حكومة السرّاج ودفعها للأزمة الليبية نحو الانفراج

حكومة السراج تعتبر أخف الأضرار مهما كانت نقائصها، وحقناً للدماء ولتفويت الفرصة على كل المتربصين بأمن ليبيا وبأمن المنطقة ككل.

السبت، 09-04-2016 الساعة 11:31


لقد كانت كل أنظار المهتمين بالأزمة الليبية موجهة نحو لقاء ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا "مارتن كوبلر" في طرابلس الثلاثاء الماضي رئيس حكومة فائز السراج وأعضاء حكومته.

وقيام كوبلر يوم أمس الخميس بعرض تقرير مهمته في طرابلس على مجلس الأمن الدولي الذي يدعو من خلاله إلى التعجيل بتسليم السلطة لحكومة فائز السراج بشكل كامل.

هذه التحركات الدولية الساعية لإسراع عملية إكساب حكومة السراج الشرعية ومن ثم تسلمها التام والكامل للسلطة، تدل بوضوح بأن منطق القوة قد فرض نفسه في هذه العملية، حيث تسعى الأمم المتحدة والدول القوية الفاعلة في المجتمع الدولي وحتى مجلس الأمن الدولي لفرض هذه الحكومة بقوة وفي أسرع وقت وهذا ما جعل الشكوك تحوم حولها.

وإذا أردنا أن ننظر لحكومة فائز السرّاج بنظرة موضوعية علينا قراءتها من وجهين:

أما الوجه الأول:

نقول بأنها حكومة غير توافقية إذ إن فائز السرّاج وعدد من وزراء هذه الحكومة لم يستطيعوا أن يدخلوا طرابلس عبر مطارها ودخلوها عبر البحر قادمين من تونس وصولاً إلى القاعدة البحرية بطرابلس، لا لشيء إلا لأن حكومة طرابلس برئاسة "خليفة لغويل" قامت بتوقيف الملاحة الجوية على مطار طرابلس لمنع أعضاء حكومة السراج من الدخول إلى طرابلس.

كما أن الآلية التي جاءت بها غير صحيحة وغير سليمة، وقد تم فرضها من طرف الدول الغربية، وما زاد الشكوك نحوها هو إصرار الغرب على هذه الحكومة بالذات، ومن ثم فالطريقة التي جاءت بها تعتبر خروجاً على قواعد اللعبة السياسية التي أرست وقامت على ثنائية المؤتمر الوطني العام والبرلمان المنحل في طبرق.

ومن هنا نقول بأنها لم تصل إلى الإجماع الكلي بين الإخوة الفرقاء الليبيين خاصة عندما قام رئيس حكومة طرابلس "خليفة لغويل" بإصدار بيان شديد الّهجة أكّد فيه تمسكه بالسلطة وحذّر من خلاله كل أعضاء حكومته من التعامل مع حكومة السراج وكل من قام بذلك سيُعرض نفسه للمساءلة القانونية.

فقرار "خليفة لغويل" بعدم تنحيته عن السلطة في هذه الحالة يُعتبر حجر عثرة في مسألة شرعية حكومة السرّاج.

وكذلك من خلال تصريحات المبعوث الأممي "كوبلر" نفسه على أن هناك نقاطاً ما زالت عالقة، وأن هناك شخصيات لم تقتنع تماماً بالسير وفقاً للخريطة السياسية التي رسمها بموجب الاتفاق الأخير والذي أشرف علية كوبلر نفسه.

فكوبلر يقول بأن هناك جهود مازالت متواصلة من طرف الأمم المتحدة للوصول إلى إجماع حقيقي ليبي حول حكومة السرّاج، وأنها (أي الأمم المتحدة) تتعامل بحذر شديد مع رفض "خليفة لغويل" والشخصيات الليبية الدّاعمة لموقف هذا الأخير.

وأما الوجه الثاني:

فيتمثل في نظرنا للمسألة من زاوية أخرى، إذ إن حكومة فائز السراج تحظى بدعم دولي بداية من الأمم المتحدة نفسها وأعضاء مجلس الأمن، ونهاية عند الدول القوية والفاعلة في المجتمع الدولي.

ومن هنا فالصورة واضحة على أنّ هناك إلحاحاً كبيراً بضرورة تصويت برلمان طبرق لصالح حكومة السرّاج لكي تكتسب الشرعية.

ومن بين نقاط قوة حكومة فائز السراج أيضاً هو ذلك التأييد الذي حصلت عليه من عدة بلديات في الغرب والجنوب الليبي وإعلان هذه البلديات الولاء لهذه الحكومة.

كذلك من نقاط قوة حكومة السراج تأييد المؤسسات المالية والإقتصادية الرئيسية في ليبيا وعلى رأسها البنك المركزي الليبي والمؤسسة الوطنية للنفط والاتحاد الوطني لعمال ليبيا.

كما أن العديد من الدول بدأت التفكير الجدّي في فتح سفاراتها المغلقة منذ ما يُقارب السنتين، وإرسال بعثاتها الدبلوماسية إلى طرابلس، كوزارة الخارجية التونسية التي أعلنت عن نيتها في فتح سفارتها بطرابلس، وكذلك تركيا التي كانت من الدول السبّاقة في إرسال سفيرها لإجراء الترتيبات لفتح سفارتها في العاصمة طرابلس.

كما أكّد وزير خارجية فرنسا أن بلاده ماضية في فتح سفارتها في طرابلس تأييدا لحكومة فائز السرّاج.

وبالمقابل فإن كوبلر يقول بأن هناك مؤشرات إيجابية نحو التوصل إلى إجماع حقيقي للإخوة الفرقاء في ليبيا.

ومن ثم فإن حكومة السراج في نظرنا تعتبر أخف الأضرار مهما كانت نقائصها، وحقناً للدماء ولتفويت الفرصة على كل المتربصين بأمن ليبيا وبأمن المنطقة ككل، وعلى أنّ الوقت ليس في صالح الأزمة الليبية وأي تأجيل من الممكن جداً أن تنتج عنه نتائج وخيمة تؤثر على كل المنطقة وحتى على الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، نرى أن يتم تجاوز نقاط الخلاف والعمل على تذليل كل العقبات التي تُعيق التوافق اللّيبي اللّيبي، وعلى حكومة السراج وحتى تصبح حكومة وفاق حقيقي، عليها أن تستقطب أعضاء حكومة طرابلس والتيارات والمليشيات الأخرى التي لم يتم تمثيلها في هذه الحكومة للوصول إلى إجماع حقيقي، وإذا تحقق ذلك نستطيع أن نقول بأن هذه الحكومة ستكون بريق أمل للأشقاء الليبيين، وحلاً للأزمة التي طال أمدها، خاصة وأنّها تحظى بدعم وتأييد اقليمي ودولي، ومن أجل التفرغ للتحديات الحقيقية الإقتصادية منها والأمنية التي تواجهها ليبيا ولمواجهة ووقف تمدد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" داخل المدن الليبية، هذا الأخير الذي يستفيد ويستثمر بقوة في هذه الفوضى لضرب المؤسسات والمنشآت الاستراتيجية في البلاد، والله أعلى وأعلم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة