حكومة مغلقة وشعب خارج التغطية.. على مسرح الانتخابات العراقية

ماذا ستغير الانتخابات بالوضع الحالي للعملية السياسية، وأي تغيير ستُحدث لتوزيع المقاعد ومحاصصة تسلّم السلطة؟

الاثنين، 09-07-2018 الساعة 09:21

بممثلين محليين ودوليين وبإخراج "داعش" من مناطق سيطرته وحضور لافت للأمن والكهرباء أقيمت الانتخابات النيابية العراقية وسط أجواء تفاؤلية بإحداث تغيير حقيقي للمشاركات السابقة بالرغم من الإبقاء على أبطال المنافسة أنفسهم مع تغيير في الكُنى والأدوار وتغيير في الظهور.

كل هذه الاستعدادات والتحضيرات والتنسيقات والتطمينات وكل ما ينتهي بألف وتاء لم تساعد المعنيين على إتمام العرض للنتائج في الوقت المحدد، ما أثار ريبة المشاركين المنتظرين والمتابعين والمقاطعين والمعارضين، وكل من ينتهي بياء ونون للكسر والفتح، ليأتي العرض ليس مقنعاً "للبعض" وجيداً لآخرين، بينما تحفّظ الصغار ولَم يسرب منهم أي كلام أو فعل.

الجدل والتخوين والأدلة بالصوت والصورة والوثائق على وجود التزوير بالانتخابات أنعش البرلمان في آخر أيام عمره التشريعي، ودفع بأعضائه الذين خسر معظمهم مقعده في الانتخابات إلى حل مجلس المفوضين بمفوضية الانتخابات والذين صوّت البرلمان نفسه على تعيينهم.

 

 

وكذلك صوّت المجلس على إجراء العد والفرز اليدوي الكلي لجميع النتائج، بعد إثبات فشل أجهزة الفرز الإلكتروني التي كلفت أكثر من ١٣٥ مليون دولار، في حين ألغى نتائج انتخابات العراقيين بالخارج والنازحين بالمخيمات والقوات الكردية شمالي العراق، بعد أن تأكد تزوير تلك الأصوات.

اللافت أن من هربوا إلى المخيمات بسبب عدم حمايتهم في الحرب وعدم إدخالهم للمدن الآمنة وتركوهم بالصحارى والوديان بوضع إنساني سيّئ عادوا وزوَّروا أصواتهم، أي أن الأحزاب المتنفذة في العملية السياسية اعتدت على هؤلاء المواطنين حين حرمتهم العيش الكريم داخل بلدهم، ثم لجأت إلى سرقة أصواتهم الانتخابية لتبقى تنتهك حقوقهم.

الأمر ذاته ينطبق على من تغربوا هرباً من الواقع المأساوي للبلد وبحثاً عن الأمن والحقوق وحفاظاً على أرواحهم عبروا الحدود مع عائلاتهم، لم تكفّ أيدي تلك الأحزاب عنهم، فقامت بتزوير وسلب إرادتهم باختيار من قد يعيدهم لديارهم بعزة وكرامة

مسرحية الانتخابات أبت أن تنهيَ فصولها بشكل طبيعي، بعد قرارات السلطة التشريعية، إذ عمل الدرع الواقي والحصن المنيع لحماية المتنفذين في السلطة على تفصيل القرارات كما تشتهي الأحزاب المهيمنة، فذهبت المحكمة الاتحادية إلى عدم إلغاء أي شيء أقره البرلمان والإبقاء على الانتخابات كما هي دون أن تكترث لأدلة التزوير والتلاعب بالنتائج، سوى أنها قضت بإعادة العد الفرز اليدوي لسبعة بالمئة فقط من محطات الاقتراع، ما يجعل من التلاعب بإرادة وأصوات الشعب قانونياً.

ولكن ماذا ستغير الانتخابات بالوضع الحالي للعملية السياسية، وأي تغيير ستُحدث لتوزيع المقاعد ومحاصصة تسلّم السلطة؟ الجواب لا شيء..

حيث رسمت خريطة مقاعد كل محافظة من محافظات البلاد في مجلس النواب بناءً على النسبة التي حددها مؤتمر لندن للمعارضة العراقية عام ٢٠٠٢ لكل طائفة أو مكون، وسهَّل ذلك طبيعة التوزيع السكاني، إذ يسكن الجنوب الشيعة وفِي الوسط السنّة، أما الكرد فمستقرون شمالي البلاد، ومنحت المحافظات مقاعدها النيابية وفقاً لوثيقة المؤتمر، وليس وفق تعداد أو إحصاء سكاني فحصلت المحافظات الجنوبية على مقاعد أكثر من غيرها، مقارنة بعدد السكان والمساحة، ما حسم رئاسة الوزراء للشيعة والبرلمان للسنة، بحين يترأس الكرد الجمهورية..

وبهذا تكون الانتخابات بلا أي تغيير حقيقي بسبب هيمنة الأحزاب المتنفذة والأحزاب التي أسستها شخصيات شاركت في مؤتمر لندن على المحافظات الجنوبية والشمالية، والأمر سواء مع المحافظات الوسطى مع فارق طفيف.

وبتكييف الدستور وفق أُطر محددة وعدم إجراء إحصاء سكاني يصعب التخلص من طريقة تقاسم المناصب والمحاصصة الحالية كما لا يحصل المواطن العراقي على حقه في وطنه بسبب تقسيم الشعب إلى ثلاثة مستويات بامتيازات مختلفة بعضها عن بعض.

وللأسباب ذاتها لا يحصل العراقي بأي مكان على خريطة وطنه على حقوقه، نتيجة الإبقاء على الأحزاب والوجوه ذاتها منذ خمسة عشر عاماً، بفضل وجود توافق دولي عليهم إضافة إلى النفوذ الذي حققوه طيلة سنوات وجودهم في السلطة، لا سيما أن تلك الأحزاب والشخصيات وسّعت دائرة نفوذها عبر إنشاء فصائل مسلحة أطَّرتها بأطر قانونية، لتصبح قوة رديفة للقوات الرسمية، إضافة إلى هيمنتها على منظمات المجتمع المدني والهيئات والمنظمات الاجتماعية والثقافية، ناهيك عن إنشاء أحزاب ومجالس تتبع لها، بعد أن فقدت ثقة الشارع بأسماء أحزابها الرئيسيّة مدعمة وجودها بمشاريع اقتصادية ومصارف للدعم المالي، وبذلك تكون قد ضمنت ديمومتها لسنوات قادمة.

ووسط هذا الكم من التراجيديا في المشهد العراقي يبقى مسرح الانتخابات الأكثر سخرية وفصوله مليئة بالكوميديا السوداء المسماة بلغة السياسة "ديمقراطية" أو "رأي الشعب".

الشعب الذي يسمى بلغة الجمهوريات والحكومات الحديثة "جمهور" وهو الوصف الدقيق لمن يتفرج على الأحداث دون أن يستطيع تغيير شيء فيها سوى أنه ينتظر المشهد التالي، ليعرف ما سيحدث بعد أن يحدث.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة