حصاد إيراني خاسر بعد الاتفاق النووي مع أمريكا

كانت حجة الحكومة الإيرانية على تعثر الاقتصاد الإيراني في السنوات العشر الماضية أنها بسبب العقوبات الدولية.

الاثنين، 16-05-2016 الساعة 15:50


كانت حجة الحكومة الإيرانية على تعثر الاقتصاد الإيراني في السنوات العشر الماضية أنها بسبب العقوبات الدولية، والحصار الذي فرضته أمريكا والدول الخمس ضد إيران، ولذلك وضعت إيران كل بيضها في سلة واحدة للخروج من أزمتها، وهي السلة الأمريكية، وظنت القيادة الإيرانية الخامنئية والحرسية والروحانية (نسبة للرئيس حسن روحاني) ووزير خارجيته جواد ظريف، أنها باتفاقها مع أمريكا تحديداً تستطيع التغلب على كل مشاكل إيران الداخلية أولاً، والانتصار على معارضيها في توسيع نفوذها في المنطقة ثانياً، طالما تم تحييد الأمريكيين عن دعم الدول العربية وتركيا في القضايا التي تريد إيران التحكم بها، وحكمها في العراق وسوريا واليمن ولبنان والبحرين ومياه الخليج وغيرها.

ووعدت القيادة الإيرانية الدينية والسياسية الشعب الإيراني أنها سوف تتمكن من حل مشاكلها كافة إذا ما توصلت إلى اتفاق مع أمريكا حول الملف النووي الإيراني، بل إنها سوف تسترد كل بيضها من السلة الأمريكية كاملة، وأكثر منها، أو بتعير وزير خارجية إيران جواد ظريف :"بكسب إيران لثقة الغرب"، وفي تقدير ظريف أنه بتاريخ 14 /7 /2015 قد عاد من فيينا وفي سلته كامل البيض صحيحاً وصحياً، وأخذ الشعب الإيراني ينتظر سلة البيض أن تفقس له الرفاه والاستقرار والازدهار والمال الوفير وغيرها، وقد مضت أشهر قاربت العام الأول تقريباً، والشعب الإيراني ينتظر، دون أن يجد لذلك صدى ولا حقيقة، فما الذي حصل؟ ولماذا؟

بداية تم توقيع الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني بين القوى العظمى، وعلى رأسها أمريكا، وبين إيران، في يوليو/تموز 2015، وبدأ تطبيقه في يناير/كانون الثاني الماضي، وطبقت إيران كل التزاماتها، وأوقفت إيران برنامجها النووي مدة 10 سنوات، باستثناء الأبحاث العملية المحضة، وتمّ في المقابل رفع قسم كبير من العقوبات الدولية المفروضة عليها، إلا أن الانتقادات الإيرانية تشير إلى عدم رضا الإيرانيين عن مستوى التطبيق الأمريكي والأوروبي لهذا الاتفاق، ويتهم الإيرانيون الأمريكيين بأنهم لا يسعون إلى تطبيق الاتفاق، ومع ذلك يجدون لهم العذر بأن الضغوط الصهيونية والعربية هي التي تحول دون تطبيق الاتفاق، أي إن الإيرانيين لا يحملون الأمريكان المسؤولية، وإنما كعادتهم يختلقون عدواً يختارونه لخداع الشعب الإيراني، وتوجيه وصناعة صورة العدو الذي يختارونه، سواء كان حقيقياً أم ليس حقيقياً.

وبتاريخ 15 /5 /2016 اعترف نائب وزير الخارجية الإيراني، وأحد المفاوضين الرئيسيين في الملف النووي، عباس عراقجي، أن المصارف الأوروبية الكبرى لا تزال تتردد في التعامل مع إيران، بعد 4 أشهر من بدء تطبيق الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وطهران، ورفع قسم من العقوبات الدولية عن هذا البلد، وانتقد عراقجي "جهات الضغط الأميركية المتطرفة، والنظام الصهيوني، وبعض الدول مثل السعودية، بتشجيع النزعة المعادية لإيران؛ من أجل الحؤول دون استفادتها من ثمار الاتفاق النووي"، وأكد أن طهران "مارست ضغوطاً" على الولايات المتحدة والدول الأوروبية لتسوية هذه المسألة.

أما الرئيس الإيراني روحاني فقد قال بتاريخ 10/ 5 /2016: "إنه تم إعداد تقرير خاص بشأن كيفية قرصنة الأموال الإيرانية من قبل الولايات المتحدة، وسيتم نشره قريباً، حتى يعرف الجميع حقيقة ما حدث، وسنحيل الملف إلى السلطة القضائية أيضاً"، وقد وصلت هذه الانتقادات بعدم جدوى الاتفاق النووي مع أمريكا إلى مجلس النواب الإيراني، الذي وجه سهامه للحكومة الإيرانية بزعامة روحاني، فقد أفاد تقرير لوكالة أنباء قوة القدس (تسنيم)، "أن 102 ونائبين من البرلمان الإيراني أصدروا مذكرة موجهة للملا حسن روحاني طالبوا فيها بوقف تنفيذ الاتفاق النووي".

هذه الانتقادات والمطالبات البرلمانية الإيرانية لنتائج الاتفاق النووي مع أمريكا تؤكد أن إيران قد خسرت معركة برنامجها النووي مع أمريكا حتى الآن في اتجاهين:

الأول: أنها أوقفت برنامجها النووي مدة عشر سنوات، وفككت ما لديها، والتزمت بتعهدات قاسية في ملفها النووي، على أمل أن تعود إليها الأموال الإيرانية المحتجزة في الغالب لدى أمريكا، وتقدر بـ 100 مليار دولار أمريكي، فخسرت إيران برنامجها النووي في مستواه السملي والمدني وليس العسكري فقط.

الثاني: أن المردود الاقتصادي لم يتحقق، وأن أمريكا خدعت الحكومة الإيرانية وخامنئي وروحاني وظريف، فبقيت إيران وكأنها تحت الحصار والعقوبات، طالما أن الشركات والمصارف العالمية نكثت بوعودها وعهودها بالعودة إلى السوق الإيرانية بعد تطبيق إيران لاتفاقها النووي مع أمريكا مباشرة، فخسرت إيران الوعود الاقتصادية أيضاً.

وهكذا فإن الركود الاقتصادي الذي يعترف به وزير الاقتصاد الإيراني، علي طيب نيا، في تصريح له بتاريخ 8/ 5 /2016 قائلاً: "حالياً يقل مستوى الإنتاج في البلاد عن أعلى فترة، أي سنة 2011، والسبب يكمن في الركود"، فهذا دليل على أن إيران لم تجن شيئاً من اتفاقها النووي مع أمريكا، بينما كان المتوقع عكس ذلك كلياً، ولذلك يتوجه الرئيس روحاني إلى الاصطدام مع أمريكا؛ عبر دعوته إلى مقاضاة أميركا، وملاحقة المتورطين في قرصنة الأموال الإيرانية، عبر المحكمة الدولية، وقد بدأ الحديث الرئيس روحاني قائلاً: "بأن الجمهورية الإسلامية في إيران ستتابع قضية قرصنة ملياري دولار من أرصدتها من قبل القضاء الأميركي، عبر المؤسسات الدولية، ولن تسمح لواشنطن بابتلاعها"، وهذا نموذج لوقوع إيران ضحية اتفاقها النووي الذي وضعت فيه كل بيضها في السلة الأمريكية، ثم تسعى الآن للمطالبة به كاملاً وسالماً، وكأن أمريكا مجرد شخص وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، أو هو الكلمات التي كتب بها الاتفاق النووي، ولا تجد لها الحكومة الإيرانية وفاءً، دون أن تدرك أن السياسة الأمريكية هي التي تتلاعب بها قبل غيرها.

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، يدعو لمعالجة الاختلاف مع أمريكا، وإلى توفير التسهيلات المناسبة للرقي بالتبادل الاقتصادي والتجاري والاستثماري مع ألمانيا، وكأنه يفتح باباً للأطماع الألمانية في إيران مقابل تأخر شركات أمريكية وأوروبية كبرى عن التعاون مع المصارف والاقتصاد الإيراني، بينما مساعد رئيس الجمهورية، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، علي أكبر صالحي، يدعو إلى تعاون مع روسيا، ويقول: "إن هنالك محادثات جارية مع روسيا لبيعها 40 طناً من الماء الثقيل"، فهل يمكن أن تنجح الجهود الإيرانية الجانبية لتخفيف الركود الاقتصادي؟ وكأن إيران لم تتعلم من مرحلة العقوبات بأن ذلك لم يخفف من المعاناة الإيرانية، لأن ألمانيا وروسيا تمثلان طرف الكماشة الأمريكية الأخرى.

إن أمريكا ممسكة بذرائع وحجج تمنع الحكومة الإيرانية من رفع صوتها لمواجهة أمريكا مرة أخرى، وقد خسرت ما كانت تلوح به سابقاً في الملف النووي، وما تلوح به أمريكا للقيادة الإيرانية جديداً هو ملف أخطائها وجرائمها ومجازرها التي ارتكبتها في العراق وسوريا، وهذا ليس خاصاً بالحرس الثوري الإيراني، بل والقيادة السياسية أيضاً، فأمريكا مدركة أن حكومة حسن روحاني المعتدلة لا تختلف في موقفها السياسي عن أكثر قادة الحرس الثوري طائفية وإجراماً وتطرفاً، فهذا الرئيس الإيراني (المعتدل) حسن روحاني يقدم شهادة وإشادة ببطولات اللواء قاسم سليماني، فقال بتاريخ 11/ 5 /2016: "إننا نشهد اليوم آثار بطولات قائد فيلق القدس اللواء سليماني في بقاع إيران وأفغانستان والعراق وسوريا وفلسطين".

فالمجازر التي ارتكبها قاسم سليماني في إيران والعراق وأفغانستان وسوريا في نظر روحاني هي بطولات، وهي تقتل المسلمين ظلماً وعدواناً، هذا الحصاد الإجرامي للقيادة الإيرانية في بلاد المسلمين، بما فيها من جرائم ضد الشعب الإيراني، هي نقطة الضعف الإيراني التي ستمنعها من رفع صوتها بالعداء لأمريكا مرة أخرى، فأمريكا هي التي فتحت لها الأبواب للدخول إلى العراق وسوريا واليمن ومياه الخليج العربي وغيرها، لأن رفع إيران صوتها ضد أمريكا واعترافها بخديعة أمريكا لها في الملف النووي سوف يفتح عليها أبواب ثورة داخلية كبيرة، هي الآن آخذة بالتبلور في كل إيران، بل إن إيران سوف تسقط مرة أخرى تحت الحصار والعقوبات الأمريكية والغربية بحجة االصواريخ الباليستية، فقال البيت الأبيض يوم 9 /5 /2016: "إنه يدرس ما إذا كانت إيران قد اختبرت صاروخاً باليستياً متوسط المدى"، وذلك بعد تقارير متضاربة نقلتها وكالات أنباء إيرانية عن إطلاق صاروخ دقيق التوجيه، فالشعب الإيراني لن يفلت من العقوبات الأمريكية والغربية طالما بقت هذه االقيادة الإيرانية في الحكم، فالشعب الإيراني مطالب أن يجد طريق حريته ونجاته خارج طريق الانتحار، الذي يبلغ الآن نحو 4 آلاف مواطن سنوياً، باعتراف وزارة الصحة الإيرانية؛ بسبب الأوضاع غير المستقرة، والفقر، والبطالة والأوضاع الاقتصادية المتردية، بينما القيادة الإيرانية تفتح حروباً طائفة خاسرة مع المسلمين في العراق وسوريا واليمن والبحرين ولبنان وغيرها دون فائدة أو وجه حق، ولا تعود على إيران إلا بالخسارة أكثر مما تخسره في الملف النووي.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة