، وبقيت الرعاية الحكومية لها قائمة مع حكومة حيدر العبادي. ولطالما صرح الأخير أن حكومته لا ترغب بدخول أي قوات برية إلى العراق لمقاتلة داعش هناك، وها هو السيد حسن نصرالله يعلن أن لحزبه قوات بوجود "متواضع" هناك، خلافاً لرؤية حكومة عبادي، وتعهداتها على نفسها. ومن قبل الوجود المتواضع لحزب السيد نصر الله، فقد تواترت، وبدون توقف، الأنباء عن دور قيادي للجنرال قاسم سليماني، في العراق، حيث قتال داعش يستخدم ذريعة ذهبية لتعظيم النفوذ الإيراني، ولمزيد من التغليب الطائفي في مختلف مستويات الحياة العراقية، والذي يشمل التطهير الطائفي (مناطق نقية طائفية)، والاستيلاء على مساجد السنّة وترويع المواطنين. وتتم كل هذه الممارسات باسم مكافحة الإرهاب (!)، وهو العنوان الذي يؤطر سعي إيران، ومليشياتها في المنطقة، إلى الالتقاء مع الغرب في هذه المرحلة، وبناء حلف صامت معه، فيما قرائن هذا التحالف تنطق على الأرض. فواشنطن معنية بالإرهاب ذي المصدر السني فقط، والذي يهدد أشخاصاً غربيين أو مصالح غربية، من دون الينابيع الأخرى للإرهاب في المنطقة الذي لا يؤذي الغرب ولا يهدده، ويكتفي بشن حروب على شعوب عربية، تحت شعار محاربة التكفيريين، وهو الشعار الذي يستخدمه الحلف الإيراني بكثافة، وبتناغم تام بين مكونات هذا الحلف في طهران وبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

فيما أمين عام حزب الله الذي اقترن اسمه بالمقاومة يدعو، في خطابه، يوم 16 فبراير/شباط الجاري، القوى اللبنانية، لأن تشارك مع حزبه "الحرب على الإرهاب" في سورية والعراق. ولعل هذا يتفق مع الفهم الخاص لهذا الحزب في صيرورته قوة إقليمية، تخلف هويته قوة مقاومة. فالحرب على الإرهاب هي المسوغ الجديد للاجتياح الإيراني للمنطقة (محاربة الطاغوت الأكبر أمريكا كانت الشعار في ما مضى)، وهي الأداة التي توفر فرصة لإعادة هندسة المنطقة (يتحدث الإيرانيون عن أن مرحلة سايكس بيكو انتهت)، وكذلك إعادة هندسة الشعوب، كما يجري مع الشعبين، السوري والعراقي، بتسليط التغليب الطائفي عليهما، وتنصيب طهران وصية على الشعبين ومرجعية لهما، تحت طائلة التقويض الكلي لركائز حياة الشعبين في وطنهما، وهو ما ينتظر اليمنيين، في غضون السنوات، وربما الشهور المقبلة، على أيدي الحوثيين، ذراع إيران.

حتى الإمبراطور شاهنشاه إيران كان يتورع عن استباحة الدول والشعوب، على النحو الذي تفعله، منذ سنوات، السياسة الإيرانية "الإسلامية" في منطقتنا.

العربي الجديد

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة
عاجل

الصحة الفلسطينية: استشهاد فلسطيني برصاص #الاحتلال_الإسرائيلي جنوبي الضفة الغربية المحتلة