حين يصرخ الفلسطيني.. يا وحدنا

يا وحدنا .. صرخة أطلقها الشاعر الفلسطيني محمود درويش بعد غزو إسرائيل للبنان عام 1982، وقال مثلها قبله الأديب غسان كنفاني، ولاكتها ألسن بعد ذلك في مناسبات كثيرة.

الثلاثاء، 29-07-2014 الساعة 03:03


يا وحدنا .. صرخة أطلقها الشاعر الفلسطيني محمود درويش بعد غزو إسرائيل للبنان عام 1982، وقال مثلها قبله الأديب غسان كنفاني، ولاكتها ألسن بعد ذلك في مناسبات كثيرة.

الشعور بالوحدة في مواجهة عدو غاشم طالما لازم الفلسطيني مذ باتت القضية الفلسطينية مجرد مادة للتكسب السياسي بين الأنظمة العربية، مغادرة عصر "الحمية القومية" الذي ربما كانت آخر أيامه مع جيش الإنقاذ في حرب 1948.

قالها الفلسطيني في تل الزعتر وقالها في حرب 1982، وفي حروب المخيمات التي تلت، وفي كل عدوان شنته إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة بعد عصر أوسلو، وفي انتفاضتيه الأولى والثانية. قالها في حروبه ومواجهاته، وفي سلمه ومفاوضاته، ويقولها كل يوم على الحدود وفي المطارات وزوارق الموت المتجهة إلى البلاد الأوروبية. وقالها قبل ذلك، فى كل حين وجد نفسه فى مواجهة مع نظام "تقدمي" أو "رجعي" كشف عن عورته القومية عند أول اختبار، قاد إلى طرد الفلسطيني تباعاً من الأردن والكويت والعراق ولبنان وأخيراً سوريا، في حين ترتفع أصوات اليوم لطرده من مصر أيضاً.

هذا الفلسطيني، يتغنى الجميع بحبه وتقديس قضيته، ويتفنن الجميع في إذلاله وبيع قضيته. محبوب على الشاشات، مطرود في الحدود والمطارات. باسمه تسطر الجرائد رايات البطولة والصمود، ومن اسمه يتعوذ الساسة وكأنه شيطان رجيم.

اليوم في العدوان على غزة تخرج المظاهرات، وتعقد الندوات والمؤتمرات لنصرته والتضامن معه، من مصر إلى لبنان والأردن وتركيا .. إلخ، وجميع هذه الدول تمنع الفلسطيني من دخول أراضيها، إلا بتأشيرة يستحيل غالباً الحصول عليها.

باسمه وباسم قضيته، تسلحت الجيوش وتكدس السلاح، وحجبت الديمقراطية، وتربع الحكام على عروشهم عقوداً من الزمن. وباسمه وباسم قضيته، عقدت الصفقات وتراكمت أموال الفساد، وقامت انقلابات، وتفجرت خلافات، وعقدت مصالحات، وهو والقضية آخر من يعلم، وآخر من يستفيد. ليس للكردي إلا الريح .. هكذا قال محمود درويش ذات يوم. وليس للفلسطيني إلا نفسه، هكذا تقول المقاومة في غزة اليوم. فمن سلحوا الفلسطيني ذات يوم، إنما كانوا يبحثون عن حصتهم من دمه الذي طالما كان يبيض ذهباً. مع كل عملية فدائية، كل رصاصة تطلق على إسرائيل، كل شهيد يسقط، ترتفع أكثر راية "المقاومة والممانعة" من ​​طهران إلى الضاحية مروراً بدمشق، فتأتي أحداث سوريا لتخبرنا أنها راية الحسين، وليست أية راية أخرى.

باسم فلسطين اغتصب معمر القذافي ليبيا أكثر من أربعين عاماً، ودفع لإيران ثمن الصواريخ التي كانت تقصف بها بغداد. وباسم فلسطين طرد جميع الفلسطينيين العاملين فى ليبيا وبعث بجيوشه إلى تشاد، ودون أن يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل.

وباسم فلسطين، استولى حزب البعث على السلطة في العراق وسوريا لأربعين عاماً، واعتقل مناضلوه الأشاوس وقتلوا أعداداً لا تحصى من شعوبهم، وجيشوا الجيوش وكدسوا السلاح الذي لم يظهروا بسالتهم في استخدامه إلا ضد شعوبهم.

ويظل الفلسطيني شاهداً وضحية، شاهداً على العهر الذي يُمارس باسم قضيته، وضحية مزدوجة لعدو يتربص بأرضه، وشقيق يخطف صوته ليبيعه في سوق المزاودات القومي.

يا وحدنا .. يشعر بها الفلسطيني اليوم، كما يشعر بها السوري في كفاحه من أجل الحرية الذي يقترب من دخول عامه الرابع، وكما يشعر بها كل عربي يحتاج في محنته إلى شقيقه العربي فلا يجده إلى جانبه، وتكون الفاجعة حين يجده في الخندق المقابل يطعنه من الأمام هذه المرة وليس من الخلف.

"أكلت يوم أكل الثور الأبيض" هذا حال الفلسطيني، وكثير من العرب اليوم، يُؤكلون فرادى، من عدو خارجي، أو عدو داخلي. وحتى "الزعيق الإعلامي" الذي كان سمة النصرة القومية لعقود خلت، بات عزيزاً اليوم، وحلت مكانه رطانة جديدة أبطالها من باتوا يسمون "الصهاينة العرب".

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة