حلايب وضُعف الدبلوماسية السودانية

حملت الأنباء في الأيام الماضية، تجديد السودان لشكوى قديمة في مجلس الأمن ضد مصر بسبب حلايب المتنازع عليه.

الجمعة، 03-02-2017 الساعة 10:29


حملت الأنباء في الأيام الماضية، تجديد السودان لشكوى قديمة في مجلس الأمن ضد مصر، التي تسيطر على مثلث حلايب المتنازع عليه بين البلدين.. تجديد الشكوى في مجلس الأمن أمر روتيني يحدث مطلع كل عام، لكنّه وجد صدىً واهتماماً هذه المرة؛ ربما للتوتر الكبير في علاقات البلدين، رغم إنكار المسؤولين وعدم اعترافهم علناً بهذا التوتر المكتوم.

تتمثل أبرز مظاهر التوتّر في الحملة الإعلامية التي انتظمت وسائل الإعلام المصرية، جاء فيها أن الأجهزة الأمنية ضبطت خلايا إرهابية كانت تستعدّ لتنفيذ هجمات إرهابية داخل مصر، وزعمت وسائل الإعلام أن أفراد تلك الخلايا تلقَّوا تدريبات داخل الأراضي السودانية.

بالمقابل ربط إعلاميون سودانيون بين الحملة المصرية وبين قرار الرئيس الأمريكي السابق، بارك أوباما، الذي رفع بموجبه العقوبات عن السودان بشكل جزئي؛ بعد اعتراف من الإدارة الأمريكية بحدوث تغيير إيجابي في سياسات نظام الخرطوم، الذي فُرضت عليه عقوبات اقتصادية شاملة منذ العام 1997، وقبل ذلك وضع في قائمة الدول الراعية للإرهاب في 1993.. رأى مراقبون سودانيون أن الاتهامات المصرية ترمي إلى لفت الانتباه إلى أن الخرطوم ما تزال متورّطة في أنشطة إرهابية، ومن ثم فهي تحاول إرجاع السودان إلى مربع العقوبات بعد انقضاء مهلة الـ 6 أشهر التي منحها أوباما لنظام الحكم في السودان.

بالفعل كانت حكومة الرئيس عمر البشير قد تبنّت سياسة مثيرة للجدل، خصوصاً في السنوات الأولى من عمر النظام الذي عُرف باسم (نظام الإنقاذ)، إذ كان يحلم عرّابه الراحل، حسن الترابي، بإقامة دولة إسلامية عالمية، تسبّبت تلك المخططات في مشاكل ما زال السودان يعاني من آثارها، فقد رفع النظام الجديد الذي تسلّم الحكم "آنذاك" بانقلاب عسكري، شعارات مناهضة للقوى الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وتورّط في التدخّل بشؤون دول الجوار، من بينها مصر، التي اتّهم بالتورّط في محاولة اغتيال رئيسها الأسبق، محمد حسني مبارك.

لتلك الأسباب ولغيرها، وضعت الولايات المتحدة السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم فرضت عليه لاحقاً عقوبات اقتصادية قاسية، عانى منها الشعب السوداني أكثر مما عانت الحكومة ورموزها، إلا أن سلوك حزب المؤتمر الوطني الحاكم تغيّر كثيراً في الفترة الأخيرة، فقد تخلّى عن تلك الشعارات التي أقل ما توصف به أنها رعناء وهوجاء، لم يجنِ الوطن منها غير الخراب والدمار.. وقد أفلحت الضغوط الدولية والشعبية الداخلية في حدوث التغيير الذي تكلمنا عنه. على الرغم من أن الحرّيات السياسية وحقوق الإنسان ما تزالان دون الطموح حتى الآن.

في تقديرنا، إن اتهامات وسائل الإعلام المصرية -وإن كانت غير رسمية- لم تصدر عن مسؤول حكومي، فهي تمثّل نظام الحكم هناك؛ لأن الإعلام المصري لا يتحرّك في مثل هذه الأمور إلا بتعليمات من الأجهزة السيادية والأمنية.

رغم النجاح الذي يحسب لصالح الدبلوماسية السودانية في ملف رفع العقوبات الاقتصادية، فإنّها تظهر بمظهر الضعف والهوان أمام قضايا متعلّقة بالسيادة الوطنية؛ مثل قضية حلايب، التي سيطرت عليها القوات المصرية منذ العام 1995، السنة التي شهدت محاولة الاغتيال الفاشلة لحسني مبارك.

خلال فترة مبارك الطويلة، وثورة 25 يناير 2011 وما بعدها، كانت مصر تراوغ في ملف حلايب، تدعو أحياناً إلى جعل المنطقة منطقة تكامل بين البلدين، وأحياناً أخرى يؤجل النقاش إلى اجتماعات اللجنة المشتركة بين البلدين، غير أن اللهجة المصرية اختلفت تماماً منذ أبريل/نسيان 2016؛ حيث أعلنت القاهرة رسمياً رفضها للتفاوض المباشر مع السودان حول مثلث حلايب (حلايب، شلاتين، أبو رماد)، وأصدرت خارجيّتها بياناً بالنص: (حلايب وشلاتين أراضٍ مصرية، وتخضع للسيادة المصرية، وليس لدى مصر تعليق إضافي). كان هذا رداً على طلب الخارجية السودانية التفاوض حول القضية أسوة بما تم في موضوع جزيرتي تيران وصنافير، التي اكتشفت مصر فجأة أنهما سعوديتان! "بغضّ النظر عما حدث لاحقاً في ملف الجزيرتين".

أخيراً، ذكرت الأنباء الواردة من أديس أبابا، التي شهدت لقاء الرئيسين عمر البشير وعبد الفتاح السيسي، أن الجانبين اتفقا على عدم إثارة القضايا الخلافية، ومن بينها ملف حلايب.. مؤكد أنه ليس لدى مصر ما تخسره؛ فالمنطقة واقعة بالكامل تحت سيطرتها منذ 22 عاماً، وترفض في الفترة الأخيرة حتى النقاش حولها، في تحوّل لافت لكنّه طبيعي؛ بالنظر إلى ردّات الفعل الضعيفة التي تجدها القاهرة من الجانب السوداني. بل إن بعض المثقفين المصريين يعتقدون أن السودان كله جزء من مصر! استناداً إلى لقب "ملك مصر والسودان" الذي منحه المستعمر البريطاني شرفياً للملك فاروق، على الرغم من أن هذا الأخير لم يرَ السودان بعينه.. الإعلام السوداني كالحكومة ضعيف وغير مؤثّر خارجياً، فهو غير قادر على شرح الحقائق وتوضيح أن ملوك السودان هم من حكموا مصر بشكل فعلي لسنوات عديدة، وهذا مثبت ومعلوم تاريخياً.

بالتأكيد لا نلوم الجارة مصر على إحكامها السيطرة على مثلث حلايب، رغم كل الخرائط الدولية التابعة للأمم المتحدة ومنظماتها؛ لأنها (مصر) وجدت حكومة السودان ضعيفة هشّة لا قوة لها ولا هيبة إلا أمام مواطنيها العُزّل، الذين يتطلعون إلى تغيير واقعهم الحالي، فتارة تصفهم بالعملاء والمخربين، وأحياناً أخرى تتوعدهم بالويل والثبور.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة