حوار الحضارات يبدأ من البيت

توجّهت مساعي الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان التي تفاعلت في الخليج إلى محطات غربيّة.

الأربعاء، 12-11-2014 الساعة 08:37


لا حاجة للذهاب بعيداً من أجل الحوار بين الحضارات والتفاعل بين الثقافات، أو حتى لكسب صورة إيجابية في العالم. ففي البيت الخليجي النمطي ممثلون فوق العادة لمجتمعات أخرى لها خصوصياتها الثقافية والدينية، إنهم يقومون بتدبير شؤون المنزل غالباً، ورعاية الأطفال، وقد يتقمّصون دور الأم في التربية أحياناً. هم يباشرون مهام متعدِّدة ويعايشون أعماق الواقع الخليجي من مناظير شتى، ويحملون انطباعاتهم عبر القارّات.

لا يجوز غضّ الطرف عن الانتشار العريض في مجتمعات الخليج للقادمين من بلدان آسيوية وأفريقية، سواء كانوا عاملي منازل، أم مشتغلين في قطاعات خدمية وإنتاجية متعددة.

تتجلّى في هذا المشهد فسيفساء التنوّع الثقافي والديني وتعدّد المشارب الإنسانية، بما يفرض إنضاج توجّهات رسمية ومجتمعية في تطوير التواصل الإيجابي مع هذه المكوِّنات. والواقع أنّ مجتمعات موازية قد تشكّلت عبر نصف قرن، دون أن يتمّ الحديث معها بل يجري الاكتفاء بالحديث عنها بضمير الغائب.

غاية الأمر أنّ بعض المشروعات والبرامج قد انطلقت تحت لافتة "دعوة الجاليات"، أو باشرت بعض الجهات مراجعة أوضاع حقوق الإنسان في التشغيل تحت وطأة الانتقادات الخارجية.

يصعُب الخروج بانطباعات إيجابية عبر النظرة الفاحصة إلى واقع التواصل القائم مع هذه الفئات والشرائح المصنّفة على أنها "عمالة وافدة". ورغم أنها فئات حاضرة في ثنايا المجتمعات الخليجية لكنها ظلّت غير مرئية تقريباً. وقد تُركت بعض الأوضاع غير السوية على حالها بما في ذلك ظروف الاستخدام والتشغيل التي تفتقر أحياناً للمواصفات الإنسانية اللائقة، أمّا المعالجات التصحيحية فقد تأتي متأخرة تحت وطأة الضغوط الخارجية والتقارير الحقوقية الناقدة؛ بدل أن تنبع من حسّ مبادرة ذاتية تسعى للإصلاح والاستدراك استناداً إلى استشعار المسؤولية والامتثال لتوجيهات دينية وقيمية إيجابية.

ليس المنخرطون الآسيويون والأفارقة في البيئات الخليجية طاقات عمل وحسب؛ بل هم بشر في الأساس، علاوة على أنهم سفراء لمجتمعاتهم وثقافاتهم في الخليج، وسفراء للخليج في مجتمعاتهم وثقافاتهم. لقد تركوا بصماتهم في المجتمعات المحلية، ولكن ما الذي يحملونه منها إلى بيئاتهم السابقة مع التحويلات المالية المتدفقة إلى ذويهم؟

لقد توجّهت مساعي الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان التي تفاعلت في الخليج عبر السنوات الماضية إلى محطات غربيّة، بحثاً عن شركاء حوار محتملين. لكنّ الوجهة القريبة قد تكون أجدى وأقلّ كلفة. فهل يصحّ الذهاب ببرامج الحوار الثقافي بعيداً عن هؤلاء الذين يخالطون المجتمعات الخليجية في أعماقها بما يتجاوز المعايشة التقليدية؟

وما الذي يمكن انتظاره من حملات العلاقات العامة وتصحيح الصورة في الخارج التي تحظى بمبالغ طائلة؛ إذا ما استمرّ إهمال هذه الفئات والشرائح التي تشكِّل في بعض المجتمعات المحلية معظم التركيبة السكانية؟ يكفي ما تفيض به شبكة الإنترنت من تقارير وروايات ومشاهد مفزعة عن ظروف العمل والاستخدام في المرافق والمنشآت والمنازل، ومثل هذا لا يصحّ أن يعبِّر عن بلدان الخليج ومجتمعاتها أو أن يشكِّل صورتها في العالم.

هناك سلسلة من التعديلات المطلوبة من قطاعات المجتمع ومؤسساته ككلّ تتصل بهذا الملف، وهناك حاجة للمراجعة والمصارحة، مع تحرير هذا التوجّه من تقاليد التعامل مع هذه الفئات ضمن أخبار الحوادث، أو من خلال روح القلق من مآلات الاختلال في التركيبة السكانية.

وفي كلِّ الأحوال تبرز الحاجة لأن ينطلق الحوار بين الحضارات والثقافات من البيت، قبل أن يبحث عن مقصده في أروقة فخمة في عواصم العالم القاصية.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة