حماس وتركيا بين رفع الحصار وهدنة السلام

التقارير الإسرائيلية تسعى لأن تجعل من ثمن رفع الحصار ليس مجرد العلاقات السياسية مع تركيا، وإنما لجعل الثمن معاهدة سلام مع الفلسطينيين أيضاً.

الأربعاء، 23-03-2016 الساعة 12:12


منذ أشهر عديدة والحديث عن توصل الأتراك والإسرائيليين إلى اتفاق بينهما حول الشروط الثلاثة التي وضعتها الحكومة التركية على الإسرئيليين لإعادة العلاقات الطبيعية بينهما، على إثر العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية الذي انطلق من تركيا في محاولة لكسر الحصار عن قطاع غزة المفروض منذ عام 2006، كانت حادثة الهجوم عام 2010، وعندها سحبت تركيا سفيرها وطردت السفير الإسرائيلي من أنقرة، ورفضت تركيا إعادة العلاقات مع إسرائيل حتى تقديم الاعتذار لتركيا أولاً، وقد فعلت الدولة الإسرائيلية ذلك بضغط من الرئيس الأمريكي أوباما على رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عام 2013، وحتى يتم تعويض أهالي الشهداء الأتراك العشرة ثانياً، وقد تم الاتفاق على التعويضات وهي جاهزة للتنفيذ، وقد تم الاتفاق على تنفيذ الشرط الثالث وهو رفع الحصار عن قطاع غزة، ضمن اتفاقية يمكن وصفها بأنها اتفاقية اقتصادية، حيث تركز على تمكين القطاع من إقامة ميناء بحري يتمكن من خلاله من استيراد متطلبات الحياة الاقتصادية الطبيعية من أغذية وأدوية ومواد بناء وغيرها.

وبالرغم من التوصل إلى هذا الاتفاق إلا أن التنفيذ لم يتم حتى الآن، ممّا فتح باب التكهنات السياسية عن أسباب ذلك؛ فذهب بعضها إلى أن السيسي ومحمود عباس أكبر المعارضين لرفع الحصار عن قطاع غزة على أيدي الأتراك بالتحديد، فإذا كان ولا بد أن يرفع الحصار عن غزة فلا بد أن يقابله استسلام غزة لسلطة محمود عباس وموافقة السيسي على ذلك؛ أي وفق الشروط التي يضعها محمود عباس والسيسي وليس الشروط التي يضعها الأتراك ولا المحاصرون من أهل غزة، وبعض التكهنات تذهب إلى أن الإسرائيليين لم يوافقوا على الشرط الثالث أصلاً، أي إن الإسرائيليين لم يوافقوا على رفع الحصار عن غزة، ولو وافقوا على تخفيف الحصار، ولكنهم لم يوافقوا على فكرة بناء ميناء بحري خاص بغزة، أو أن الاختلاف على موقعه وحجمه وطريقة الإشراف عليه.

وفي هذا السياق أرجع تقرير لمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي عدم إعلان الحكومة الإسرائيلية حتى الآن موقفها الرسمي من قبول طلب تركيا بإقامة ميناء بحري في قطاع غزة، إلى اعتبارات تتعلق بمصالح لاعبين آخرين في المنطقة على رأسهم مصر والسلطة الوطنية الفلسطينية الرافضَين لإقامة الميناء، إلى جانب المعضلات الأمنية؛ أي إن الموقف الإسرائيلي من الميناء أيضاً هو موقف محمود عباس والسيسي، وليس موقفاً إسرائيلياً محضاً، بل إن هناك من يقول بأن بعض المسؤولين ومن داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها وفي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية يدعون إلى الموافقة على بناء ميناء بحري في قطاع غزة، ومن ذلك إعلان وزير البناء والإسكان وعضو المجلس الأمني المصغر، يوآف جالنت، الذي أعرب عن تأييده لفكرة وزير الاتصالات، يسرائيل كاتس، ببناء ميناء بحري في غزة، خشية انفجار الأوضاع داخل القطاع، وتجنباً لاندلاع مواجهة عسكرية جديدة مع حركة حماس.

والتقرير الإسرائيلي نفسه يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية لم تقرر بعد الموافقة على إقامة الميناء، ولا أنها قبلت الدخول في مفاوضات جدية حول الموضوع، بدليل أن التقرير نفسه يقدم مقترحات للحكومة الإسرائيلية بأن يكون أمامها بديلان هما:

الأول: السماح ببناء الميناء داخل مدينة غزة نفسها، سواء على شاطئ غزة أو في داخل البحر.

الثاني: بناء ميناء ولكن ليس داخل غزة، بل في مدينة العريش المصرية، أو في ميناء أسدود، بأرصفة منفصلة للبضائع المتوجهة إلى القطاع.

وتقارير أخرى تقول بأن بعض الشخصيات الإسرائيلية تنصح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بعدم توقيع اتفاق مع الأتراك لتطبيع العلاقات السياسية بينهما في هذه الآونة؛ لأن الأتراك بحاجة إلى إسرائيل لتخفيف الحصار عن أنفسهم بعد الاختلاف الروسي معهم، وأن تركيا تسعى لتخفيف آثار الحصار الروسي عليها من خلال فتح قنوات سياسية ودولية مع إسرائيل، ويرى التقرير بأن فلاديمير بوتين شخصياً غير راض عن التقارب التركي الإسرائيلي في هذه الآونة، وأن هذا الموقف الروسي أحد عوامل تأخير الاتفاق التركي الإسرائيلي؛ أي إن الاعتبارات المحلية والإقليمية والدولية تقف عائقاً أمام رفع الحصار، وهذا يثبت أن الحكومة الإسرائيلية تخضع لضغوط السيسي وبوتين وعباس، حتى لو كلفها ذلك تأخير إعادة العلاقات التركية الإسرائيلية إلى سابق عدها.

وقد خلص أحد التقارير الإسرائيلية إلى أن قرار الحكومة الحكومة الإسرائيلية بشأن إقامة الميناء ينبغي أن يأخذ في الحسبان ثلاثة اعتبارات:

1 ـ أن بناء الميناء سيكون استجابة للحاجة الماسة لدى حماس والغزاويين لتدفق البضائع، وحرية حركة الأفراد من وإلى القطاع، على ألّا يتحول الميناء إلى معبر آخر تتحكم فيه إسرائيل.

2 ـ أن يراعي إنشاء الميناء المخاوف الأمنية المصرية والإسرائيلية، ففي حال قيام طرف ثالث بمراقبة الميناء ينبغى أن يتزود بالمعدات والتكنولوجيا التي تمكنه من منع تهريب السلاح أو المواد ذات الاستخدام المزوج.

3 ـ أن يشمل بناء الميناء درجة من التفاهم الدبلوماسي بين المسؤولين المعنيين في المنطقة، بحيث تتضمن اتفاقية إقامة الميناء هدنة طويلة الأجل بين إسرائيل وحماس.

هذه القراءة تبين أن التقارير الإسرائيلية تسعى لتوجيه الرأي العام الإسرائيلي أولاً، وهو بدوره يوجه سياسة الحكومة الإسرائيلية، بينما نجد أن القراءات الأخرى العربية والتركية تنصب على النقد السلبي أو النكاية من المواقف التركية، بدل أن توجه قراءات ناقدة ولكن إيجابية، حتى تستفيد منها الحكومة التركية سياسياً، فلو قال أحد التقارير التركية غن من الضروري تحسين العلاقات مع إسرائيل سياسياً لتخفيف حدة الحصار الروسي، أو لفتح أسواق أخرى للشركات التركية، أو بجعل العلاقات التركية الإسرائيلية في ميزان العلاقات التركية العربية وليس ضدها، لوجد من يشكك بكل ذلك ويفسره على أنه تناقض أو استغلال أو خيانة أو غيرها من الألفاظ السلبية، ولكن في نفس الوقت دون أن ينظر إلى الجهات التي تقف ضد تركيا، وما يمارس عليها من ضغوط إقليمية ودولية، ومواقفها السياسية المؤيدة لقضايا الشعوب العربية، بما فيها الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال والحصار.

إن التقارير الإسرائيلية تسعى لأن تجعل من ثمن رفع الحصار ليس مجرد العلاقات السياسية مع تركيا، وإنما لجعل الثمن معاهدة سلام مع الفلسطينيين أيضاً، فإن لم يكن معاهدة سلام فلا أقل أن يكون معاهدة هدنة طويلة الأمد كما تطرح حماس رؤيتها لمسار العملية السلمية مع إسرائيل، فهل من يقدم رؤى سياسية عربية وتركية أخرى، تسعى لحفظ مصالح العرب والأتراك ودون أن تكون مزايدات كلامية شبعت منها شعوب المنطقة منذ أمد بعيد؟!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة