حول التفجيرات الفكرية بعد تفجير القديح!

أحمقٌ ضغط زراً، وسط مسجد في القديح، فتصاعدت أرواح إلى بارئها، وحصل التفجير باسم التكفير.

الثلاثاء، 26-05-2015 الساعة 09:04


أحمقٌ ضغط زراً، وسط مسجد في القديح، فتصاعدت أرواح إلى بارئها، وحصل التفجير باسم التكفير. مات الأحمق وأحيا بموته فتنة، يجسدها نمط مستحدث من البدع: بدعة تفجير المساجد أيام الجمع، زيادة للثواب والضحايا! وموضوعياً: يقتضي هذا الحدث الأليم تطبيق تصورات عامة لفهم مآلاته، تتجاوز سياق تفجير القديح الطائفي الديني إلى سياق نفسي اجتماعي بالغ الخطورة: فلحظة التفجير الأولى -التي قطفت مصلين أبرياء- أحدثت سلسلة هزات نفسية إرتدادية، لا زلنا لا نتكهن مداها، لكنها حتماً باتجاه رد فعل خاطئ، وهي ارتدادات إن تعاظمت ستكون أشد فتكاً من التفجير الأول ذاته، وهي -تبعاً لذلك- أجدى بالمعالجة السريعة، قبل تعاظم إشعاعات تفجير القطيف القاتلة!

وعموماً: كلما أوغل التفجير في سفك الإنسانية: تصاعد مداه التدميري بالنفوس، وتلاعب بشدة في وجدان الجماهير، صانعاً شحنة هائلة من التحفيز النفسي الانتقامي، ربما تطلب أجيالاً لتجاوزها، وهذه المنهجية الإرهابية أثبتت نجاعتها بشرخ المجتمع في العراق وسوريا، ونسأل الله أن يحمي السعودية منها.

لكن ثمة استثناءات في هذا السياق تبعث على التفاؤل بإمكانية مداراة هذه المأساة. فالتفجير تبناه تنظيم داعش، بتجسيد مبدئي لحالة قادمة عبر الحدود، لا تمثل أصلاً في المجتمع السعودي، ولا تنتمي إلى أيٍّ من مكوناته. وهذه ميزة تختلف عن نظيرها من الحالات في العراق وسوريا، وبغض النظر عن أصل انتماء الشخصية التي نفذت التفجير: فهي تتحرك بدوافع منفصمة تماماً عن واقعها الوطني السعودي، وليس سهلاً إيجاد بيئة حاضنة تحتويها.

ثم إن داعش ابتداء، وعلى المستوى العملي، تتبنى نهجاً حيادياً تجاه الشيعة، وعملياتها موجهة فقط تجاه أهل السنة، وبمفارقة عجيبة، لم تقم داعش بتفجير أي مسجد شيعي في العراق أو سوريا، رغم أنها "متمددة" هناك منذ فترة طويلة، والشيعة من حولها بالملايين، بل على العكس من ذلك: أقدمت في فبراير/شباط الماضي على تفجير مسجد عمر بن الخطاب في الأنبار، أحد مساجد أهل السنة الأثرية، فضلاً عن غيره من المساجد السنية حصرياً! وهنا: لا يستطيع المراقب تجاهل "انتقائية" المساجد المستهدفة بالتفجيرات، وهي انتقائية بعيدة عن الدوافع العقائدية التي يطبل حولها تنظيم داعش، بل إن الأوضح: دوران المصلحة وراء كل تفجير يقوم به داعش باتجاه مصالح إيران العليا.

والأخبار مضت جازمة بأن داعش لا تتحرك سوى ضد أهل السنة في العراق وفي سوريا، ولم تجرؤ منذ إعلان "تمددها" على التعدي على مدينة شيعية، أو إقلاق أمن مزار شيعي أو حتى مجرد التهديد بذلك، فداعش موجهة لصدور أهل السنة دوناً عن غيرهم، وهي إن فجرت مسجداً للشيعة، فهذا من مقتضيات المصلحة الإيرانية الشعوبية كما أشرنا، والتي تعتبر كل العرب، سنة وشيعة، مجرد حطب لمحرقة طائفية، ستحرق نيرانها كل شيء ما عدا مصالح الفرس.

ولو افترضنا جدلاً بأن داعش كان تستهدف الشيعة في القطيف، بفعل طائفي عقائدي متجرد من أي أجندة سياسية: فلماذا تحاول داعش، وفي هذه الأثناء تحديداً، إقلاق أمن المملكة الداخلي بينما هي منشغلة بقتال الحوثيين باليمن، وهم شيعة أيضاً؟! فالبديهي أن إثارة بلبلة داخلية في المملكة بهذا التوقيت لا تخدم أحداً سوى إيران، بل إنه يصعب إيجاد مصلحة مضادة لإيران بهذا الفعل، حتى لو حاولنا غصباً تحميل الشر الكامن بتفجير القديح معنى من معاني حسن الظن بإيران، بجعلها محايدة على الأقل فيما جرى!

ولا نستطيع تخيل الرؤية التي تتبناها داعش من وراء هكذا تفجيرات: فهم لا يستطيعون مسح المجتمع الشيعي السعودي من الوجود ولو قامت بعشرات التفجيرات، وليس ثمة هدف استراتيجي مثّله مسجد القديح، سوى عبثية الفعل وخبث المقصد.

لذا: نحن نعتقد جازمين بأن تفجير القديح هو فعل إيراني حتى النخاع، نفذته داعش لعمل زلزال في المجتمع الشيعي السعودي، وفتح جبهة داخلية تقوض جهود المملكة في عاصفة الحزم وإعادة الأمل. والأهم: يهدف التفجير إلى تركيز حالة الاستقطاب بين فئتين: أقلية شيعية وأكثرية سنية تتعايشان معاً في بيئة واحدة منذ مئات السنين، وتقتضي المصلحة الإيرانية تفجير الروابط الاجتماعية والجذور المشتركة بينهما.

لكن الهزة الارتدادية الأخطر التي نخشى منها بعد هذا التفجير: محاولة صناعة نوع جديد من "الفكر الضال" شديد التركيز بين الشباب الشيعي السعودي، بعد أن ظل الفكر الضال (وفقاً للمصطلح الدارج بالمملكة) منحصراً بالشباب السني المتأثر أو المتبني لفكر الجماعات الجهادية المتطرفة. إذ تسعى إيران عبر ذراعها الداعشي إلى ترسيخ مفهوم شديدة الخطورة بين أولئك الشباب، يقوم على نسف مفهوم "الوطنية"، وتجريد الثقة تماماً ببيئتهم العربية، وقطع كل انتماء سعودي، مقابل إحلال "المذهبية" التابعة لإيران محل "الوطنية الخليجية العربية"، وعمل غسيل دماغ طائفي يحول هؤلاء الشباب إلى قنابل انتحارية "مصنوعة في طهران"!

وليس سراً سياسة إيران القديمة (بتصدير الثورة)، وشرخ المجتمعات عبر تهديم الروابط الوطنية الاجتماعية المتجذرة، لكن الحذر لا يمنع القدر: إن لم يكن الحذر كافياً لإيقاف شر إيران. ونظرة سريعة على الفضائيات المؤيدة لإيران تظهر السياسة الإعلامية المستغلة بخبث شديد لتفجير القديح من أجل تجريم (الحكومة) وربطها غصباً وبهتاناً بالطرف المسيء، متجاهلة الحشد الرسمي السعودي والشعبي، وبقيادة الملك مباشرة، القائم على إنكار قتل المصلين بالقديح وتجريم التعاطف، فضلاً عن الجريمة ذاتها!

إن أوجب الواجبات الآن هو التحرك لمكافحة التفجير الفكري الضال الذي تسعى إيران لنشره بين فئة الشباب السعودي المشار إليها، ومنع إيران من خلق تصورات معادية للمملكة في أذهانهم: عبر تحريف الحقائق، وإشاعة البهتان، واستغلال بعض أوجه القصور البشري اللازم في أداء المؤسسات والحكومات لزرع مشاعر "التمييز" وصناعة "المظلومية الوهمية"، تأجيجاً لحقد ثوري يحرق الأخضر واليابس، إذ الأصل الطيب بأهلنا الشيعة في المنطقة الشرقية يقتضي تحصينهم من مثل هذه التفجيرات الفكرية، ومنع إيران من استغلال بذرة الخير بهم لقيادتهم نحو محرقة صفوية، لا قدر الله.

ومع تعاطفنا الشديد مع الأبرياء الذين قضوا وهم ينتظرون الصلاة في بيت من بيوت الله، فإن انسياق ذويهم ومجتمعهم نحو استقطاب يُرضي إيران سيكون قتلاً ثانياً لأولئك الضحايا، ففورة الدماء الحارة البريئة التي قضت في القديح يجب ألّا تضيع رخيصة في سبيل طائفية إيران. وقد كنا نتمنى من أولاء الذين يفجرون المساجد، وبالحد الأدنى على الأقل، مراعاة أخلاق الحروب التي يُفترض بالمسلمين التزامها "إنسانياَ" حين يقاتلون "الكفار"، فلا يقتلوا طفلاً ولا امرأة ولا راهباً متعبداً! لكن هيهات منهم الفِطنة، ثم هيهات منهم الرحمة!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة