حليف ضروري ومتعب

كان واضحاً في السنوات الماضية أن أوباما لا يريد التزامات تعيد الولايات المتحدة إلى صلب صراعات لا يمكن حسمها.

الاثنين، 18-05-2015 الساعة 08:47


أمريكا قوة هائلة وحسابات معقدة. هذا ما يعرفه الخصوم والأصدقاء معاً. كل دولة في العالم تكاد تشعر أن أمريكا مقيمة قرب حدودها، وأن الظل الأمريكي حاضر في حساباتها. وأنها تصطدم بأمريكا في محاولة توسيع دورها. أو أنها تتكئ على أمريكا للاحتماء من شراهة جار قوي. كأن دول العالم تسعى إلى اعتراف أمريكي بدورها أو إلى ما يشبه شهادة حسن السلوك. ولا مبالغة في القول: إن الهيبة الأمريكية كانت السبب في ردع مغامرات كثيرة ومغامرين كثيرين.

لهذا السبب، تتطلع دول العالم إلى بناء علاقات صداقة مع أمريكا. وهذه الصداقة ليست بسيطة وسهلة، خصوصاً في ضوء آلية صنع القرار في واشنطن. وكثيراً ما استغرب بعض الزوار أن سيد البيت الأبيض الذي يأمر أقوى جيش في العالم لا يستطيع أن يقدم التعهدات التي يسارع إلى قطعها رؤساء أصغر الدول. لهذا تشهد الصداقة مع أمريكا امتحانات دائمة خصوصاً لدى تبدل الإدارات وهبوب عواصف إقليمية أو دولية عاتية. الصداقة مع هذا النوع من الأقوياء مفيدة ومكلفة.

نجحت دول مجلس التعاون الخليجي في جعل قنبلة الدور الإقليمي لإيران حاضرة في كامب ديفيد. كانت تخشى قبل انعقاد القمة أن تقتصر اهتمامات الجانب الأمريكي على قنبلة البرنامج النووي الإيراني. ظهر هذا النجاح من خلال ما أعلنه باراك أوباما خلال القمة ثم في حديثه إلى «العربية». لم تحصل دول المجلس على كل ما كانت تتمناه لكنها حصلت على ما يساعدها على التعامل من موقع أفضل مع سياسة زعزعة الاستقرار الإيرانية. أظهرت القمة أن العلاقات مع أمريكا تحتاج إلى صيانة دائمة. إلى قراءة واقعية للمصالح المتبادلة والرياح المؤثرة على سيد البيت الأبيض. هذه المهمة ليست سهلة.

كان واضحاً في السنوات الماضية أن أوباما لا يريد التزامات تعيد الولايات المتحدة إلى صلب صراعات لا يمكن حسمها. لا يريد إضافة أعباء جديدة أو التسبب في حروب جديدة. ولهذا لم يتردد في مصارحة بعض زواره بأن أمريكا لا تملك منفردة حلولاً سحرية لمشكلات العالم وأن على الدول في مسارح الأزمات ألا تراهن على دور أمريكي نيابة عنها. أي أن أوباما يقدم أمريكا في صورة الداعم والضامن لا في صورة المحارب والمتدخل.

راقبت دول المنطقة سلوك أوباما في مجموعة ملفات. الانسحاب من العراق والأوضاع في هذا البلد بعد الرحيل الأميركي. «الربيع العربي» وما أطلقه من آمال ثم من آلام وموقف أوباما من التجليات المختلفة لهذا الربيع. الحلقة السورية التي شهدت انتفاضة شعبية تحولت لاحقاً حرباً أهلية ومبارزة إقليمية ودولية تتميز باستباحة كاملة للأراضي السورية على أيدي المقاتلين الأجانب الموزعين على معسكري المواجهة هناك. الدور الإيراني في المنطقة وما يثيره من مخاوف لدى دول مجلس التعاون الخليجي. ولا مبالغة في القول إن دول المجلس استنتجت أن من حقها أن تقلق بسبب رهانات أوباما غير المضمونة على تغيير في السلوك الإيراني واتباعه سياسة مترددة يعتبرون أنها ساهمت في إطالة أمد المأساة السورية.

بعد كامب ديفيد تملك دول المجلس صورة واقعية عن استعدادات الحليف الأميركي ودوره في المرحلة المقبلة. العبء الأكبر يقع على دول المجلس في بلورة سياسات تخدم مصالحها وتلتقي مع الحسابات الأميركية. المعركة الأساسية هي معركة الإقليم وحدود الأدوار فيه. هذا يشمل اليمن والعراق وسورية ولبنان ومسارح أخرى. دول المجلس مطالبة باستجماع أكبر ثقل إقليمي ممكن لرسم حدود للدور الإيراني. لإقامة توازن رادع سمح بالبحث عن نظام إقليمي جديد. قمة كامب ديفيد كانت محطة مهمة. المرحلة الأصعب تبدأ الآن. هل تنازلت إيران عن القنبلة النووية لتعزز امتلاكها قنبلة الدور الإقليمي؟ وكيف ترد دول المجلس وما هو موقع مصر وما هو دور تركيا؟ وهل يمكن بناء شبكة إقليمية ترغم إيران على إعادة النظر في هجومها الذي ساهم في إنهاك بعض خرائط الإقليم الضائعة أصلاً بين الشهيات الإيرانية وشراهة «داعش». وفي استجماع أوراق التأثير لا بد من الالتفات إلى حليف ضروري ومتعب اسمه أميركا خصوصاً إذا كان اسم رئيسها باراك أوباما.

(صحيفة الحياة)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة