حملات التوعية وأسباب الفشل

اليأس بلغ بالبعض أنه أصبح يرى الحملات التوعوية مضيعة للوقت وخسارة للمال والجهد.

الأحد، 30-11-2014 الساعة 14:25


لا نعاني أبداً نقص عدد حملات التوعية في بلادنا، ولكن الملاحظ أن حملات التوعية لدينا تعاني فشلاً، يتراوح بين فشل كامل أو فشل محدود، ولكنها جميعاً -للأسف- لا تنجح ولا تحقق الهدف المنشود.

بل بلغ اليأس بالبعض أنه أصبح يرى الحملات التوعوية مضيعة للوقت وخسارة للمال والجهد.

إدارة الحملات التوعوية أصبحت علماً يدرّس في الجامعات، وتقام له العديد من الورش، وأم عندنا فهو جهد إما فردي أو تطوعي، يتميز أنه يبدأ بالحماسة ثم تتحول الحماسة إلى خيبة أمل ويأس. ولكن لا أحد يبحث، أو دعني أقول إن من يبحث في أسباب فشل الحملات التطوعية قليل، فلم أرَ أي أبحاث ذات شأن في هذا الموضوع.

فها هي حملات المرور، وحملات تخفيف السرعة، أو ربط أحزمة السلامة، أو القيادة الآمنة، كلها باءت بالفشل.

وها هي حملات التوعية البيئية، ويوم الشجرة، أيضاً باءت بالفشل.

وحملات صحية كثيرة؛ عن العناية بالأسنان وبالعيون، وسرطان الثدي، ومخاطر التدخين، والرضاعة الطبيعية، سقطت في الحفرة نفسها وفشلت.

وعندما تتساءل: لماذا فشلت؟ تجد عدة عوامل للفشل، منها:

أولاً، لأنها جميعاً تجاهد ويسعى منظموها لنجاحهم هم، وليس لنجاح الحملة وتحقيق أهدافها، ومن يعمل منهم مخلصاً، يؤسس الحملة بأسلوب عشوائي تطوعي لا يلتزم بالمعايير القياسية لتنظيم وإدارة الحملات.

لإدارة حملة ناجحة يجب تحديد هدف "واقعي" واحد مبني على إحصائيات حديثة ومعلومات مؤكدة، ولنضرب مثالاً: حملات التوعية بسرطان الثدي.

في مثل هذه الحملات، يجب وضع هدف منطقي واحد؛ وهو إما الوقاية منه، أو اكتشافه مبكراً. من الممكن أن يكون أحدهما هدفاً ثانوياً، ولكن لا يمكن أن يصبح كلاهما هدفاً رئيسياً، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، تحديد المستهدفين بالحملة؛ ففي حالة الوقاية نتجه إلى مدارس البنات في سن تقبل وتفهم مثل هذا الموضوع، وهي المدارس الثانوية والكليات، وفي حالة الاكتشاف المبكر، فمن الممكن استخدام الأسواق بعربات مجهزة أو محلات مخصصة.. اختلف الهدف فاختلف المستهدف بالحملة.

وبسبب العجز والنقص في خبراتنا المتراكمة، يجب مراعاة كيفية بدء الحملة وكيفية إنهائها، إذ يخطئ كثير من مسؤولي ومديري الحملات التوعوية بالتركيز على المدارس الكبيرة، بظنهم أنهم بهذا يصلون إلى عدد أكبر من المتلقين، مما سيزيد فرص نجاح الحملة، ويعتبرون هذا شيئاً بديهياً، ففي ظنهم أنهم إذا تحدثوا أمام عدد أكبر تكون الرسالة قد وصلت إلى هذا العدد. ولكن هذا خطأ كبير.

بل على العكس؛ من الأفضل، في بداية الحملة، أن تكون في المدارس الصغيرة، ثم تنتقل إلى الأكبر فالأكبر، ويكون الختام في المدارس الكبيرة، وهذا لعدة أسباب جوهرية ومنطقية.

السبب الأول:

في المدارس الصغيرة يكون العدد أقل، فيكون الوصول إلى المتلقين كأشخاص ميسوراً، والتواصل معهم سهلاً، وهذا التواصل له عدة منافع، أهمها زيادة الثقة لدى المتطوعين والعاملين في الحملة.

السبب الثاني:

في المدارس الصغيرة يكون هناك مجال للاستماع للطلبة أو الطالبات، فتعرف النقاط التي تحتاج إلى شرح أكثر والنقاط التي يجب إضافتها، وتأثير وسائل الإيضاح وزيادتها أو تغييرها. وهذا لن يحدث إلا إذا كان هناك تواصل مباشر بين إدارة الحملة والمتلقين.

السبب الثالث:

نمو الخبرة لدى المتطوعين في الحملة، وزيادة حصيلتهم المعرفية؛ بسبب مرورهم في تجربة مصغرة، وبعدد محدود في بداية الحملة، كأنما مروا في دورة تدريبية مصغرة.

السبب الرابع:

طلاب المدارس الكبيرة عادة أقل اهتماماً بالحملات التوعوية، لأنهم يرونها باستمرار، ولأن العادة جرت على التركيز عليها، وكثرة الحملات تفقد عنصر الاهتمام لدى الطلبة، في حين أن الأمر يكون على العكس من ذلك في المدارس الصغيرة؛ فالحملات لا تزورهم عادة، ووجود حملة في مدرستهم سيجذب اهتماماً أكبر وتفاعلاً أكبر.

السبب الخامس:

اهتمام طلبة المدارس الصغيرة بالحملات، وسهولة الوصول إلى جميع الطلاب ومناقشتهم، يعني أن نسبة النجاح عالية، وإذا جمعنا عدد الطلبة في المدارس الصغيرة التي وصلت إليهم وتمت توعيتهم، فسنجد أننا حققنا نجاحاً كبيراً، ولو لم تتم زيارة مدرسة كبيرة.

السبب السادس:

عند ختام الحملة ستتجمع خبرة أكبر لدى القائمين على الحملة، وسيكونون أقدر على التعامل مع أعداد كبيرة، ويستطيعون بحصيلة الخبرة التي نالوها، وبالكمِّ الكبير من الثقة في النفس، ومعرفة كيف تشرح النقاط ذات الأهمية؛ الوصول إلى عقول المتلقين وشرح المعلومة والنجاح في الوصول إلى طلاب المدارس الكبيرة المتخمين بالحملات. مما يعني نجاح الحملة.

بالتأكيد هنالك عوامل أخرى، وأتمنى أن أرجع لها في مقال آخر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

معهد باريس الفرانكفوني للحريات: ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتهرب من مسؤولية قتل خاشقجي