حول تنظير "الشنقيطي" للربيع العربي!

الوهيب: حين يشترك الثوري مع الطاغية بنفس القيم الهابطة: تتحول الثورة إلى مجرد صراع على السلطة

الخميس، 06-08-2015 الساعة 12:07


نشر أستاذنا الكبير، محمد بن المختار الشنقيطي مقالا في الجزيرة نت، يستكمل فيه تنظيره حول الربيع العربي وأوراقه المتساقطة مع اشتداد الصيف الساخن في الشرق الأوسط الملتهب، وسمى مقاله "من الثورة المضادة إلى الإصلاح الوقائي"، وكانت فكرة المقال تتمحور حول أن الأنجع والأسلم اختصار مشقة التغيير العنيف بإصلاح وقائي تقترفه الأنظمة العربية طوعا، قبل أن يُفرض عليها كُرها، واستعان في تنظيره باستنباطات الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون حول الثورة الفرنسية، والمقال يأتي ضمن إطار شامل من فكرة تسيطر على أذهان العديد من المفكرين، تقول بأن الإصلاح السياسي في العالم العربي هو مفتاح الحل، وأساس التغيير، ومبتدأ الخروج من الواقع النكد.

ونحن هنا، وبتواضع واحترام يليق بمقام الأستاذ الشنقيطي، نعرض تعقيبا لما تفضل به في مقاله، إذ نعتقد بأن روح المقال وفلسفته فيها تبسيط لأصل المشكلة، بل إن هذه الفلسفة هي التي قادت إلى حتف الربيع العربي الأول، وتبخر أحلامه اللذيذة على قصعات الأكَلَة من أولي الثورات المضادة.

إبتدأ الأستاذ الشنقيطي نقاشه، وكعادته، باستلهام قاعدة تقول بأن "أسباب الثورات ترجع إجمالا إلى سبب عام هو تخلف الدولة عن المجتمع، وهو ما يؤدي إلى تآكل الشرعية السياسية للأنظمة الحاكمة في أذهان المحكومين، مع انفتاح تلك الأذهان على بدائل أفضل وأنبل".

والمشكلة باستلهام الشنقيطي هذا، أن تعميم قاعدة فكرية في سياق إنساني ما - بحيث يمكن تطبيقها واقعيا في جميع أو معظم السياقات -: أمر بالغ الصعوبة، إذ يكاد يستحيل تمحيصها علميا، كما أنه لا يمكن اعتماد "سياق واحد منفرد" برهانا لها، فالقاعدة التي أشار إليها ليست مطلقة أولا، وليست قابلة للتطبيق في حالة الربيع العربي ثانيا. فالدولة العربية ليست متخلفة عن المجتمع العربي، إذ كلاهما بالتخلف سواء، الدولة تتخلف سياسيا، والمجتمع يتخلف إجتماعيا، والكل يمارس دوره بالتخلف المتقن، وبما يليق ومرتبته!

وهنا تكمن المشكلة، في أن تنظير الأستاذ الشنقيطي، وتنظير كثير ممن صنعوا وهتفوا بأحلام الربيع العربي، ينظر بعين النقد للتخلف السياسي، ويتحاشى متجرداً عن التعاطي مع التخلف الإجتماعي الرهيب، وهذه نظرة أحادية جزئية منقوصة للمشكلة الكلية لعالمنا العربي.

ولسنا بصدد تحديد هل البيضة أتت قبل الدجاجة، وهل أفرز التخلف الإجتماعي كوارث سياسية أم أن التخلف السياسي هو الذي أسهم بصناعة نظيره الإجتماعي المتخلف، المهم أن كِلا التَخَلُفَين: السياسي للحكام، والإجتماعي للشعوب، يتعاضدان في رسم المشهد البائس عربيا، فالأذهان في المجتمع العربي، وفي سياق ربيعه الذي مضت أمجاده، لم تتفتح -إجتماعيا- على بدائل أفضل، وأنبل، يمكن أن تساهم بتدعيم القاعدة التي ساقها الشنقيطي بخصوص سبق المجتمعات العربية لأنظمتها السياسية!

وحين يشترك الثوري مع الطاغية بنفس القيم الهابطة: تتحول الثورة إلى مجرد صراع على السلطة، وتتجرد من بعدها الإنساني إلى سياقها الحيواني، حيث قانون الإنتخاب الطبيعي وحتمية البقاء للأقوى، وهذه ليست ثورة بقدر ما هي رغبة بالتغيير، أو انتفاضة للتعبير عن سخط، أو طموح لتعزيز مكاسب فردية أنانية، أو انقلاب لحيازة سلطة أو كسب نفوذ، ولكن بجميع الحالات: سنكون مسيئين لأنفسنا ولغيرنا حين نصف مثل هذه الأوضاع البائسة بكلمة: ثورة!، وسيكون أسوأ لو قارنها بالثورة الفرنسية، كما يقترح الأستاذ الشنقيطي في مقاله.

وحين نقول بأن الشعوب تسبق أنظمتها، وتتطلع للأفضل والأنبل، فإن ذلك يقتضي بالضرورة وجود قيم عليا، تتبناها تلك الشعوب وتنغرس بفكرها ومُـثُـلها الإجتماعية، وتتجاوز سياسات دولها وأنماطها المتخلِفة، لكن عمليا: لم يسهم الربيع العربي بتعزيز أي قيمة مثلى (ونقصد عمليا بعيدا عن الشعارات!)، سوى قيمة التغيير لأجل التغيير، أو التغيير بإزالة ما هو موجود دون طرح بديل، أو التخلية بلا تحلية بلغة أهل التصوف، بل إن ضحايا الدكتاتوريات العربية وجدوا أنفسهم يمارسون ذات الأساليب والمنهجية المتوحشة مع مخاليفهم -ممن كانوا يقمعونهم- حين امتلكوا السلطة والقدرة، وحين نفتش في سجلات الربيع العربي، نجد على سبيل المثال لا الحصر، أن المليشيات المسلحة الليبية مارست التعذيب وانتهاك الحقوق الآدمية شأنها شأن نظام القذافي، وكأن المجتمع الليبي ثار لتعيين جلّادين جُدد بدلا من جلادي القذافي، ومثل ذلك يحصل بسوريا، التي انعقد فيها شبه اجماع من قبل الثائرين كما الموالين للأسد، على سفك كرامة بعضهم وحقهم في الحياة، وتغليب منطق القوة على كل القيم.

فإن جادل البعض بأن الطغاة جروا شعوبهم -مضطرة- للعنف والسلاح، فإن مصر أنموذج للمجتمع الذي ظل بعيدا نسبيا عن فوضى السلاح ومنطق القوة، لكنه أبى إلا أن يحافظ على تخلفه القيمي، من قبل الثورة ومن بعدها، وبما يكفي ليدخل بحالة الصمت السلبي من بعد أن قتلت الديكتاتورية "أفضلهم" و"أنبلهم" ورمت بالبقية في السجون، حيث أطبق التخلف القيمي على عموم المشهد المصري وأدخله بحالة من الإقرار الضمني الجبري بالدكتاتورية، فاستمر هبوطه نحو اللاقاع، شأنه شأن الحالة التونسية: التي أكدت انتخاباتها الأخيرة أن مجتمعها بقيمه وميوله وقناعاته هو من بــوّأ بورقيبة وبن علي والسبسي على قمته. نعم: المجتمع وبإرادته الحرة لم يرتضي لقيادته سوى من يسميهم الشنقيطي أصحاب "الثورة المضادة"!.

نحن هنا نخطأ جدا، حين نعتقد بأن الأنظمة العربية الفاشلة هي مجرد رأس جبل مملوء بالقمامة والجيف، والتي تراكمت وأخفت من تحتها مجتمعا ممتداً يفيض بدائل وفضائل أنبل وأحسن! لا، ليس الأمر هكذا: تخلفنا العربي السياسي هو الوجه الآخر لتخلفنا القيمي الإجتماعي، بل إن التخلف الإجتماعي هو أشد وأنكى، فالنظام السياسي يمكن تغييره، ويمكن حصر أفراده وسجنهم أوسحلهم أو إعدامهم أونفيهم (مثلا)، ولكن ماذا عن المجتمع الممتد كجذور متعفنة لنظامه السياسي؟

ثم إن الأستاذ الشنقيطي، حاول الربط بين الثورة الفرنسية وبين الربيع العربي، وهو ربط لا يصح، لاختلاف السياقات الشديد، فالعالم العربي شهد موجة تململ وانتفاضات سمّاها الإعلام: ربيع عربي، أما فرنسا فقد قاد شعبها ثورة! ودليل ذلك من ذات المقال، ومن ذات الجزء الذي ربط فيه السياقين خطاءً، حين قال: "وحينما نشبت الثورة الفرنسية عام 1789 -وهو المكافئ للعام 2011 من الزمن العربي الحاضر- لم يدرك ملك فرنسا ولا النبلاء ورجال الكنيسة عمق التحول التاريخي الذي تمر به فرنسا، سواء من حيث فاعلية الشرارة الفكرية التي فجرها فلاسفة السياسة الفرنسيون مونتسكيو، وفولتير، وروسو، أو البركان الاجتماعي المتفاعل في أحشاء المجتمع الفرنسي". وهنا يكمن الخطأ في المقارنة بين الربيع العربي والثورة الفرنسية: فالشرارة التي أشعلت جسد البوعزيزي وفجرت احتاجاجات الربيع العربي، لم تكن شرارة فكرية، فـ "البوعزيزي" لم يحرق نفسه لأجل مبدأ خرج ثائرا لأجله، ولم يحرق نفسه قاصدا اسقاط الرئيس! الشعب الجائع لا يصنع ثورة، بل يحتج على الجوع، وهذا لا يشترك، بأي حال من الأحوال، مع تلك الشرارة الألمعية الفكرية الذكية التي أشعلت الثورة الفرنسية، وأحيتها بنفوس المجتمع الفرنسي لسنوات طويلة قبل أن تتفجر نارها لتصنع التغيير. لم يكن هناك سوى فراغات فكرية تقود الربيع العربي، فمضى هائما أعمى نحو هدف مجهول، إذ ليس عندنا ما يكافئ ما بذله مونتسيكو وفولتير وروسو للشعب الفرنسي، بل ظل الربيع العربي جسدا ثائرا بلا عقل -تجسده قيادة ونخبة-، وتضحيات جسيمة بلا تصور لمآلاتها.

ونحن نخالف الأستاذ الشنقيطي بالمقارنة الذي تقول بأن عام ١٧٨٩ مثل العام ٢٠١١ من الناحية الثورية، فهما ليسا متشابيهن بأي حال من الأحوال (إلا اللهم حالة الفوضى والهيجان). فالمثقفون العرب، بكل نخبهم وطوائفهم وعقائدهم، وصلوا إلى عام ٢٠١١ خالي الوفاض من أي شكل "للعقد الإجتماعي" اللازم -ولو نظريا- في مرحلة ما بعد "الشعب يريد تغيير النظام"، وهؤلاء هم ذاتهم اضطروا لركوب موجة الثورة لقيادتها، والتعامل معها كواقع مستجد على نمط "لم آمر بها ولم تسؤني"، فنشأ بسبب ارتجالهم الفكري: خلافات عميقة، وانقسم المجتمع العربي، وأذاق بعضه بأس بعض، ومضت -بعفوية- منهجية الربيع العربي: إسقاط الرئيس أولا، ثم البدء بالتفكير بالبديل تاليا، والبحث عن منهج وفكر يقود الدولة والمجتمع بعد كل ذلك، ثالثاً! ولعل هذا الارتجال المستهتر بدماء الضحايا يليق بحالة التخلف العربي الحالي، لكن لا يصح افتراضه ابداً في حالة الثورة الفرنسية.

بل حتى القاعدة الفلسفية التي اعتمدها الشنقيطي أساسا في مقاله، وهي أنه "يجب في عالم السياسة كشف عواقب الأمور، ومنح المطالب طوعا قبل أن يحل الوقت الذي تمنح فيه كرها" يستحيل تطبيقها في سياق الربيع العربي، إذ قبل الخوض في موضوع "مطالب" الربيع: حصل التشظي في هوية المجتمع العربي، وانقسم على نفسه متحولا إلى خلايا صغيرة متناحرة ذات هويات متعددة، وأصبحت "المطالب" هي الكلمة المفتاحية لصراع الأخوة والاشقاء وأبناء البلد الواحد، وهي ذات الكلمة التي استحال انعقاد إجماع عليها إلا بسياقها الفضفاض الذي أنشأ الأزمات الأمنية والإقتصادية في ليبيا وتونس واليمن وسوريا، وقسم المجتمع المصري إلى موالين لمرسي و"معادين" له، وسبب ذلك كله بالأساس يعود إلى أن العاطفة هي التي قادت الجماهير وليس الفكر، فالربيع العربي كان نفضة ألم، ورعشة إنسانية من سياط الطغاة، ورغبة بالخلاص منهم نحو "المجهول"، وقد تبين أن المجهول مخيفٌ في بلدان الربيع العربي!

ثم إن الثورة الفرنسية، التي قادها عقل وفكر، ساهمت في بدايتها بإصلاح وقائي نسبي (بعيدا عن منطق العنف)، مثل الذي يقترحه الشنقيطي، وتبنت نموذجا عمليا واقعيا ذا نضج سياسي أدى إلى ملكية دستورية تقر حكم الملك لويس، واستمر ذلك ثلاث أعوام انتهت بثورة دموية لاحقا، لأسباب موضوعية ذكرها الشنقيطي بمقاله، فهل حاول الربيع العربي البدء بمحاولة (مجرد محاولة) "لإصلاح" واقعي ما قبل التصادم؟ الحقيقة أن الأطفال العرب خرجوا للشارع منذ أول يوم يهتفون مع الكبار: إرحلْ: الشعب يريد إسقاط الرئيس، ومضى الربيع العربي متصادما بحــدية خيالية مع أنظمته، وبتعدٍ صارخٍ على التدرج اللازم وفن السياسة، فدخلت الشعوب في "ساعة الصفر" مع أنظمتها دون سابق إعداد، وبارتجال دموي معيب، لا يمكن مقارنته أبدا مع الثورة الفرنسية.

نحن هنا إما أن نقسوا على أنفسنا، أو علينا أن نتحمل قسوة الجلّاد! ونحن، بأيدينا، سنبطش وننحر المزيد والمزيد من أبنائنا كلما تجددت موجات الربيع العربي، إن بقينا مصرين على بدء الإصلاح من الأعلى، من قمة النظام السياسي، وتجاهلنا المشكلة الأعمق والأعوص التي تنخر في قاعدة الهرم العربي: مجتمعاتنا. كان درسا مؤلما للربيع العربي الراحل، وهو أن تغيير "رأس النظام" هو الجزء الأسهل من الموضوع، لأنه مجرد تغيير وهمي منقوص، فالنظام الفاسد لا يُعدم من رؤوس الشياطين، كشجرة طلعها أثيم!

حين نريد إشعال ثورة ربيع عربي قادمة: فلابد من البدء العملي من قاعدة المجتمع، ولابد من إدراك أن مجتمعاتنا العربية "مخترقة" إعلاميا، وتعصف بقيمها إغراءات المادة وضغط الحاجة، وأن ثمة عَـوَق فكري ساهم بتشتيت المواجهة، وجعل الطغاة ينامون حاليا نوما هادئا بعد أن خمد البركان نسبيا، وأيست النفوس. نعم: نحن انتهينا من حيث ابتدأت الثورة الفرنسية، ولابد من بذل الجهد للتغيير وقيادة المجتمع بفكرنا وحيازة إجماعه ووحدته قبل التفكير بإسقاط رأسه، وهذا أصعب من مجرد حشد الآلاف للتظاهر في الساحات، فالتظاهرات ليست ثورات! ما عدا ذلك: كل ثورة تائهة هي ثورة حرام!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة