حسناً.. حان وقت التفرغ لصراعات المنطقة

عندما تقرر الأطراف خوض مواجهة مباشرة أو غير مباشرة فإنّ عليها التفكير في المخارج الآمنة وبخطوط الرجعة.

الجمعة، 17-07-2015 الساعة 11:17


لماذا يبدو التفاهم في بحيرة الخليج ومحيطها العربي مستحيلاً حتى عندما يحصل الاتفاق بين طهران وواشنطن؟

تجاوزت إيران أعباء الماضي وتخلصت من قيود الإيديولوجيا، فمضت إلى التفاوض مع الغرب بدهاء يختطف الأنظار، حتى أبرمت اتفاقها التاريخي مع من كانت تصفه بالشيطان الأكبر. فهل تعجز أطراف المنطقة بعد كل هذا عن شق طريقها لتسكين الآلام المبرحة وتهدئة الحمم التي يجري استدعاؤها من أعماق التاريخ بلا مبرِّر؟

المؤكد حتى الآن أنّ عهداً جديداً من التوازنات الإقليمية في الخليج قد دشّنته الابتسامات المرسومة على وجوه وزراء الخارجية، لدى إعلانهم عن التوصل إلى اتفاق فيينا بين إيران والغرب. تكفي مقولة "الحدث التاريخي" التي جرت على الألسن؛ لتأكيد الإحساس بالمتغيِّر الجسيم الذي يشهده الخليج في هذه اللحظة.

بيد أنها ليست لحظة يسيرة على شاطئ الخليج الجنوبي، إذ يبدو أنّ الأذهان لم تكن قد تهيّأت لفرضية الاتفاق، فتم تصميم العديد من الاستراتيجيات والسياسات على أساس ديمومة الأزمة والانسداد في العلاقة الإيرانية - الغربية.

على أنّ أخطر ما تواجهه المنطقة بعد ابتسامات فيينا؛ أن يفتح الاتفاق الدولي البوابة لشركاء الإقليم كي يتفرّغوا لمواجهاتهم المتبادلة، التي لا تُبقي ولا تذر. فهل ستتفاقم صراعات الإقليم وحروب الوكالة بعد فتح الطريق المسدودة بين طهران وواشنطن؟

لا تتوقف الأسئلة الكبرى عند هذا الحد؛ فكيف سينعكس الصعود الإيراني وطفرته الاقتصادية الوشيكة على حضور طهران في المنطقة وقدرتها على كسب حلفاء جدد أو تحييد أطراف بعينها، حتى ضمن الأسرة الخليجية التي تتبنى مقاربات متعددة نحو الجارة الشمالية؟

رغم أنّ مآلات الاتفاق النووي غير مضمونة، إلاّ أنّ الدور الإقليمي الإيراني مفتوح على احتمالات شتى؛ منها إمكانية استعادة وظيفة "شرطي المنطقة" التي تم تجريد طهران منها بعد الإطاحة بالشاه. هي وظيفة شاغرة على أي حال، بالنظر إلى الاضطرابات الواسعة التي تتفاعل على امتداد الهلال الخصيب وتصعد معها رايات التشدد الميداني.

تبعث واشنطن برسائل طمأنة متلاحقة للأسرة الخليجية التي تستشعر مخاطر الانكشاف الاستراتيجي، دون أن تنزع القلق الجارف في الواقع. فالبيت الأبيض وإن ضمن الحماية لحلفائه؛ فإنه غير معني بوقف الصراعات الضارية وحروب الوكالة التي تجري على تخوم الإقليم.

لماذا لا تستعمل إيران ذكاءها الاستراتيجي في هذه اللحظة لإرسال تطمينات عملية تنزع بها فتائل التفجير الإقليمية؟ ألا تكون اللحظة مواتية تماماً لهذه الانعطافة؛ عندما يرسم ساسة إيران الابتسامات على وجوههم مستشعرين المكاسب الاستراتيجية التي تحققت لهم بعد مسيرة تفاوض أنهكوا خلالها الأطراف المقابلة في الأروقة الدولية؟

تستعد طهران لطمس شعارات "الموت لأمريكا"، بينما تباشر واشنطن إزالة وصمة "الإرهاب" عن إيران؛ لكنّ شركاء الجغرافيا يواصلون تأجيج الأحقاد والضغائن باستعمال لغة صراع شديدة الوطأة على الحاضر والمستقبل. يجري تسخير فضاءات الإعلام والشبكات في هذه اللغة التي تلغي كل القواسم المشتركة التي يمكن افتراضها بين شاطئي الخليج، فتتعاظم التراشقات اللفظية إلى حد أن ينزع كل طرف الصفة الإسلامية والإنسانية عن الطرف المقابل، بما يغوي بسفك الدم وإغراق الأجيال في مستنقعاته.

عندما تقرر الأطراف خوض مواجهة مباشرة أو غير مباشرة؛ فإنّ عليها التفكير بالمخارج الآمنة وبخطوط الرجعة التي سيضطر جميعهم إليها يوماً ما. المؤكد أنّ الجغرافيا ستبقى على حالها الذي كانت عليه، لكنّ التاريخ قد ينجرف بالأطراف المتجاورة إلى حافة الهاوية، إن واصلت رضوخها إلى اتجاه جبري لا تبديل له.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة